باسم محمد حبيب
هل يمكن أن تتعرض سوريا لضربة أميركية ؟ هذا هو السؤال الذي
اعتقد أن الكثيرين منشغلين به ، على أساس أن سوريا تمثل احد الأنداد التقليديين
للسياسة الأميركية في المنطقة ، والدولة الوحيدة التي لا زالت تعاند فكرة السلام مع
إسرائيل ، لكن لو درسنا المسالة دراسة
جدية وعاينا أبعادها بشكل كامل ، لوجدنا أن
سوريا هي من أخر الدول التي يحتمل أن تتعرض لضربة أميركية ، ليس لان
أميركا تحب النظام في سوريا أو لا تريد له
أن يسقط ، وإنما لان أي ضربة توجهها
لسوريا سوف تحسب على أنها هدية أميركية لإسرائيل أو تدخلا أميركيا مباشرا
في النزاع السوري – الإسرائيلي ، ما يقلل من إمكانية تحقيق الوصفة الأميركية للسلام
في المنطقة
.
وبالتالي فان المخاوف من احتمال تعرض سوريا في أي وقت من الأوقات لضربة أميركية ، هي مخاوف
غير واقعية ولا تنطلق من قراءة سليمة
لأوراق الصراع القائمة في المنطقة ، ولا
ادري أن كانت الحكومة السورية تدرك ذلك بشكل مباشر أم لا ، فالسياسة السورية تكاد تشير إلى وجود
شعور من هذا النوع ، نكاد نلمس أبعاده في
جملة من السلوكيات السورية الجريئة والتي عدت أحيانا على أنها نوع من التهور أو
التصرف غير الموزون ، وإلا كان يمكن لأميركا أن توجه ضربة عسكرية لسوريا على خلفية
اتهامها بمساعدة التمرد في العراق ، سيما وهي وتدرك وفق حساباتها أن ضربة من هذا النوع سيكون لها
اثر مباشر على استقرار وجودها في العراق ، لكن أميركا فضلت استخدام
أساليب الضغط غير المباشرة ، على أمل ثني القيادة السورية عن تقديم الدعم
اللوجستي للمتمردين في العراق والاستمرار
في هذا الضغط إلى النهاية .
إن الهاجس الأساس للإدارة الأميركية في مجال العلاقة مع سوريا ، هو في دفع الحكومة
السورية لقبول مشروع السلام مع إسرائيل ، وبالتالي هي تعمل جاهدة لتحقيق هذا الهدف وعدم تعكير ذلك بأي
مواجهة عسكرية مع سوريا ، فنجاحها في لعب دور الوسيط يتطلب منها الوقوف على مسافة مناسبة من أطراف
النزاع في المنطقة ، وهي تدرك أن عملا عسكريا تجاه سوريا سيدمر هذا
الهدف الأميركي الذي تتوق له بكل جهودها .
لكن هل نجحت السياسة السورية في الاستفادة من هذا الوهن الأميركي في تحقيق أيا
من أهدافها الإستراتيجية ومنها هدف
السلام العادل المنصف مع إسرائيل ؟ الجواب : أن القيادة السورية ربما فشلت في دفع
الإدارة الأميركية للعب دور أكثر فاعلية في هذه القضية الشائكة ، لكنها من جانب أخر
نجحت نجاحا منقطع النظير في إبقاء القيادة السورية الحالية على سدة الحكم في سوريا
، فلعل هذه القيادة تدرك أن بقائها
مرهون بتوفر ظروف معينة ليس اقلها الاحتفاظ بدور محوري في واقع الصراع
الدائر في الشرق الأوسط ، وعدم
تخليها عن الأوراق التي تمارس من خلالها
دور القطب في أهم قضية تواجه المنطقة وهي قضية فلسطين المحورية ،
فسوريا لا تريد أن تلعب دور القطب الإقليمي أو العربي بقدر ما تريد المحافظة على هيمنتها كطرف محوري من أطراف النزاع مع إسرائيل ، فامتلاكها لهذه
الميزة ربما تتيح لسلطتها الحاكمة ضمان
وجودها لأطول فترة ممكنة ، لا سيما وهي تدرك
أنها تمثل هدفا للمشروع الطائفي
المضاد لها ، والذي يمكن أن تنساق له سوريا في يوم من الأيام
.
إذن من المحتمل أن سوريا
ستبقى في مأمن من التعرض لضربة أميركية
ما دامت تمثل قطبا في النزاع العربي – الإسرائيلي ، هذا هو الذي يجب أن
ندركه في موضوع العلاقة الأميركية مع سوريا
.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق