بقلم الدكتور احمد لفتة رهمة القصير/ دكتوراة فلسفة التاريخ القديم في جامعة القادسية.
صفحة دكتور احمد لفتة القصير على الفيس بوك
هناك نظريتان حول نشأة الفكر الاقتصادي : الأولى تربطه بالحضارة الأوربية الحديثة ، و بالأخص بالمرحلة التي تلت الاستكشافات الجغرافية في نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر الميلادي ، التي فتحت أمام
الأوربيين أبواب المال و الثروة بعد نمو المبادلات التجارية وامتدادها إلى معظم أصقاع الكرة الأرضية ، فضلا عن الثورة الصناعية التي شهدتها بريطانيا إبتداءا من القرن الثامن عشر والتي أنتشرت سريعا في معظم أرجاء القارة الأوربية ، إذ كان من نتائج ذلك ظهور منظرين اقتصاديين كبار أبرزهم : الاقتصادي الأنكليزي آدم سمث (Adam Smith ) المولود في عام 1723 ، إذ عد كتابه (ثروة الأمم) باكورة المؤلفات الحديثة التي تناولت الفكر الاقتصادي ، تلاه بعد مائة سنة تقريبا مواطنه دافيد ريكاردو (David Ricardo ) صاحب كتاب ( مبادئ الاقتصاد ) ، وكارل ماركس (Karl Marx) صاحب كتاب رأس المال ، إذ أرسى هؤلاء أولى النظريات الاقتصادية لاسيما ما يتعلق بإدارة الاقتصاد وعلاقته بالسياسة ودور الدولة في العملية الاقتصادية وما إلى ذلك من الأمور التي لها علاقة بالجانب الاقتصادي .
أما النظرية الثانية فربطت نشوء الفكر الاقتصادي بالحضارة الإغريقية ( اليونانية ) ، وذلك لأن الفلاسفة الإغريق تطرقوا في كتاباتهم لبعض الظواهر والمشكلات الاقتصادية التي واجهت المدن الإغريقية في ذلك العصر ، لكن ما يلاحظ على تلك الكتابات أنها لم تكن مختصة بالجانب الفكري الاقتصادي بل بجوانب أخرى كالأدب والشعر والفلسفة وما إلى ذلك ، كما هو الحال مع ملحمتي الألياذة والأوديسة لـ هوميروس اللتان تضمنتا بعض الأفكار الاقتصادية على الرغم من كونهما ملحمتين شعريتين تناولت مغامرات عدد من الأبطال الإغريق وما قاموا به من أعمال متميزة وجليلة ، فضلا عن آثار الفلاسفة الآخرين من أمثال : سقراط وأفلاطون وأرسطو وغيرهم ، لكن مع ذلك تضمنت كتاباتهم رؤى وأفكار اقتصادية كان لها قيمة كبيرة في مسار الفكر الاقتصادي العالمي .
أما الحضارات القديمة ، أي التي سبقت الحضارة اليونانية ، فجرى إغفال دورها في هذا المجال المهم ، ولذلك يعد كتاب الدكتور باسم محمد حبيب ( الفكر الاقتصادي في العراق القديم ) ، الصادر عن دار تموز ( دموزي ) للطباعة والنشر عام 2022 ، من الكتب الرائدة في دراسة الفكر الاقتصادي في الحضارات القديمة ، وبالأخص حضارة بلاد الرافدين التي كانت السباقة في كثير من المجالات السياسية والاجتماعية والدينية وفي العلوم والفنون والآداب والقانون والتكنولوجيا وما إلى ذلك ، فأصبح الفكر الاقتصادي من الجوانب التي يمكن القول أن لحضارة بلاد الرافدين قصب السبق فيه أيضا ، إستنادا لما تضمنه هذا الكتاب من أراء حول هذا الأمر .
أما أهم ما بينه الكتاب فيما يخص ما لدى العراقيون القدماء من أفكار اقتصادية فأهمها : السمة الأسطورية التي أتسم بها هذا الفكر ، وهي سمة لم تخل بأهميته كونها سمة كانت موجودة لدى جميع الشعوب القديمة ، ولم تخلو منها حضارة من الحضارات البشرية الأولى ، إذ أرتبط وجودها بنمط التفكير الذي كان سائدا آنذاك ، وضرورته للعملية الاقتصادية في تلك العصور التي كان الجانب الفكري فيها ممتزجا بالجانب الأسطوري ، لذلك ارتبطت مُلكية الأرض الزراعية بالدين والأسطورة ارتباطا وثيقا ، انطلاقا من حاجتها إلى الحماية ، فضلا عن الخصب الذي يحقق الوفرة للإنتاج الزراعي .
أما مفهوم الإنتاج فأقرنه العراقيون القدماء بمفهوم الزواج ، لا يختلف عنه إلا في عده نشاطاً اقتصادياً ، فطابقوا بين المنتج والزوج ، وبين المادة الأولية أو الأرض والزوجة ، أما ما يحققه الإنتاج من سلع ، فطابقوه مع ما يخلفه الزواج من أولاد ، ولم يحيدوا عن نظرتهم هذه إلى آخر المراحل التاريخية .
لكن العراقيون القدماء لم يروا في الأنتاج نشاطا مرتبطا بحياة البشر بل بحياة الآلهة ، أما ربطه بالبشر ، فجاء من أجل أن تحصل الآلهة ما تحتاجه من طعام وشراب وسلع مختلفة ، فالآلهة في نظر العراقيين القدماء هي من تملك عوامل الإنتاج التي يحتاجها أي مشروع سواء أكان زراعيا أم تجاريا أم صناعيا ، لأنها هي من تملك الأرض التي يتطلبها ، و هي من توفر المال له ، وتقدم الخبرة التي يحتاجها القائمون عليه ، فضلا عن كونها هي من تمنح الإنسان القدرة على العمل فيه ، ومن ثم نجد أن الأرباح التي تحققها العمليات الانتاجية التي يقوم بها البشر ، هي نظريا تُعد من نصيب الآلهة ، لكن من الناحية العملية يتم توزيعها بما يضمن أداء المؤسسات لواجباتها في إطار ما عليها من التزامات مختلفة ، أما الأجور فقد كان توزيعها يجري على ضوء قوة العمل وليس على الصفة التي يحملها الشخص .
ومن ثم نجد أن نظرة العراقيين القدماء للعمل كانت تختلف عن نظرتنا إليه ، إذ رأوا فيه واجبا دينيا له علاقة بمبدأ الخلق ، لأن الإنسان خلق ليكون بديلا عن الآلهة في أداء الأعمال التي كانت موكلة إليها ، فصمم جسده على شاكلتها ليؤدي ما كانت تؤديه من عمل ، إذ يعد العمل الشاق هو العمل الذي كانت تؤديه الآلهة ، ما جعل الافراد جميعاً مشمولين به ، سواء أكانوا ملوكاً أم كهنة أم أفراد عاديين ، حتى أن الملوك والكهنة كانوا يحرصون على ممارسة العمل الشاق تعبيرا عن التزامهم بما أسند إليهم من عمل من قبل الآلهة ، فهذه النظرة إلى العمل هي بالضد من نظرتنا إليه التي عدته مفهوما اقتصاديا محضا ووسيلة من وسائل كسب الرزق ، الأمر الذي انعكس على سلوكهم الذي أتسم بالجدية والحرص على أداء الأعمال مهما كانت شاقة ومعقدة .
ولم تقتصر حصة الآلهة على ما تحظى به مشاريعها من الأرباح ، بل وعلى ما تفرضه من ضرائب كمقابل لما تقدمه من رعاية وإشراف بحسب ما بعهدتها من مسؤولية مهنية أو حرفية أو إنتاجية ، إذ تفرض الضرائب على أصحاب المشروعات الخاصة ، لأن تلك المشروعات لم يكن لها أن تنجح من دون الآلهة ، أما التباين في الجهة التي تستلم الضرائب بين الفكر الحديث والفكر العراقي القديم ، فلا يعني اختلافا في هويتها بل في مرجعيتها فقط ، إذ أن الدولة في حضارة بلاد الرافدين تعود إلى الآلهة ، فيما أنها في الحضارة الحديثة تعود إلى الشعب .
ولكن على الرغم من أن الأنسان ما هو إلا أداة لحصول الآلهة على ما تحتاجه من طعام وشراب وملبس وما إلى ذلك ، إلا أن الآلهة لم تتجاهل حاجاته ، بل أسهمت في ضمانها أيضا ، فضمان الأمن والأستقرار له ، يتم من خلال وكيل الآلهة البشري الملك ، و توفير وسائل الأنتاج يتم بوساطة مؤسستي المعبد والقصر ، ولا يقتصر الأمر على ذلك ، بل يشمل أيضا توفير الضمان الاجتماعي ، سواء أكان ذلك دائما أو عند الحاجة أو الضرورة ، لكن قيام الآلهة بذلك ، فليس لكونها تعد ذلك من واجباتها ، بل لأنها تدرك أن أستقرار الانسان وأمنه وتلبية حاجته يجعله قادرا على أداء واجباته تجاهها ، وإلا سيكون عاجزا عن ذلك بسبب أوضاعه المضطربة وحياته السيئة أو معاناته ، أي على شاكلة أي رأسمالي يقوم بتوفير احتياجات العمال ليس رأفة بهم ، بل لكي يكونوا قادرين على أداء الأعمال الموكلة لهم .
كما ربط العراقيون القدماء ما بين الكوارث الاقتصادية والآلهة ، فعدوها عقابا من الآلهة لعدم إلتزام الأنسان بأداء ما عليه من واجبات تجاهها ، ومن ثم رأوا أن على الإنسان أن يعمل حتى ترضى عنه الآلهة ، فضلا عن توفير ما يحتاج من طعام وشراب وما إلى ذلك ، وهذا ما يصح على التقلبات الاقتصادية التي يواجهها كل من الفرد والمجتمع ، فهي من نتاج غضب الآلهة ، ومن ثم فإن المشاركة في السخرة و العمل في مزارع وورش الآلهة و الأخلاص في العمل ، هي من الأمور التي تسهم في تخفيف غضب الآلهة وإستبداله برضاها ، أما الحروب فرأوا أنها تشن من أجل الآلهة ، لزيادة مواردها وثرواتها أو حماية مواردها وثرواتها من الغزاة ، لذا يجب المساهمة فيها بالجسد والمال ، فإذا ما تحقق النصر فيجب أن تحظى الآلهة بالقسط الأكبر من الغنائم ، لأن كل الطاقات التي أسهمت في المعركة عائدة للآلهة ، أما في حالة الهزيمة فيجب قبول أي خسارة من أجل الآلهة .
أن أعتماد الحضارة العراقية القديمة لهذه النظرة الفكرية ، جاء من أجل حماية الملكيات وأدوات الأنتاج والموارد والأموال من التعرض للنهب أو المصادرة ودفع الناس للعمل في مزارع المعابد والقصور على أساس أنها مزارع الآلهة ، فضلا عن العمل بالسخرة وعدم الغضب من العمل المضني لأنه من أجل الآلهة ، فضلا عن كونه شبيها بعمل الآلهة قبل خلق الإنسان . وبالتوفيق للجميع
هناك تعليقان (2):
وفق الله استاذنا الدكتور باسم له قدم السبق في تسليط الضوء على تاريخ بلاد ما بين النهرين وتاريخه العظيم
جزيل الشكر لكم لمروركم العبق وكلماتكم الطيبة
إرسال تعليق