باسم محمد حبيب
للإله وظيفة اقتصادية كبيرة في الفكر العراقي القديم ، إذ تنبع هذه الوظيفة من الحاجة إلى ضمان الحماية للأراضي الزراعية والورش و الأموال والأدوات وكل ماله علاقة بالجانب الاقتصادي ، نظرا لما تتهددها من مخاطر بسبب
الحروب والغزوات والهجرات المتكررة التي كانت تشهدها البلاد
من حين لآخر والتي تتطلب وجود نظام دائم يضمن الأستقرار الاقتصادي في واقع سياسي
مرتبك و غير مستقر ، وفي نظام كهذا ليس هناك مالك للأرض غير الآلهة التي تضمن
الخصب لها أيضا ، فلا يتحقق الإنتاج الزراعي إلا بموافقتها ورضاها ، وهذا ما يصح
أيضا على قطاعات الأنتاج الأخرى ، فضلا عن عناصر الإنتاج والأموال وما إلى ذلك .
ونظرا لأن الآلهة هي المالكة لوسائل
الإنتاج ، فأن الأرباح الناتجة من فعالياتها الاقتصادية المختلفة هي ملكا لها أيضا
، لكن لا تقتصر حصة الآلهة على ما تحظى به مشاريعها من الأرباح ، بل وعلى ما يفرض
من ضرائب لقاء ما تقدمه من إشراف ورعاية بحسب ما بعهدتها من مسؤولية مهنية أو
حرفية أو إنتاجية ، إذ تفرض الضرائب على أصحاب المشروعات الخاصة ، لأن تلك المشروعات لم يكن لها أن
تنجح من دون الدور الذي تؤديه الآلهة ، ولأن الدولة هي مؤسسة قامت الآلهة بإنشائها
لتكون وكيلة لها في إدارة مشاريعها الاقتصادية فإن ذلك يتيح لها إستلام الضرائب
أيضا .
ولا تقتصر فائدة الإنسان للآلهة على
توليه أعباء العمل عنها ، بل وعلى توفير ما تحتاجه من طعام وشراب وملبس ، ومن ثم
فأن ما يتلقاه الإنسان من أجور وأمن وحماية تقدمها له مؤسستا المعبد والقصر
بصفتهما ممثلين للآلهة لا يأتي كمقابل لذلك بل من أجل أن يبقى قادرا على ممارسة
واجباته تجاه الآلهة ، أي على شاكلة أي
رأسمالي يقوم بتوفير احتياجات العمال ، فهو يقوم بذلك ليس رأفة بهم بل لكي يكونوا راضين
و قادرين على أداء الأعمال الموكلة لهم .
أما الكوارث
الاقتصادية التي كانت تتعرض لها البلاد من حين إلى آخر فقد عدها العراقيون القدماء
من نتاج غضب الآلهة لعدم إيفاء الأنسان بواجباته تجاهها ، ومن ثم لا مناص للإنسان
من العمل لكي يكسب رضا الآلهة ، ويضمن ما يحتاجه من طعام وشراب واستقرار ، وهذا ما
يصح على التقلبات الاقتصادية التي يتعرض لها كل من المجتمع والفرد ، فهي من نتاج
غضب الآلهة أيضا ، ومن ثم فإن العمل في مزارع الآلهة و ورشها و المشاركة في السخرة
وتلبية إحتياجات الآلهة من مأكل ومشرب
وغيرها ، هو ما يضمن رضا الآلهة ويخفف من غضبها تجاه البشر ، ويشمل ذلك أيضا
المشاركة في الحروب التي تشن لزيادة موارد الآلهة فضلا عن المشاركة في حماية
مواردها وثرواتها من الغزاة .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق