الجمعة، 1 نوفمبر 2013

الحلقة الثامنة ( يوميات سكين )

باسم محمد حبيب
أردت ان انهي موضوع السكين ولو كلفني ذلك المزيد من المشاكل ، فخير لي ان اختلف واتعادى من بائع السكاكين ، من ان ابقى تحت سطوة الكوابيس ، التي ما فتأت تنسل إلي في الليل والنهار ، فتقض مضجعي وتقلب حياتي رأسا على عقب ، أبلغت اخي بأن عليه مرافقتي لبيت الشيخ من اجل ان نطالب بائع السكين بالجلوس للحق ، لكن اخي لم يعبأ لكلامي كأنه لم يسمعني ، فأعدت إليه ما قلت ، ومرة اخرى لم يثر قولي اهتمامه ، فقررت الذهاب وحدي ، ولكن قبل ان اذهب سيكون لي موعد جديد مع الكوابيس ، بعد ان يشد النعاس خناقه علي ويغرقني النوم في اوحاله ، وفعلا لم استطع ان اتلافى النوم الذي اصبح من الد اعدائي رغم حاجتي البايولوجية إليه ، وبينما ترخي الجفون سدولها ، تتحرك في داخلي رغبة الانتفاض على هؤلاء اللذين يحيطون بالرجلين وهم شاكي السلاح يتقاطر الدم من سكاكينهم الحادة وانصالهم القاطعة ، كان كلا الرجلين يلبسان عقالا ، لكن احدهما مع يشماغ ابيض والآخر مع يشماغ أحمر ، كان السكون يعم المكان عندما وصل القيادي ، فصدحت الحناجر بالتكبير ، ثم وقف امامنا يتمعن بالوجوه كمن يريد ان يستجلي شيئا فيها ، ثم ألقى تحية السلام وخاطب الجمع الذين ينتظرون كلماته على أحر من الجمر :
-         اخواني في الدين : لقد ابتلانا الله بالجهاد ، وجعله اختبارا لإيماننا ، فالجهاد هو اقصى حالات الإيمان ، وهو يجلب رضا الله ورحمته ، لذا نحن مصرين على مواصلة الجهاد حتى النصر أو الشهادة ، والجهاد لا يقتصر على ضرب العدو ، بل يجب ايضا استهداف اذنابه من المتآمرين والخانعين ، فلا تأخذكم بالحق لومة لائم .
ثم نظر إلى الرجلين الجالسين بسكون في وسط الجمع ، وواصل كلامه :
-         أنظروا إلى هذين الرجلين أنهما مثال ناصع للخيانة
رد احد الرجلين :
-         بل انت الخائن لأنك تقتل ابناء جلدتك
قهقه القيادي وقال :
-         لا بأس بسماع تخاريفك فهذه لحظاتك الأخيرة
رد الرجل والشرر يتطاير من عينيه :
-         ما ادراك لعل الله يميتك ويخلص الناس من شرك
تكلم الآخر وكان صوته اقل حدة :
-         اسمع يا اخي لا ينبغي لك ان تجرجر بنا ونحن اعمامك
رد القيادي :
-         تقصد انكم شيوخنا ومن واجبنا احترامكم
-         بل اقصد اننا اخوة يربطنا رباط الدم
-         الدين اهم من الانتماء العشائري
رد الرجل الآخر :
-         الدين لا يقبل الاعتداء وانت تعتدي على الناس بأسم الدين
-         نحن نمارس دورنا ونفرض سنن الله التي نسيتموها
-         لم ننسى سنن الله فنحن نؤدي فروضنا مثلكم
-         انكم تؤدون ما يتوافق مع مصالحكم وتتركون ما يتعارض معها وهذا أسفاف
عاد الرجل الآخر للكلام :
-         اتق الله في دمائنا
رد القيادي :
-         ها بدأت تتوسل ؟
-         بل ادعوك لحقن دمائنا حتى لا يعم الشر
-         وماذا تظن سوف يحصل بقتلي اياكم ؟
-         سوف تواجهك العشيرة
قهقه القيادي :
-         وهل تظن انكم مهمون إلى الدرجة التي تجعل العشيرة تخرج لأجلكم ؟ ولكن حتى لو حصل هذا فسنكون جاهزين للرد
-         أذن انت مصر على الفتنة
-         الفتنة إن اعفيتكم مما فعلته مع غيركم
-         وبشر القاتل بالقتل ولو بعد حين
-         القتل كرامة لنا
-         سيكون مآلك إلى الحجيم بأذن  
-         هذا ما تظنه
-         حسبي الله ونعم الوكيل
ثم التفت القيادي إلينا وطلب منا الأجهاز عليهم ، فما كان منا إلى ان تحركنا نحوهم ، كنت من بين المتحركين ، لكني كنت مترددا كثيرا ، فهذين الرجلين لهم مكانتهم الكبيرة ، وكانت لهم مواقف طيبة في حل مشاكل الناس وفي تنظيم شؤونهم في ظل غياب القانون ، فهل يتوجب علي ان اريق دمهم ؟ كنت اخير نفسي بين ان اكون قاتلا وبين ان اخلي سبيلي من ذمتهم ، فقررت الأمر الثاني ، لكني بعد تراجعت سمعت صوت القيادي وهو يصم أذني برنته :
-         بما انك تراجعت سيكون عليك قتل احدهم لأني لا اريد ان يصبك غضب الله لتخاذلك
-         سيدي لست متخاذلا بل اردت ان لا اكون انانيا فهناك من يستحق ان يثاب
لمعت عيني القيادي بوميض غريب ثم واصل الكلام :
-         لا بأس سيكون للجميع نصيب مما قدر الله
فأدركت أن لا مهرب لي وانني واقع في مصيدة القيادي ولا فكاك منها ، فتقدمت نحو احد الرجلين فيما تقدم زميل لي من الآخر ، نظرت في عينيه اللتان كانتا تحدقان بي ، يا آلهي كم كانتا وديعتين ، كان الرجل بعمر ابي ويكاد يشبهه في كل شيء حتى في نظراته ، فهل ياترى اقتل رجلا يشبه ابي ؟ وماذا لوكان ابي هذا الرجل الذي ادنوا منه واهيأ نفسي للقضاء عليه ؟ هل يقبل الله إيماني ويتجاهل عقوقي ؟ تحركت ببطأ كأنني اتوق لأي انفراج يمكن ان يخلصني مما انا فيه ، ولكن هيهات فقد كتب علي ان اعاني ، وهاهي السكين تلتصق بي كظلي ، تحرك الرجال معي وامسكوه بقوة ، فتوقفت تماما حركة الرجل وتلاشى معها وميض عينيه الذي يذكرني بأبي ، لكن صوتا ما داهمني على حين غرة ، جعلني اخرج من كابوسي كغريق يخرج من الماء ، انه صوت زوجتي الحنون ، نظرت إلي وقالت :
-         هل هو كابوس آخر ؟
-         وهل اجد نوما بلا كابوس ؟
-         تبدوا حالتك مزرية فعلا
-         بل اسوأ مما تتصورين
-         ولكن هل يمكن للشيخ ان يحل مشكلتك
-         لنجرب ونرى
-         فأنا كالغريق الذي يبحث عن قش ينقذه
-         اتمنى ان تنال ما تريد
ابتسمت ثم ودعتها وغادرت ، فقد كان هدفي استغلال برودة الصباح حتى لا اعاني من حرارة الجو في السيارة التي ربما ستجعلني اعيش معاناة جديدة  ، وبالفعل تمكنت من الحصول على سيارة تقلني إلى مدينة الشيخ ، فكنت حريصا على الصمت حرصي على عدم النوم ، فقد اصبح الحديث دائي بعد ان غدت السياسة موضوعه الرئيس والكلام فيها لا يمل ، وقد مضى الوقت وانا اقارع رغبتي في الكلام والرد على حديث السائق ، وامنع عن نفسي خطر النوم ، فأكون ضحية لكابوس يجعلني اعاني مرة اخرى ، فكان الفرج في وصولي إلى مبتغاي قبل ان يصول النوم صولته .

                          يتبع


ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969