باسم محمد حبيب
يعتقد كثير من المهتمين بالتاريخ والشأن العشائري ، أن إمارة المنتفق أو المنتفك ( المنتفج ) تأسست في القرن السادس عشر الميلادي ، أي بعد تولي ( حسن بن مانع ) وأبنه شبيب حكم
المنطقة في حدود
عام 1546 م ، وهذا بالتأكيد خطأ كبير ، لأن إمارة المنتفق كانت موجودة قبل ذلك
بمدة طويلة و بالأسم نفسه ، أي المنتفق أو المنتفك ( المنتفج )، الذي يخطأ البعض
برده إلى شخص أسمه ( المنتفق بن عامر ) بوصفه جد عشيرة بني المنتفق العقيلية
العامرية ، أو بربطه بلفظة ( أتفق ) ، لإتفاق كل من ( بني مالك ، الأجود ، بني
سعيد ) على تشكيل تحالف فيما بينهم تحت أمرة آل شبيب أو آل سعدون ، لأن هذا الأسم
كان موجودا قبل ذلك بستة قرون .
وعلى ما يبدو أن أول تأسيس لإمارة المنتفق جرى
بعد تقليد الشيخ (أصغر العقيلي) حكم المنطقة من قبل الخليفة العباسي الطائع لله ، تثمينا
له لنجاحه في هزيمة القرامطة عام 378 هـ | 986 م ، إذ يذكر ابن الأثير في (الكامل
بالتاريخ ، ج7 ، ص 434 ) حول أحداث سنة 378 هـ ما نصه : " في هذه السنة جمع إنسان يعرف
بالأصغر من بني المنتفق جمعا كثيرا، وكان بينه وبين جمع من القرامطة وقعة شديدة،
قتل فيها مقدم القرامطة، وانهزم أصحابه وقتل منهم وأسر كثير، وسار الأصفر إلى
الاحساء، فتحصن منه القرامطة. فعدل إلى القطيف فأخذ ما كان فيها من عبيدهم،
واموالهم، ومواشيهم، وسار بها إلى البصرة " ، وعلى ما يبدو جاء ذلك بعد أن
أدرك الخليفة ومن خلفه البويهيون الذين يتولون منصب أمير الأمراء آنذاك صعوبة حكم
هذه المنطقة حكما مباشرا ، فسلموا السيطرة عليها لأحد الزعماء الذي تستوطن عشيرته
المنطقة ، ما دعاه إلى جلب عدد من أبناء عمومته ممن كانوا يسكنون الأحساء ليدعموا
سلطته ، ولأنهم من عشائر مختلفة وليسوا من جد واحد ، فجرى تسميتهم بالمنتفق أو المنتفك
(المنتفج) ، إذ أنضمت إلى سلطته عشائر أخرى من تلك التي كانت تستوطن المنطقة ، وقد
نجحوا في التصدي لحملة قام بها الأمير صدقة بن منصور المزيدي أمير الحلة من قبيلة
بني أسد ، فبحسب ما عرض ابن الأثير في ( الكامل بالتاريخ، ، ج9، ص: 95 ) حول أحداث
سنة 499 هـ : " قد ذكرنا استيلاء الأمير صدقة بن منصور على البصرة وأنه استناب بها مملوكا لجده دبيس بن مزيد اسمه
التونتاش وجعل معه مائة وعشرين فارسا، فاجتمعت ربيعة والمنتفق ومن انضم إليها من
العرب وقصدوا البصرة في جمع كثير فقاتلهم التونتاش فأسروه وانهزم أصحابه ولم يقدر
من بها على حفظها فدخلوها بالسيف أواخر ذي القعدة وأحرقوا الأسواق والدور الحسان
ونهبوا ماقدروا عليه وأقاموا ينهبون ويحرقون اثنين وثلاثين يوما وتشرد أهله في
السواد " ، إلا
أن الدولة ضاقت ذرعا بهم فضلا عن السكان الآخرين الذين عانوا كثيرا من سطوة
العشائر عليهم ، فقامت الدولة بعدة محاولات لطردهم من المنطقة ، منها ما حصل في
عام 517 هـ عندما عصى دبيس بن صدقة حاكم
الحلة الخليفة العباسي المسترشد بالله إذ يشير الشيخ محمد بن خليفة النبهاني في
كتابه ( التحفة النبهانية
في تاريخ الجزيرة العربية، قسم البصرة، ص: 298 ) إلى الخليفة " حاربه فهزمه وفر من الحلة والتجأ إلى عشائر
المنتفق واتفق معهم فهجموا على البصرة ونهبوا الأموال فأرسل اليهم الخليفة جنودا
تحت قيادة البرسقي فطردهم عن البلد وأمنها "، لكن العباسيون سرعان ما أدركوا
أهمية تحسين علاقتهم مع المنتفق ، فعينوا شيخ المنتفق معروف واليا على البصرة عام
532 هـ ( المصدر نفسه ) ، فكان من ثمرات
ذلك مساعدة المنتفق للخليفة العباسي المستنجد بالله بأحتلال الحلة والقضاء
على حكم آل مزيد سنة (558 هـ /
1163م)، إذ أوكل ذلك إلى قائده (يزدن بن قماج) بعد أن أمره بقتالهم وإجلائهم
عن البلاد فقتل أربعة آلاف أسدي في الحلة فنزح على إثر ذلك الكثير منهم بعد ذلك
جنوباً واستقروا أخيراً في منطقة الجزائر عند الأهوار ( أبن الاثير ، الكامل في التاريخ
، ج9 ، ص 303 ) ، لكن العلاقة مع العباسيين تدهورت مرة أخرى عام 616 هـ ، وهذه
المرة كان قرار الخليفة الناصر لدين الله إجلاؤهم عن المنطقة ، وعلى
ما يبدو أنهم أتجهوا إلى الحجاز ، إذ يرد
في صبح الاعشي لأبو العباس القلقشندي أن المنتفق من قبائل الحجاز ( جلد 15
، ص 289 و 336 ) .
ولم
تستعد المنتفق عافيتها إلا بمجيء حسن بن مهنا مع عدد من أتباعه إلى مضارب عشيرة
بني مالك ، وهو بحسب كثيرون ينتسب إلى أشراف المدينة المنورة فجاء لاجئا إلى
العراق بعد خلاف جرى بينه وبين إحدى العشائر ، ولأن المدينة المنورة من الحجاز وهو
المكان الذي أختاره المنتفقيون بعد إجلائهم من قبل العباسيين من منطقة جنوب العراق
، فإن من المحتمل أن تكون لهم صلة بهم ، سواء أكانت صلة تحالف أم نسب أم .. الخ ، لاسيما وأنهم أختاروا منطقة المنتفق لتكون
ديرتهم الجديدة ، فتزوج حسن بن مهنا من أبنة شيخ عشيرة بني مالك عبد الله آل خصيفة
وأنجب منها عدة أولاد ، وفي أثناء معركة بين الأجود وبني مالك قتل عبد الله نجل حسن
بن مهنا ، فطلب بني مالك بثأره ونجحوا في هزيمة الأجود ، وبناءا على طلب من حسن بن
مهنا أوقفت العشيرتين القتال وقرروا عقد صلح بينهم بعد أن تنازل حسن بن مهنا عن
دية أبنه بشرط أن يكون أميرا عليهم ، فكان ذلك إيذانا بعودة أمارة المنتفق التي
أستمرت تحت حكم آل شبيب ( آل سعدون ) إلى عام 1918 ( للمزيد ينظر : حميد حمد
السعدون ، إمارة المنتفق وأثرها في تاريخ العراق ، دار وائل ، 1999 ) .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق