باسم محمد حبيب
يعتقد غالبية غالبية المؤرخين أن حضارة بلاد الرافدين هي أول الحضارات التي أسسها البشر على الأرض ، على الرغم من أن البعض يقرن التأسيس بحضارة أخرى يرى
أنها شهدت أيضا البدايات الاولى للحضارة البشرية وهي حضارة بلاد النيل في حدود الألف الرابع قبل الميلاد ، وعلى الرغم من كم المنجزات اللتي حققتها هاتان الحضارتان للبشرية إلا أن هناك فوارق كبيرة في معتقداتهما وفكر ونظرة كل منهما للحياة والكون ، إذ إمتازت حضارة بلاد الرافدين بتبنيها للنزعة المادية التي تكرس كل شيء من أجل الحياة وتعد الموت نهاية أبدية لا يمكن الخلاص منها بعد أن يفنى الجسد وتذهب الروح إلى منفاها الأبدي في عالم الأرواح ، لذا ركزت على تطوير الحياة وإيجاد المخترعات والمبتكرات التي تسهلها وتقلل من معاناة الناس وتضمن لهم واقعا أفضل ، فكان نشوء المدن الأولى تكريسا لبناء مجتمع حيوي نابض بالحياة مع تكوين مؤسسات هدفها توجيه حياة البشر لما يخدم مصالحهم وإستقرارهم وأمانهم ، إذ كان للدين أثره في إيضاح ما يجب على الأنسان أن يقوم به ليكون عضوا فاعلا في المجتمع ، وكيف يمكنه أن يوازن بين ما لآلهته وما لنفسه فيدرك ما عليه أن يفعله ليعيش حياته بأقل قدر من المعاناة .
أما ما أمتازت به حضارة بلاد النيل فكان على الضد من ذلك تماما ، إذ باتت الدولة ومعها المعبد مجرد مؤسستان هدفهما إعداد الناس للحياة القادمة ، لأن الحياة الحالية ما هي إلا بداية لحياة أخرى أكثر هدوءا وأطول زمنا ، لذا على الجميع أن ينبذ دنياه ويعمل من أجل آخرته ، فكانت الأخلاق الطيبة والعمل الصالح من الأمور التي نجحت هذه الحضارة ببذرها في نفوس الناس ، فضلا عن التقوى وإحترام الشعائر الجنائزية التي تسهل على الميت أنتقاله إلى العالم الآخر ، لذا لا غرابة في أن نجد في أرض هذه الحضارة كثير من الأبنية والأمور ذات الصفة الجنائزية كالأهرامات و التوابيت الذهبية والمومياءات ... الخ .
ولأن هاتان الحضارتان هما أقدم الحضارات البشرية فقد كان تأثيرهما كبيرا في الشعوب الأخرى ، لكن تأثيرهما لم يكن متساويا خلال مدة أزدهارهما ، ففي حين كان التأثير الأكبر في البداية لحضارة بلاد الرافدين التي نجحت في نشر فكرها ومعتقداتها بين الشعوب الأخرى بدليل إنتشار الخط المسماري واللغة الأكدية في منطقة الشرق الأدنى القديم فضلا عن الأساطير والأفكار والمعتقدات ، إلا أن الأمر أختلف في المراحل المتأخرة التي أصبحت المبادرة فيها لحضارة بلاد النيل التي أخذت أفكارها ومعتقداتها تتغلغل بين الشعوب الأخرى ، ولعل اليهود من أولى الأقوام التي تأثرت بمعتقدات بلاد النيل ، فكان الأسر البابلي لليهود في عصر الملك نابوخذنصر الثاني ( 604 - 562 ق.م ) العامل الأكبر في دخول هذا الدين إلى بلاد الرافدين وتأثيره في معتقدات سكانها ، ما أدى إلى نشوء أديان أخرى ذات سمة أخروية كالديانة الزرادشتية التي ربما تأثرت بالديانة اليهودية لا العكس كما يطرح البعض ، فضلا عن المندائية التي تشكلت في تلك الفترة ، ثم ظهر الدين المسيحي الذي يمكن القول أنه كان نتاجا آخر للديانة المصرية القديمة على الرغم من صلته المباشرة بالديانة اليهودية ، و لعل وصف (أبن الإله) التي وصف به السيد المسيح ما هو إلا نتاجا للمعتقد المصري القديم الذي يعد الفرعون أبنا للإله آمون ، فهو أمر لم تقل به أديان حضارة بلاد الرافدين ومعتقدات الشعوب الأخرى المتأثرة بها .
ومن ثم يمكن القول أن الحضارة المصرية هي التي تغلبت في النهاية وفرضت نسقها الحضاري في المنطقة ، لكن هذا لا يعني أن حضارة بلاد الرافدين أختفت تماما ، ففضلا عن بقاء كثير من رؤاها و قيمها في معتقداتنا وأفكارنا ، نجحت أيضا في الوصول إلى منطقة أخرى ، إذ يمكن القول أن المعتقدات والأفكار التي تتبناها الحضارة الأوربية الحديثة هي إمتداد لمعتقدات وأفكار بلاد الرافدين ، فما بينهما من عناصر شبه هو ما يؤكد الصلة بينهما .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق