باسم محمد حبيب
تاريخيا تعد أسطورة صعود (إيتانا) إلى السماء على ظهر نسر ، أول حلم أنساني للطيران واختراق الفضاء ، إذ ينتمي هذا الحلم إلى أقدم حضارة أسسها البشر على الأرض ، أي حضارة بلاد الرافدين ، ففي أسطورة مدونة
باللغة السومرية
وبالخط المسماري ، ترد رحلة قام بها
إيتانا - وهو الملك الثالث عشر من ملوك سلالة كيش الأولى - إلى السماء ، جرت بتسهيل
من الإله شمش بعد أن سمع تضرعات إيتانا له بأن يساعده في الحصول على علاج للعقم ، إذ
نصحه شمش بالإستعانة بنسر مصاب من أثر معركة له مع أفعى كان قد أكل صغارها ، فيطلب
- بعد أن يقدم المساعدة - نقله إلى السماء حتى يحصل على علاج يخلصه من العقم ، وعلى
الرغم من عدم معرفتنا بنهاية الرحلة الأسطورية بسبب وجود تلف في اللوح المسماري ، إلا أن ورود ذكر أبن إيتانا كحاكم تالي في
قائمة الملوك السومرية ، يشير إلى نجاح الرحلة - بحسب المخيال القديم - و حصول
إيتانا على مبتغاه .
تذكرت هذه الأسطورة وأنا أتابع الأخبار التي
تتكلم عن رحلة تزمع وكالة (ناسا) إرسالها إلى القمر في السنة القادمة ، إذ حملت
الرحلة أسم الإلهة اليونانية (أرتميس) شقيقة الإله (أبولو) الذي سميت بأسمه الرحلة
التي صعدت إلى القمر في عام 1969 والتي نجحت في إنزال أول رائدا فضاء عليه ، إذ
عادت وكالة ناسا لتقوم برحلة مماثلة ولكن بأهداف مختلفة ، من بينها إجراء إبحاث
وتجارب عدة حول إمكانية إستيطان القمر ، فجاء تسمية الرحلة بأسم شقيقة أبولو التوأم
، لأن من بين رواد الفضاء الذين سينزلون على القمر أمرأة ، لتكون بذلك أول رائدة
فضاء تنزل على القمر ، أما لماذا تذكرت أسطورة إيتانا وأنا أتابع خبر رحلة أرتميس ؟
فلأنني أستغربت عدم تسمية ناسا لأي من رحلاتها على أسم هذا الملك السومري الذي تعد
أسطورة طيرانه أول حلم بشري للتحليق في الفضاء .
فإسطورة إيتانا لم تكن فقط مجرد حلم ، بل
كانت رغبة وأمنية أيضا ، ومن ثم فقدت مهدت السبيل لأن يبحث الإنسان عن سبل تتيح له
الطيران أو السفر إلى الفضاء ، لأن الطموح دائما ما يبدأ بحلم ، ولذا فإن إيتانا
يستحق أن يذكر ، وأن تسمى بأسمه الرحلات الفضائية ، لكن للأسف فأن ناسا حالها حال
الكثير من الشركات والمؤسسات الغربية لا تهتم للمنجزات التي حققتها الحضارات
الشرقية إلا إذا أقتضت الضرورة ذلك ، بل فقط بما أنتجه الغرب ، لاسيما الحضارتين
اليونانية والرومانية ، وكأن التاريخ بدأ منهما ، فهل ظلم إيتانا من قبل ناسا ؟ أم
أنه ظلم من قبلنا ، لأننا لم نستطع أن نرتقي لما أرتقى إليه أجدادنا عندما أنتجوا
أولى الحضارات البشرية وأولى الأبداعات والتطورات العلمية والتقنية .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق