باسم محمد حبيب
أردت ان انهي موضوع السكين ولو كلفني ذلك
المزيد من المشاكل ، فخير لي ان اختلف واتعادى من بائع السكاكين ، من ان ابقى تحت
سطوة الكوابيس ، التي ما فتأت تنسل إلي في الليل والنهار ، فتقض مضجعي وتقلب حياتي
رأسا على عقب ، أبلغت اخي بأن عليه مرافقتي لبيت الشيخ من اجل ان نطالب بائع
السكين بالجلوس للحق ، لكن اخي لم يعبأ لكلامي كأنه لم يسمعني ، فأعدت إليه ما قلت
، ومرة اخرى لم يثر قولي اهتمامه ، فقررت الذهاب وحدي ، ولكن قبل ان اذهب سيكون لي
موعد جديد مع الكوابيس ، بعد ان يشد النعاس خناقه علي ويغرقني النوم في اوحاله ، وفعلا
لم استطع ان اتلافى النوم الذي اصبح من الد اعدائي رغم حاجتي البايولوجية إليه ، وبينما
ترخي الجفون سدولها ، تتحرك في داخلي رغبة الانتفاض على هؤلاء اللذين يحيطون
بالرجلين وهم شاكي السلاح يتقاطر الدم من سكاكينهم الحادة وانصالهم القاطعة ، كان
كلا الرجلين يلبسان عقالا ، لكن احدهما مع يشماغ ابيض والآخر مع يشماغ أحمر ، كان
السكون يعم المكان عندما وصل القيادي ، فصدحت الحناجر بالتكبير ، ثم وقف امامنا
يتمعن بالوجوه كمن يريد ان يستجلي شيئا فيها ، ثم ألقى تحية السلام وخاطب الجمع
الذين ينتظرون كلماته على أحر من الجمر :
-
اخواني في الدين : لقد ابتلانا الله بالجهاد ،
وجعله اختبارا لإيماننا ، فالجهاد هو اقصى حالات الإيمان ، وهو يجلب رضا الله
ورحمته ، لذا نحن مصرين على مواصلة الجهاد حتى النصر أو الشهادة ، والجهاد لا
يقتصر على ضرب العدو ، بل يجب ايضا استهداف اذنابه من المتآمرين والخانعين ، فلا
تأخذكم بالحق لومة لائم .
ثم نظر إلى الرجلين الجالسين بسكون في وسط
الجمع ، وواصل كلامه :
-
أنظروا إلى هذين الرجلين أنهما مثال ناصع للخيانة
رد احد الرجلين :
-
بل انت الخائن لأنك تقتل ابناء جلدتك
قهقه القيادي وقال :
-
لا بأس بسماع تخاريفك فهذه لحظاتك الأخيرة
رد الرجل والشرر يتطاير من عينيه :
-
ما ادراك لعل الله يميتك ويخلص الناس من شرك
تكلم الآخر وكان صوته اقل حدة :
-
اسمع يا اخي لا ينبغي لك ان تجرجر بنا ونحن
اعمامك
رد القيادي :
-
تقصد انكم شيوخنا ومن واجبنا احترامكم
-
بل اقصد اننا اخوة يربطنا رباط الدم
-
الدين اهم من الانتماء العشائري
رد الرجل الآخر :
-
الدين لا يقبل الاعتداء وانت تعتدي على الناس
بأسم الدين
-
نحن نمارس دورنا ونفرض سنن الله التي
نسيتموها
-
لم ننسى سنن الله فنحن نؤدي فروضنا مثلكم
-
انكم تؤدون ما يتوافق مع مصالحكم وتتركون ما
يتعارض معها وهذا أسفاف
عاد الرجل الآخر للكلام :
-
اتق الله في دمائنا
رد القيادي :
-
ها بدأت تتوسل ؟
-
بل ادعوك لحقن دمائنا حتى لا يعم الشر
-
وماذا تظن سوف يحصل بقتلي اياكم ؟
-
سوف تواجهك العشيرة
قهقه القيادي :
-
وهل تظن انكم مهمون إلى الدرجة التي تجعل
العشيرة تخرج لأجلكم ؟ ولكن حتى لو حصل هذا فسنكون جاهزين للرد
-
أذن انت مصر على الفتنة
-
الفتنة إن اعفيتكم مما فعلته مع غيركم
-
وبشر القاتل بالقتل ولو بعد حين
-
القتل كرامة لنا
-
سيكون مآلك إلى الحجيم بأذن
-
هذا ما تظنه
-
حسبي الله ونعم الوكيل
ثم التفت القيادي إلينا وطلب منا الأجهاز
عليهم ، فما كان منا إلى ان تحركنا نحوهم ، كنت من بين المتحركين ، لكني كنت
مترددا كثيرا ، فهذين الرجلين لهم مكانتهم الكبيرة ، وكانت لهم مواقف طيبة في حل
مشاكل الناس وفي تنظيم شؤونهم في ظل غياب القانون ، فهل يتوجب علي ان اريق دمهم ؟
كنت اخير نفسي بين ان اكون قاتلا وبين ان اخلي سبيلي من ذمتهم ، فقررت الأمر
الثاني ، لكني بعد تراجعت سمعت صوت القيادي وهو يصم أذني برنته :
-
بما انك تراجعت سيكون عليك قتل احدهم لأني لا
اريد ان يصبك غضب الله لتخاذلك
-
سيدي لست متخاذلا بل اردت ان لا اكون انانيا فهناك
من يستحق ان يثاب
لمعت عيني القيادي بوميض غريب ثم واصل الكلام
:
-
لا بأس سيكون للجميع نصيب مما قدر الله
فأدركت أن لا مهرب لي وانني واقع في مصيدة
القيادي ولا فكاك منها ، فتقدمت نحو احد الرجلين فيما تقدم زميل لي من الآخر ، نظرت
في عينيه اللتان كانتا تحدقان بي ، يا آلهي كم كانتا وديعتين ، كان الرجل بعمر ابي
ويكاد يشبهه في كل شيء حتى في نظراته ، فهل ياترى اقتل رجلا يشبه ابي ؟ وماذا
لوكان ابي هذا الرجل الذي ادنوا منه واهيأ نفسي للقضاء عليه ؟ هل يقبل الله إيماني
ويتجاهل عقوقي ؟ تحركت ببطأ كأنني اتوق لأي انفراج يمكن ان يخلصني مما انا فيه ، ولكن
هيهات فقد كتب علي ان اعاني ، وهاهي السكين تلتصق بي كظلي ، تحرك الرجال معي
وامسكوه بقوة ، فتوقفت تماما حركة الرجل وتلاشى معها وميض عينيه الذي يذكرني بأبي ،
لكن صوتا ما داهمني على حين غرة ، جعلني اخرج من كابوسي كغريق يخرج من الماء ، انه
صوت زوجتي الحنون ، نظرت إلي وقالت :
-
هل هو كابوس آخر ؟
-
وهل اجد نوما بلا كابوس ؟
-
تبدوا حالتك مزرية فعلا
-
بل اسوأ مما تتصورين
-
ولكن هل يمكن للشيخ ان يحل مشكلتك
-
لنجرب ونرى
-
فأنا كالغريق الذي يبحث عن قش ينقذه
-
اتمنى ان تنال ما تريد
ابتسمت ثم ودعتها وغادرت ، فقد كان هدفي
استغلال برودة الصباح حتى لا اعاني من حرارة الجو في السيارة التي ربما ستجعلني
اعيش معاناة جديدة ، وبالفعل تمكنت من
الحصول على سيارة تقلني إلى مدينة الشيخ ، فكنت حريصا على الصمت حرصي على عدم
النوم ، فقد اصبح الحديث دائي بعد ان غدت السياسة موضوعه الرئيس والكلام فيها لا يمل
، وقد مضى الوقت وانا اقارع رغبتي في الكلام والرد على حديث السائق ، وامنع عن
نفسي خطر النوم ، فأكون ضحية لكابوس يجعلني اعاني مرة اخرى ، فكان الفرج في وصولي
إلى مبتغاي قبل ان يصول النوم صولته .
يتبع
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق