الأحد، 27 مايو 2012

آثار حضارة وادي الرافدين بحاجة إلى حماية دولية

د. باسم محمد حبيب 

قد يستغرب البعض فقر حضارة وادي الرافدين من ناحية وجود الآثار الشاخصة ، فهذا شيء طبيعي بالنظر لحجم السرقات التي طالت آثار هذه الحضارة والتخريب الذي استهدف الكثير من مواقعها

عبر مختلف المراحل الزمنية ، إذ عمد سكان المدن والقرى المجاورة لتلك المواقع الأثرية إلى استخدام طابوقها في بناء المنازل والبنايات الأخرى بحيث خربت نتيجة ذلك العديد من البنايات الشاخصة وسلبت الكثير من اللقى و الأدوات التي تعود ملكيتها للسكان القدماء قبل أن تغدوا جزءا من ممتلكات السكان اللاحقين ، الأمر الذي لفت انتباه (هيغل) الفيلسوف الألماني الكبير فأشار إلى ذلك في كتاباته عادا ما يحصل لتلك الآثار على انه جزء من منطق من لا يعي أهمية التاريخ .

وبالتالي ونتيجة لهذا التخريب المستمر اختفت الكثير من الشواخص الأثرية وأتلفت شواخص أخرى بحيث لم نعد نجد من تلك الآثار الكثيرة إلا بعض النتف المنتشرة هنا أو هناك كما هو الحال مع زقورة أور وملوية سامراء ومدينة عقرقوف وآثار الحضر ، فأختفاء كثير من الآثار التي تميزت بسمعتها التاريخية كـ: جنائن بابل المعلقة إحدى عجائب الدنيا السبع وبرج بابل ، أضر كثيرا بسمعة العراق الأثرية و السياحية ، وحتى استحضار التاريخ الرافديني في الفن فهو لم يكن بالمستوى الذي يتماشى مع أهمية هذه الحضارة ومكانتها التاريخية الكبيرة ، فسينما هوليود لم تعد تعبأ بالرموز الرافدينية التي لم يبقى من لمعانها الشيء الكثير وولت وجهها شطر الحضارة الفرعونية الغنية بالآثار والسياحة ، إذ أدى توجهها هذا إلى أنتاج روائع حاكت إلى حد ما الحياة المصرية القديمة وعرضت بشكل درامي الكثير من قيمها وأعرافها ، الأمر الذي زاد أكثر من شهرة هذه الحضارة ومن  سمعتها السيحية الكبيرة ، وهذا ما لم يحصل مع حضارة وادي الرافدين التي تمتاز عن سواها بالكثير من المميزات أهمها الأصالة والقدم الزمني ، إذ تعد حضارة وادي الرافدين بحسب معظم المؤرخين المتخصصين باكورة الحضارات البشرية الناضجة ، بل و الجذر الأقدم للحضارة العالمية الحديثة ، إذ عدها المؤرخ (جان بوتيريو ) أقدم أسلافنا البعيدين على الخط السلالي المباشر ، أما المؤرخ (صوموئيل هنتنغتون) صاحب نظرية صدام الحضارات فقد وضع في كتابه الموسوم (صدام الحضارات وإعادة صنع النظام العالمي) مخططا لأصول الحضارة الأوربية مثلت فيه حضارة بلاد الرافدين نهاية سلسلة الأصول ، عادا حضارة وادي الرافدين أقدم مساهم في نشوء هذه الحضارة ، وهذا ما أكده أيضا عالم المسماريات الشهير (صوموئيل كريمر) في كتابه المهم (التاريخ بدا في سومر) والذي تضمن معلومات مهمة عن أهم الإسهامات الرافدينية في مجال الحضارة البشرية ، عادا أن معظم هذه المنتجات الحضارية نتجت في الأصل من جذور رافدينية ، كما هو الحال مع الكتابة المسمارية التي عدها المتخصصون أقدم الأنظمة الكتابية التي عرفها البشر ، ما جعلها سببا في ظهور الكتابة في أماكن أخرى سواء أكان ذلك من خلال تقليدها بشكل مباشر أو بإستلهام فكرتها أي فكرة الكتابة ، وقد وصل تقييم حضارة بلاد الرافدين حد وضعها واحدة من ستة حضارات أصيلة نشأت على الأرض ، كما أشار إلى ذلك المؤرخ الشهير (ارنولد توينبي) في كتابه دراسة التاريخ ، ولأن الآثار التي تقدمها هذه الحضارات تعطي أقدم المعلومات عن أسلافنا الذين عاشوا في تلك العصور الغابرة ، فقد دفع ذلك الدول التي تضم أرضها مواقع تلك الحضارات إلى الاهتمام بآثارها وتوفير الحماية الملائمة لها لتكون شاهدة على كفاح الناس في تلك الأزمان الغابرة وما عانوه من صعوبات وهم يؤسسون لحياة سعيدة لأبنائهم وأحفادهم .

وهذا ما لمسناه في الجهود التي تبذلها مصر على سبيل المثال ، فمصر التي تمتلك حضارة مهمة تقدم أفضل مثال لنا على هذا النوع من الاهتمام ، إذ تشمخ بكل زهو أثارها الرائعة سواء في مواقعها الآمنة أو في المتاحف المختلفة والشيء نفسه يحصل في البلدان الأخرى كالصين والهند والمكسيك واليونان وايطاليا وغيرها .

عكس ذلك يحصل لآثار العراق التي تواجه ومنذ زمن طويل عمليات تهريب وتخريب شملت معظم مواقع هذه الحضارة المنتشرة على عموم ارض العراق ، إذ تسرق يوميا الكثير من القطع الأثرية ، وقد زاد الأمر سوءا بعد تدهور الوضع الأمني وضعف مؤسسات الدولة ، الأمر الذي جعل آثار العراق تواجه مخاطر مستمرة وتنذر بحصول مآسي على شاكلة نهب المتحف العراقي في نيسان عام  2003 التي عدها المختصون الكارثة الأثرية الأكبر في تاريخ العالم 2003 ، وللأسف  لا يمكننا أن نعول على الإجراءات التي تتخذها السلطات العراقية في هذا المجال ، فهذه الإجراءات أثبتت عقمها أكثر من مرة ، وخير دليل على ذلك تواصل عمليات نهب الآثار وبشهادة الأجهزة الأمنية التي تضبط أحيانا بعض الآثار المسروقة والمعدة للتهريب ، خصوصا وان معظم المواقع الأثرية العراقية بلا حماية وبعيدة عن اهتمام الدوائر المعنية التي لم تقم بما يكفي لحماية حتى الآثار المسجلة ، والأدلة على ذلك كثيرة أبرزها : تقاعسها عن حماية آثار بابل التي تعرضت للعبث من قبل القطعات الأجنبية التي استوطنتها لأمد طويل ، ولم تقم بأي دور لدفع تلك القوات لترك تلك الآثار على الرغم من أهميتها العالمية ، الأمر الذي نتجت عنه أضرار كبيرة فصلتها تقارير الخبراء الأجانب وبالذات بعثة بريطانية أرسلت لهذا الغرض ، لكن ليس هذا كل شيء ، فآثار العراق مهددة بالفناء ، وربما لن يمر وقت طويل حتى تتحول ارض العراق إلى أرضا قفرا ليس فيها الكثير من الشواخص الأثرية ، و ما لم تسارع الأمم المتحدة والهيئات الدولية لمد يد المساعدة ووضع حد لهذا الأمر فربما نشهد عاجلا أم أجلا أنقراض الآثار العراقية .

إما الحلول التي يمكن اعتمادها في هذا الشأن فهي كثيرة ومتنوعة : كوضع المواقع الأثرية تحت الحماية الدولية ، أو وضع الآثار العراقية ضمن قائمة التراث العالمي ، أو تقديم مساعدات فنية للجانب العراقي من اجل إنشاء منظومة حماية أمينة غير قابلة للاختراق ، وبالطبع لا أريد أن اكرر هنا مقترحا قدمته ذات يوم في غمرة جرحنا الكبير بكارثة المتحف العراقي ، دعوت فيه إلى نقل الآثار العراقية إلى بلد أخر لتكون بمأمن من المخاطر ، فربما كان في ذلك الرأي بعض التسرع أو حتى التجني على الكفاءة والأمانة الوطنية ، لكن ما أود قوله هنا أن الآثار العراقية بحاجة إلى عملية إنقاذ حقيقية و إلى جهد يتجاوز المعمول به حاليا لأنه غير كاف ولم ينتج عنه شيء مهم ، فالآثار العراقية مازالت مهددة ومازالت تواجه التخريب والفناء يوميا .


ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969