باسم محمد حبيب
أهم درس يجب أن يتعلمه السياسيون العراقيون هو تجنب تراكم الأخطاء أو إهمال تصحيحها لأن هذا هو ما وقع فيه كثير من المسؤولين العراقيين السابقين وكان السبب في سقوط حكمهم وفشل إدارتهم للبلد ، بدءا من النظام
الملكي الذي بدأ في عام 1921 وصولا إلى النظام الجمهوري القاسمي ثم العارفي ثم
البعثي وإنتهاءا بالعهد الحالي أي من عام
2003 وإلى الآن ، إذ نجد أن هذه الأنظمة قد وقعت في الأخطاء نفسها التي وقع فيها
من سبقها وبنت حكمها عليها وعلى أخطائها أيضا من دون أن تقوم بتصحيحها ، فواجهت
جميعا النتيجة نفسها ، أي السقوط والأنهيار الذي ختم مسيرة كل منها .
لقد بدأ تراكم الأخطاء منذ بداية الحكم
الملكي ، وهذا ما جعل البعض يتساءل عن سبب ذلك ، لأن حكومات هذا العهد كانت في الغالب تعمل
بمشورة الحكومة البريطانية ، فضلا عن أنها كانت تضم عدد من الأختصاصيين والكفاءات ،
لكنها مع ذلك لم تنجح في تجنب الوقوع في الأخطاء أو تعمل على تلافيها و تصحيحها ، فنتج
عن ذلك فشل كبير كان خاتمته سقوط مدوي لتجربة كان يعول عليها الكثير أقليميا
ودوليا ، ولعل أهم تلك الأخطاء قضية الأراضي الزراعية التي لم تنجح حكومات العهد
الملكي في حلها بل عمقتها ووسعتها بإصدارها قوانين وصفها كثيرون بالرجعية
وبانتهاكها للمعايير الإنسانية ، والشيء نفسه يصح على قضية التفاوت الطبقي
والتباين في مستوى التطور بين المحافظات والمشكلة العشائرية والطائفية وأمور أخرى
كثيرة .
وهذا ما يصح على العهد الجمهوري الذي جاء بعد
14 تموز 1958 على الرغم من أن بدايته كانت واعدة نوعا ما في النواحي الاقتصادية
والاجتماعية على الأقل ، إلا أن الأخطاء عادت للظهور مرة أخرى بعد مدة قصيرة بدءا
من طريقة الحكم التي أعتمدت الشكل الدكتاتوري الفردي مرورا بإلغاء المؤسسات الديمقراطية
كمجلس النواب وغيرها وصولا إلى القرارات التي تم إصدارها خلال هذا العهد دون أن يتم
تطبيقها بشكل صحيح في المجالات المختلفة الزراعية والنفطية والصناعية والسياحية
والخدمية ، فكان ذلك مما سرع في سقوط هذا النظام في انقلاب 8 شباط 1963 الذي أغرق
البلاد في صراعات مختلفة مع الكورد ومع الأحزاب الأخرى ، فعاش البلد دوامة من
الصراعات والأنقلابات التي أنتهت بأنقلاب 17 تموز 1968 الذي أبقى السلطة بيد
العسكر لكن هذه المرة بيد العسكريين البعثيين الذين لم يستفيدوا من أخطاء من سبقهم
بل على العكس من ذلك أعادوا تلك الأخطاء مرة أخرى ، ما زاد من إستفحال المشكلات
التي كان يعاني منها البلد ، أي مشكلات الأراضي والعشائر والأنقسام الطائفي
والقومي والتخلف الأجتماعي والأقتصادي و أمور أخرى كثيرة على الرغم من بعض
المشاريع والقرارات التي لم تغير من الحالة العامة ، ولم يجر تصحيح الخلل السياسي
الذي نتج عن 14 تموز 1958 بل تعمق هذا الخلل بمجيء حكومات عسكرية دكتاتورية لا
تؤمن بالرأي الحر أو بمشورة المختصين بل تؤمن بسلطة القائد الأوحد ورأيه الذي لا
يمكن الرد عليه أو مناقشته .
وللأسف أستمر تراكم الأخطاء حتى بعد التغيير
في 2003 ، فلم تستفد حكومات هذا العهد من دروس الماضي ومن نتائجها الكارثية ، ولم تستغل
أنفتاحها على العالم في الإستفادة من خبرات الدول الأخرى لاسيما المتطورة منها في
المجالات المختلفة السياسية والاقتصادية والتربوية وغيرها ، ولم تستفد من الخبراء
العراقيين الذين بقوا مختفين في الجامعات دون إستغلالهم والإستفادة منهم في
الجوانب العملية ، فكانت النتيجة جبلا من الأخطاء وبالأخص في الجانبين السياسي و الاقتصادي ، إذ بقي
الاقتصاد إحاديا معتمدا بشكل أساس على النفط مع وجود المقومات الأخرى الزراعية
والسياحية والصناعية ، فيما تجاوز الفساد المعدلات العالمية وأصبحت السرقات تحمل
ألقابا كبيرة كسرقة القرن أو العصر ، أما النواحي الخدمية فقد بلغت مبلغا عاليا من
السوء و الحالة البائسة ، هذا ناهيك عن مشاكل أخرى أخذت تظهر على السطح بقوة
كمشكلة الجفاف وفشل الحكومة في حلها والانقسام الحكومي بين المركز والاقليم
والانقسام الطائفي والمشاكل العشائرية وأمور أخرى كثيرة .
فما نلاحظه على الأنظمة والحكومات التي حكمت
البلد أنها تبني على أخطاء من سبقها من دون أن تبادر إلى تصحيح تلك الأخطاء ، وتبني
أيضا على أخطائها من دون العمل على تصويبها ، و ما لم يجري تغيير هذا الأمر فأن ما
ستواجهه الحكومة الحالية أو النظام السياسي الحالي لن يكون مختلفا عما واجهته
الأنظمة والحكومات السابقة ، فجبل الأخطاء الذي يزداد أرتفاعه يوما بعد يوم ، مصيره
أن ينهار يوما ما من دون التكهن بما سوف ينجم عن ذلك .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق