الثلاثاء، 22 نوفمبر 2022

وظيفة الآلهة في الفكر الاقتصادي العراقي القديم


باسم محمد حبيب

جريدة الصباح العراقية

للإله وظيفة اقتصادية كبيرة في الفكر العراقي القديم ، إذ تنبع هذه الوظيفة من الحاجة إلى ضمان الحماية للأراضي الزراعية والورش و الأموال والأدوات وكل ماله علاقة بالجانب الاقتصادي ، نظرا لما تتهددها من مخاطر بسبب


الحروب والغزوات والهجرات المتكررة التي كانت تشهدها البلاد من حين لآخر والتي تتطلب وجود نظام دائم يضمن الأستقرار الاقتصادي في واقع سياسي مرتبك و غير مستقر ، وفي نظام كهذا ليس هناك مالك للأرض غير الآلهة التي تضمن الخصب لها أيضا ، فلا يتحقق الإنتاج الزراعي إلا بموافقتها ورضاها ، وهذا ما يصح أيضا على قطاعات الأنتاج الأخرى ، فضلا عن عناصر الإنتاج والأموال وما إلى ذلك .

ونظرا لأن الآلهة هي المالكة لوسائل الإنتاج ، فأن الأرباح الناتجة من فعالياتها الاقتصادية المختلفة هي ملكا لها أيضا ، لكن لا تقتصر حصة الآلهة على ما تحظى به مشاريعها من الأرباح ، بل وعلى ما يفرض من ضرائب لقاء ما تقدمه من إشراف ورعاية بحسب ما بعهدتها من مسؤولية مهنية أو حرفية أو إنتاجية ، إذ تفرض الضرائب على أصحاب المشروعات الخاصة ، لأن تلك المشروعات لم يكن لها أن تنجح من دون الدور الذي تؤديه الآلهة ، ولأن الدولة هي مؤسسة قامت الآلهة بإنشائها لتكون وكيلة لها في إدارة مشاريعها الاقتصادية فإن ذلك يتيح لها إستلام الضرائب أيضا .

 ولا تقتصر وظيفة الإله كما تتجلى في الفكر العراقي القديم على هذا الأمر فقط ، بل وكذلك على إلزام الناس بالعمل بوصفه عمل الآلهة الذي تمت إحالته للبشر ، لإن الكون خلق كمكان لسكن الآلهة فيما خلق الإنسان ليكون بديلا عنها في أداء الأعمال المرهقة التي كانت موكلة لها ، لذا تم خلقه على شاكلتها مع تضمين جسده عنصرا إلهيا ليكون قادرا على ممارسة ما كانت تمارسه من أعمال شاقة ، ومن ثم يمكن القول أن لوجود الإلهة ضرورة أقتصادية في الفكر الاقتصادي العراقي القديم مثلما له ضرورة سياسية وحياتية أيضا ، وربما تكون ضرورته الاقتصادية هي التي منحتها الصورة التي ظهرت عليها في النصوص المسمارية ، أي صورة الكائنات القوية التي لن تتورع عن التسبب بالكوارث والدمار للبشر فيما إذا تجرأوا على عصيانها ونكران حقوقها .

ولا تقتصر فائدة الإنسان للآلهة على توليه أعباء العمل عنها ، بل وعلى توفير ما تحتاجه من طعام وشراب وملبس ، ومن ثم فأن ما يتلقاه الإنسان من أجور وأمن وحماية تقدمها له مؤسستا المعبد والقصر بصفتهما ممثلين للآلهة لا يأتي كمقابل لذلك بل من أجل أن يبقى قادرا على ممارسة واجباته تجاه الآلهة  ، أي على شاكلة أي رأسمالي يقوم بتوفير احتياجات العمال ، فهو يقوم بذلك ليس رأفة بهم بل لكي يكونوا راضين و قادرين على أداء الأعمال الموكلة لهم .

أما الكوارث الاقتصادية التي كانت تتعرض لها البلاد من حين إلى آخر فقد عدها العراقيون القدماء من نتاج غضب الآلهة لعدم إيفاء الأنسان بواجباته تجاهها ، ومن ثم لا مناص للإنسان من العمل لكي يكسب رضا الآلهة ، ويضمن ما يحتاجه من طعام وشراب واستقرار ، وهذا ما يصح على التقلبات الاقتصادية التي يتعرض لها كل من المجتمع والفرد ، فهي من نتاج غضب الآلهة أيضا ، ومن ثم فإن العمل في مزارع الآلهة و ورشها و المشاركة في السخرة  وتلبية إحتياجات الآلهة من مأكل ومشرب وغيرها ، هو ما يضمن رضا الآلهة ويخفف من غضبها تجاه البشر ، ويشمل ذلك أيضا المشاركة في الحروب التي تشن لزيادة موارد الآلهة فضلا عن المشاركة في حماية مواردها وثرواتها من الغزاة  .

 

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969