باسم محمد حبيب
لم يكن الصراع من اجل العدالة والمساواة صراعا حديثا ، فقد
ارتبط هذا الصراع بأقدم العهود الحضارية
للإنسان وبأقدم عمليات الاستعباد والاستغلال التي شهدتها البشرية ، حيث كان للدين
حضوره الكبير في هذا الصراع وأحيانا في إيجاد واقع فيه بعض التوازن بين ما للأغنياء
والفقراء ، فقد مثلت الأديان التوحيدية وسيلة
من وسائل ربط الإنسان بمنظومة أخلاقية واحدة وبعلاقات متماثلة بين الأغنياء والفقراء ،
السادة والعبيد ... الخ ، حيث اخذ الصراع
البشري طابعا أيدلوجيا بعد أن كان صراعا بدائيا تحكمه المصالح والمنافع بشكل مباشر
، ورغم أن الصراع البشري قد بقي على وتيرته الأولى كصراع بين مجموعتين من البشر احدها متخمة
والأخرى جائعة ، إلا أن بزوغ الطبقة البرجوازية على اثر التطورات التي شهدتها أوربا
خلال القرون الأربعة الأخيرة ، كان له أثره في إنتاج مفهوم جديد للصراع اتخذ هذه المرة طابعا سافرا ومدينيا ، لان
الصراع القديم كان في مجمله صراع ريفي ويدور حول طبقتي الملاك والفلاحين ، لكن بعد
الثورة الصناعية وتوسع المدن أصبح الصراع مدينيا
تمثل المدن ساحته الأولى ، وغدى العمال الذين شكلوا جزءا هاما من مجتمع
المدينة الطبقة التي تقود الصراع باسم الفقراء في مقابل طبقة الرأسماليين الورثة
الشرعيين لأغنياء العصور السابقة ،
والمثير في هذا الصراع انه لم يعد مجرد صراع عضلي أو تستخدم فيه وسائل القوة وحسب ، إنما صراع برزت فيه
الثقافة كأحد أهم وسائل الصراع بحيث
استخدمت كأداة فاعلة من قبل كل من الطرفان ، وكان الصراع الأيدلوجي بين المنظومتين
الرأسمالية والشيوعية هو أكثر الصراعات البشرية استخداما لعنصر الثقافة ، بحيث
شهدنا الكثير من المعارك الزرقاء ( التي
تستخدم الحبر كسلاح في المعركة ) والتي نجم عنها تغيرات سياسية وثقافية هامة ، إلى أن تغير ميزان القوى
لصالح المعسكر الرأسمالي بقطبيه الغرب وأميركا بحيث أصبح هذا المعسكر هو سيد الساحة وهو المسيطر على حلبة الصراع العالمي .
لقد كان كلا المنظومتان يعتمدان على قراءات فكرية معقولة
ويطرحان أطرا لحل مشكلة التفاوت بين أبناء
الجنس البشري ، لكنهما من جانب أخر كانوا يتغاضون عن أمور أخرى تشكل فقرات أساسية
في اطاريحهما الفكرية ، فالرأسماليون الذين يطرحون مبدأ حرية الاقتصاد ويعطون للرأسمال مساحة كافية للتحرك تتيح له بناء
عالمه الخاص ، يتجاهلون أن طرحهم الاقتصادي
يزيد من حجم التفاوت بين الفقراء والأغنياء ، ويساهم في تصعيد وتيرة العداء
بين المجموعتين إلى درجة قد تصل حد القطيعة ، ما
يساهم في خلخلة التوازن البشري وإيجاد مناخات جديدة للصراع العسكري لن يسلم منها احد بما في ذلك الرأسماليون أنفسهم ، من جانب
أخر نجد أن الشيوعيون والاشتراكيون يدعون
إلى تقييد الاقتصاد ووضعه أو جزء منه تحت
سيطرة الدولة من اجل ردم الهوة بين الأغنياء والفقراء ، وهؤلاء
يتجاهلون أن الاقتصاد المقيد هو اقتصاد مقهور
وقد يساهم في تأخير البشرية أو حرمانها من تطورات اقتصادية وعلمية كثيرة ،
ناهيك عما يسببه من هيمنة للأنظمة الفردية
بكل ما تحمله من لؤم وقسوة .
وبالتالي لن يكون الحل في هيمنة نظام ما وتجاهل ما يطرحه
النظام الأخر من رؤى وجيهة ، بل في طرح
مفهوم مشترك يرسخ حرية الاقتصاد وسلطة الرأسمال ولكن مع إعطاء حق واضح ومعلوم من الحياة الحرة الكريمة للطبقات
الأخرى ، وهذا الأمر يجب أن لا ينظر له على انه تنازل من طبقة الرأسمال الفائزة في معركة الصراع
الأيدلوجي ، بل هو نتيجة من نتائج هذا
الصراع وحقيقة افرزها الواقع العالمي المنهك من جراء الصراعات العالمية ، فلا ضمانة يمكن أن تجعل الرأسمال يطمئن إلى
انتصاره مع وجود الجوعى والمعوزين ، فهؤلاء سيجدون يوما ما التغذية الفكرية التي
تساهم في استثارتهم من جديد ، فالصراع
البشري لن يتوقف مع وجود حالة كبيرة من
التفاوت بين طبقات البشر وكم هائل من
شعارات العداء والمواقف المتناقضة ، وستبقى صفحات التاريخ حبلى بالكثير من
الأحداث المريعة والقاسية قبل أن يصل
التاريخ إلى نهايته ، عندما يطمئن الجميع إلى
انه قد اخذ حقه وحاز على ما
يرضيه دون أي شعور بالغبن . فمن مصلحة
الجميع وعلى الأخص الرأسمال المتحكم بسلطة إصدار القرار ، وضع حد لهذا الصراع الذي
لم يبلغ بعد نهايته بل بلغ نهاية واحدة من معاركه الكثيرة بانتظار معركة جديدة
لاحقة ، واعتقد أن أفضل سبيل هو في وضع تسوية مناسبة
لهذا الأمر، تسوية تبقي للرأسمال مركزه العالمي وتعطي للفقراء حق في وليمة الرأسمال
الكبرى ، هو حق تفرضه معايير الصراع التي لا تحتكم إلى للعروض
الحقيقية ، فلكي يحوز الرأسمال على سلطته ومكانته لابد أن يعطي للفقراء
مالهم عليه من حق ، فهم جزء من عالمه ولبنات أساسية في بنائه ، ومن اجل وضع هذا الأمر موضع التنفيذ ، لابد من إنشاء
صندوق عالمي يوضع بعهدة الأمم المتحدة ،
مهمته سحب الأموال من الشركات العالمية بنسب محددة وإعطاءها إلى الفقراء في جميع
أنحاء العالم وبنسبة واحدة لا تزيد ولا
تنقص ، وبالإمكان تمويل الكثير من
المؤسسات الإنسانية من موجودات هذا الصندوق بدل الاعتماد على التبرعات والمساهمات
غير الملزمة ، ليكون للفقراء حق في أموال
الأغنياء ، حق لا يمكن الجدال عليه أو تجاهله
.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق