السبت، 26 مايو 2012

سيناريوهات الربيع العربي المحتملة

باسم محمد حبيب
بعد ان شهدت المنطقة العربية تغيرات سياسية مهمة وبعد ان تكللت ثورات ما سمي بالربيع العربي بالنجاح في العديد من البلدان العربية وسيطرة الاحزاب والتيارات
الاسلامية على برلمانات دول الربيع العربي على اثر إجراء انتخابات حرة نزيهة في تلك البلدان، ماذا يسعنا ان نقول بشأن نتائج هذه الثورات؟ هل نقول ان الثورات نجحت في تحقيق اهدافها لأنها قضت على الدكتاتوريات وأسست أنظمة تعتمد الاساليب الديمقراطية في الحكم وتداول السلطة؟ أم نقول انها فشلت بفعل سيطرة تيارات الاسلام السياسي بفرعيها المتطرف والمعتدل ؟
لا شك ان تقييمنا لنتائج هذه الثورات يجب ان يأخذ بالحسبان النتائج التي يمكن ان تتحقق على المدى البعيد وليس ما تحقق في اعقاب هذه الثورات لان النتائج المهمة لا تظهر سريعا بل قد تحتاج إلى زمن طويل حتى تختبر كل الظروف التي يمكن أن تنتجها الديمقراطية في مجتمعات يشكل التخلف جزءا اساسيا من بنيتها وتكوينها ، ولذلك ولكي نسلط الضوء على مستقبل الثورات العربية سنتناول بعض السيناريوهات التي قد تحتملها الفترة المقبلة التي سيكون لها اهمية كبرى في إعادة تكوين وتشكيل البلدان العربية وأهم هذه السيناريوهات من وجهة نظرنا هي :

نشوء انظمة حكم اسلامية

اول السيناريوهات المحتملة هو نشوء انظمة حكم اسلامية على غرار النموذجين الايراني والطالباني (نسبة لحركة طالبان)، فالإسلاميون يدركون ان الديمقراطية كممارسة انتخابية تعد ضمانة لتحقيق امرين اساسيين لمشروعهم السياسي، الاول الوصول إلى السلطة لسيطرة الحالة الاسلامية على الشارع العربي وثانيا لإضفاء مشروعية دولية وداخلية تساعدهم على تثبيت حكمهم في ظل تناقضات داخلية خطيرة و تجاذبات دولية كبيرة سببها انتشار التطرف الاسلامي واستمرار الحرب على الارهاب، وبالتالي قد لا يجد الاسلاميون اية غضاضة في تبني الممارسة الديمقراطية على شرط ان يستفيدوا هم منها فليس هناك ما يشير إلى احتمال تخلي التيارات الاسلامية عن اهدافها الاساسية عند وصولها إلى السلطة ولو حصل مثل هذا الامر فأنه سيكون بالتأكيد من نتاج ضغوط خارجية وداخلية وليس نتاج رغبة طوعية من تلك التيارات، وبالتالي لابد ان نفهم سبب التحول في موقف القوى الكبرى وبخاصة الولايات المتحدة من الثورات العربية، فهل هو نتاج ايمان بضرورة نصرة الثورات المطالبة بالديمقراطية؟ ام نتاج العجز عن مجابهتها أو لتلافي التناقض مع ما ترفعه هذه الدول من شعارات حول نشر الديمقراطية في العالم ؟
ان موقف القوى الكبرى
ربما يحتمل الامرين معا فهذه الدول لا يمكنها ان تتناقض
مع شعاراتها وأهدافها ما يعرضها لفقدان مصداقيتها في نفس
الوقت الذي تدرك فيه المخاطر المحتملة من وراء مواقفها
أي احتمال وصول تيارات اسلامية متطرفة إلى السلطة إلا انها تشعر
أن الضرر الذي يمكن ان ينتج
من وراء نجاح الاسلاميين في الوصول إلى السلطة في بلدانهم ربما يكون اقل من بقائهم خارج السلطة لأنهم عندئذ قد يتصرفون بعقلية المسؤول الذي تقع على عاتقه التزامات دولية ناهيك عما يحملونه من دافع في الحفاظ على مكتسباتهم المتحققة بفعل الديمقراطية ما يعني ان
الدول الكبرى تراهن على
اثر السياسة في تغيير مناهج التيارات الاسلامية ودفعها
إلى الاعتدال في مواقفها، لكن
ماذا لو لم يحصل ذلك ؟ أي ان التيارات الاسلامية قد اختارت المواجهة نهجا لها في علاقاتها مع الغرب، هل يبقى الغرب على موقفه ام انه سيسلك موقفا آخر قوامه إعلان الحرب على الانظمة الاسلامية؟ لكن ما الذي يدفع الغرب إلى انتظار حصول مثل هذا الامر ؟ فقد اثبتت بعض الدول المحكومة من قبل انظمة اسلامية انها ليست صديقة للغرب كما هو الحال مع نظام طالبان الافغاني السابق ومع النظام الاسلامي في ايران وما يحمله من تهديد نووي للغرب واسرائيل ، إذن لابد أن الغرب قد اختار ستراتيجية الاختبار ليحدد بعدها موقفه من الانظمة الاسلامية التي سوف تحكم بلدان الربيع العربي .
نشوء انظمة ديمقراطية يهيمن عليها الاسلاميون
السيناريو الثاني الذي يمكن ان يتمخض عن الثورات العربية هو نشوء انظمة ديمقراطية يهيمن عليها الاسلاميون على نحو ما حصل في العراق وما هو حاصل أو ما يرجح حصوله في تونس ومصر، فنظرا لوجود اقليات تدين بديانات اخرى غير الديانة الاسلامية او لوجود تيارات سياسية لا تنادي بإقامة الدولة الاسلامية ولعدم قدرة التيارات الاسلامية على فرض رؤيتها الخالصة فأن الخيار البديل للإسلاميين هو إقامة انظمة ذات شكل ديمقراطي ومضمون اسلامي حيث يمكنهم من خلال هذه الانظمة الحفاظ على مكتسباتهم بدون الاضطرار إلى مواجهة المتحفظين لمشروع الدولة الاسلامية، لكن مثل هذا الامر قد يحتمل مخاطر التغيير في وجهة نظر الاسلاميين في الوقت الذي يجدون فيه انهم قادرون على تبني مشروعهم في الانفراد بالسلطة فالأفكار الايديولوجية لا تقتنع بالمشاركة السياسية الا عندما تكون مضطرة لذلك لأنها لا تستطيع التعايش مع ما سواها من افكار قد تكون نقيضا لها وفي هذه الحالة فأن الديمقراطية قد تكون مجرد وسيلة لتحقيق الغاية التي تنشدها هذه الاحزاب والتيارات وهي انشاء النظام الاسلامي ، وبالتالي فأن الدولة التي تختار هذا النموذج من النظام ستكون عرضة لتغيرات مستقبلية فيما إذا غدت الشراكة مستحيلة أو غير مقنعة لا سيما أن القوى والتيارات الاخرى التي اضطرت للقبول بهذا النوع من النظام والتي لن تكون موقنة من دوامه ستعمل في الخفاء أو في العلن لإجراء تغيير في النظام يحفظ مصالحها ويؤمن مستقبلها وفي هذه الحالة ربما سيتجه هذا النظام تدريجيا لاحد امرين: إما تبني النموذج الاسلامي الكامل بعد ان تتمكن القوى والتيارات الاسلامية من إبعاد شركائها الآخرين عن المنافسة السياسية أو تبني النموذج الديمقراطي الليبرالي بعد أن تصل جميع التيارات إلى قناعة بضرورته وحتميته.

حصول الفوضى والانقسام الداخلي

السيناريو الآخر الذي يمكن ان يتمخض عن الثورات العربية يكمن في تهشم البنية الداخلية للبلدان العربية وإحتمال انجرار الفئات الدينية والعرقية التي تضمها تلك البلدان إلى التصارع فيما بينها لتحقيق مطالب او مكتسبات معينة، فقد لا تقبل الاقليات الدينية الاخرى بالمتغيرات الجديدة التي قد تجد فيها خطرا على وجودها ما قد يدفعها إلى المقاومة وحمل السلاح للمطالبة بحقوقها في ظل تعنت التيارات الاسلامية ورفضها تقديم التنازلات. وعلى الرغم من ان القوى الاسلامية تمتلك امكانيات اكبر من غيرها في حالة المواجهة إلّا ان احتمالات انتصارها على القوى الاخرى تبقى غير مؤكدة بوجود العامل الخارجي المؤثر، وبالتالي فأن اسوأ احتمالات هذا السيناريو هو إنجرار هذه البلدان إلى حروب اهلية طويلة تستنزف الموارد وتهدر الطاقات وتعيد هذه البلدان إلى المربع الاول ومن ذلك احتمال عودة الانظمة الدكتاتورية السابقة تحت داعي إعادة الامن والاستقرار، اما افضل احتمالات هذا السيناريو فهو انقسام البلدان العربية إلى دويلات تبعا للفئات السكانية التي تضمها.
ولو نظرنا إلى الخارطة الأثنية للبلدان العربية لوجدنا انها تحتمل اكثر من انقسام أثني فشمال افريقيا مرشح لانقسامات عديدة بفعل ما فيه من نزاعات عرقية ودينية وثقافية وفي ليبيا المتحررة توا من سلطة القذافي وعائلته هناك مطالبة برقة بالفيدرالية التي ربما تدفع على المديين البعيد أو القريب لمطالبات اخرى في هذا البلد القبائلي الشاسع مساحة والقليل سكانا كما تحتمل مصر انقساما بين المسلمين والأقباط على خلفية ما بينهما من اختلاف ديني ناهيك عن انقسامات محتملة اخرى في البنيتين العرقية والطائفية ، أما بلدان القسم الاسيوي العربية فاحتمالات انقسامها واضحة للعيان وليس ادل على ذلك من اتجاه الانتفاضة السورية نحو المنحى الطائفي الذي قد يولد انشقاقات اخرى بعد زوال النظام الحالي ونفس الشيء يصح بالنسبة لليمن، أما دول الخليج العربي وأبرزها السعودية فعلى الرغم من انها تبدو حتى الان بمنأى من تأثيرات الربيع العربي وقد تكون ممسكة ببعض خيوطه التي تبدو وكأنها اداتها للتأثير في المحيط المجاور فأن هذا الامر قد لا يستمر طويلا بفعل ما بينها وبين دول الربيع العربي من وشائج اجتماعية وثقافية ما يجعل هذه البلدان مرشحة لاستقبال تأثيرات الربيع العربي التي ستكون متضمنة لاحتمالات كثيرة من بينها احتمالات الانقسام التي قد تجد مبررها في التنوع الطائفي والمناطقي لبعض هذه البلدان .
وبالتالي لابد للقوى والتيارات السياسية الفاعلة في الساحة العربية ان تدرك المخاطر التي تنتظر المنطقة فيما إذا غاب عن تلك التيارات والقوى الحس المسؤول وتبعت عواطفها وأهواءها ، فالمتغيرات الحالية يمكن ان تأتي بالخير والسعادة لشعوب المنطقة ويمكن ان تنقلها من واقع التأخر والتخلف إلى واقع الازدهار والتطور، لكنها ايضا يمكن ان تأتي بالخراب والدمار وكل ذلك رهن بما تقوم به القوى والتيارات السياسية الفاعلة على الساحة ، فهذه القوى والتيارات هي وحدها القادرة على توجيه الاحداث إلى الوجهة الصحيحة.

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969