على الرغم من شهرة واقعة كربلاء وكثرة
الدراسات والبحوث التي تناولتها إلا انه للأسف لم يتم دراستها آثاريا وميدانيا ، فقد
انحصرت جهود الدارسين والباحثين على معاينة المصادر الكتابية
والاكتفاء باستنطاقها على ضوء قواعد المنهج العلمي ، وهذا ما ينسحب أيضا على معظم أحداث التأريخ العربي الإسلامي .
والاكتفاء باستنطاقها على ضوء قواعد المنهج العلمي ، وهذا ما ينسحب أيضا على معظم أحداث التأريخ العربي الإسلامي .
وبالطبع هناك العديد من الأسباب التي عطلت
هذا النوع من البحوث ، يمكن حصرها بالأسباب الدينية والفنية ، فهناك الكثير من خطوط
الحمراء التي تضعها المؤسسات الدينية إزاء أي توجه من هذا القبيل ، بحجة الحفاظ
على حرمة وكرامة الأماكن والشخصيات المقدسة ، وقد أدى هذا الأمر ليس إلى تعطيل وإفشال
الكثير من مشاريع البحث العلمي التاريخي وحسب ، بل وإلى منع الكثير من الترميمات
والتطويرات التي تحتاجها بعض الأماكن التاريخية والدينية المهددة بالاندثار ، ولا
يقتصر الأمر على هذا الجانب ، فهناك أيضا عامل النقص في الخبرات والإمكانيات
المادية والفنية ، الذي يصعب كثيرا من إمكانية أجراء مثل هذه البحوث والدراسات بدقة
وعلمية .
ومقارنة بالغرب الذي سبقنا في أجراء هذا
النوع من البحوث والدراسات ، وفي كشف ملابسات الكثير من الأحداث التاريخية الغامضة
والإشكالية ، فإننا بتنا على عكسهم تماما ، إذ مازلنا مصرين على إتباع مناهجنا
التقليدية لا نحيد عنها قيد أنملة ، حتى باتت بحوثنا ودراساتنا اعجز من أن تكتشف
حقائق أو تفتح نوافذ جديدة .
وفيما يخص واقعة كربلاء ، هناك الكثير مما
يمكن اكتشافه عن هذه الواقعة ، من خلال التنقيب في فضائها المكاني وميدانها التاريخي
، بغية استجلاء ما يمكن استجلائه عنها ، بعد ان لف الغموض بعض أحداثها ، فيما كثر
الدس والنحل في الروايات التي تناولتها ، بسبب البعد بين زمن التدوين وزمن الواقعة
.
فمن شأن بحث كهذا ، أن يحدد لنا بدقة مكان
الواقعة ، ونوعية الأسلحة والطرق القتالية التي استخدمت فيها ، كذلك نوعية المؤن
التي استهلكها الطرفان المتصارعان ، وأماكن بعض المواقع والأحداث التي أشارت إليها
المصادر التاريخية ، كنهر العلقمي المندرس ، والبئر الذي حفره أصحاب الحسين ( ع ) ،
وبقايا الخندق الذي استخدموه لتحسين إمكانياتهم في أثناء المواجهة مع الجيش
المعادي ، ناهيك عن مخلفات الملابس والأثاث و الخيام والعظام وما إلى ذلك ، كذلك من
الأماكن التي يمكن التنقيب فيها ، طريق سير السبايا من موقع المعركة إلى قصر
الإمارة في الكوفة ، وأيضا الطريق الذي نقلت من خلاله السبايا إلى دمشق ، والأماكن
التي مرو بها ، إذا توفرت فرصا اكبر للبحث ، كما يمكن التنقيب في المشاهد والأضرحة
والمقامات أيضا .
إنها دعوة لإخضاع هذه الواقعة للبحث ألآثاري ،
بعد أن خضعت كثيرا للبحث التاريخي ، عسى أن نزيد من معلوماتنا عنها ، ونخرج من اسر
معلوماتنا الحالية التي ينقصها الوضوح والدقة .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق