باسم محمد حبيب
قلت في منشور سابق إن أقدم ثورة ضد الانظمة السياسية عرفها التاريخ وقعت في
بلاد سومر جنوب بلاد الرافدين في حدود 2600 قبل الميلاد
أي قبل ما يقرب من
خمسة آلاف سنة ، وقد وقعت في مدينة الوركاء ( أوروك ) في عهد الحاكم
جلجامش خامس ملوك سلالة اوروك الأولى ، والمثير في هذه الثورة القديمة أنها
لم تشهد سفك قطرة دم واحدة ، إذ ألتزم الثائرون بمنهجهم السلمي حتى
النهاية ، فشملت فعالياتهم وقفات إحتجاجية أمام معبد إله ( آنو ) كبير آلهة
البلاد حسب إعتقادهم آنذاك ، فضلا عن إقامة صلوات بمشاركة الكهنة
لمطالبة الآلهة بإنقاذهم ، فيما أخذ المثقفون كالشعراء والخطباء ينشدون
القصائد ويلقون الخطب المنددة بسلوك جلجامش الذي أتسم بالغرور والتجبر
وإجبار الناس على العمل في مرافق الدولة دون مقابل ( أسلوب السخرة ) ، وأخذ
حق الليلة الأولى من الأزواج ، أي الدخول على الزوجة قبل زوجها ، والتقليل
من شأن المقاتلين المدافعين عن الوركاء ، وإشاعة الألحاد ونبذ الآلهة ،
لكن الحدث الأكبر في الثورة هو إيجاد منافس لجلجامش ، فأختاروا رجل بالغ
القوة لمنازته وأسمه ( أنكيدو ) ودفعوه لمقابلته عند معبد المدينة حيث
يتجمع الناس لمشاهدة جلجامش وهو يمارس طقس الزواج المقدس ، إذ كان هدفهم
زعزعة ثقة الناس بجلجامش وجعلهم يدركون انه رجل عادي حاله حالهم ، ولذا ليس
من حقه ان يحظى بإمتيازات تفوق ما هو متعارف عليه ، وفعلا نفذ انكيدو
الخطه ووقف يسد على جلجامش الطريق ، وهو أمر لم تشهده البلاد من قبل ، ما
أثار دهشة جلجامش البالغة ، وهنا لم يأمر جلجامش الجند بإعتقاله أو قتله
كما قد يفعل أي طاغية بل واجهه بنفسه ولسان حاله يقول : هل انا استحق هذه
المنزلة الكبيرة فعلا ؟ وهل يجوز لي ان أعيش لملذاتي أم أن واجبي كحاكم أن
أكون بصف الناس أعمل لخدمتهم ؟ وقد شهدت المعركة ضربات قوية وجهها الطرفان
بعضهم لبعض ، ومن أثر حركاتهم تهدمت بعض أعمدة المعبد وجدرانه ، وفي
النهاية تمكن جلجامش من رفع خصمه إلى الأعلى وكان المتوقع أن يرميه على
الأرض لكسر ظهره وإنهاء المنازلة ، إلا أنه لم يفعل بل أنزله إلى الأرض
وصافحه ملبيا كل مطالبه التي هي مطالب الناس ، ما دفع انكيدو إلى شكره
ومصادقته .
هكذا تعامل الحاكم قبل خمسة آلاف سنة مع مطاب الناس ، فهل نجد ذلك في سلوك حكامنا ؟
هكذا تعامل الحاكم قبل خمسة آلاف سنة مع مطاب الناس ، فهل نجد ذلك في سلوك حكامنا ؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق