الاثنين، 28 مايو 2012

الدين في ذمة السياسة

باسم محمد حبيب
اعتدنا عند تناولنا للتاريخ العربي الإسلامي على التطرف في تمجيد هذا التاريخ وتفخيم شخوصه ، إلى درجة تغيب فيها صفاتهم البشرية أو أخطائهم أو سلبياتهم ، مكتفين بتناول ماقاموا به من بطولات وأعمال مشرفة وعدها الحقيقة الوحيدة في حياتهم ، الأمر الذي أدى إلى خلق هوة كبيرة بين التاريخ في حقيقته أو مادون منه والمتداول من هذا التاريخ ، لتنشا من ذلك تقاليد اعتادت على ممارستها أجيال متسلسلة من المؤرخين الإسلاميين ، الذين اخضعوا التاريخ لسلطة الميثولوجيا أو جعلوه في خدمة السلطان ، ومن الطبيعي بعد ذلك أن نعتقد أن ماوصلنا من هذا التاريخ قد اختلط فيه الحقيقي والمزيف الصحيح والملفق ، استنادا لنهج الحكومات التي تعاقبت على هذه المنطقة ‘ والتي وضعت مصالحها السياسية أساسا لقراءاتها الدينية والتاريخية ، فأصبح الإسلام منعزلا عن صورته الأولى مرتبطا بدرجة ما بنهج وقراءة الحكومات المتعاقبة و المتعادية حتى التكفير ، وإذا كان التغيير في الحكم الإسلامي كان على الدوام تغييرا عنيفا ودمويا
فليس هناك مايمنع هؤلاء من أن يغيروا في الدين بما يطيب لهم ، لتظهر لنا نسخ بعضها يكفر بعض وقراءات تحول التأويل فيها إلى سلاح بيد هذه الفئة أو تلك أو هذه السلطة وتلك الطائفة ، لان ( القران حمال لأوجه ) والنص في ذمة السلاطين إن شاءوا أبقوه وان شاءوا طمسوه بحسب ما يتوافق مع آرائهم ومصالحهم ، فظهرت لنا نسخ مزجت بين ما أراده الإسلام وما يريده السلطان أو أي فئة من الفئات الأخرى ليقع المسلمون في فخ السياسي والمؤول من الدين ، ومن اجل أن يغدو الإسلام مستوعبا لطروح السلطة ومصالحها لابد أن يتحور بما يناسب رؤية السلطة ونهجها , ومن الطبيعي أن ينتشر الدس ويكثر التلفيق تبعا لرؤى المتخالفين ورغبتهم في التمايز أو إنتاج هويات مختلفة ، فلقب أمير المؤمنين الذي حمله حكام الأمة الإسلامية ردحا طويلا ليس مجرد لقب سياسي يراد به ممارسة الحكم أو جمع المسلمين تحت لواء واحد ، إنما هو لقب يعني من بين ما يعنيه أن الشخص الذي يحمله يحمل صفة فوق بشرية ، كون الإيمان حالة عالية من التواصل بين الإنسان وربه ، وأمير هؤلاء يعني انه القيم على هذه العلاقة الخاصة والوصي عليها ، وبالتالي امتلك هؤلاء كل السلطات التي يوفرها الدين ليقوموا باخصاء رعاياهم وإعلان أبوتهم لهم ، ليتحول الدين إلى أداة خصي فهو الوسيلة التي يمارس فيها الخاصي سلطته على مخصييه ، وأي رفض أو تمرد من هؤلاء سيكون عاقبته التكفير أو التفسيق ، وهذا ماحصل مع معظم معارضي السلطة بغض النظر عن منزلتهم كما هو الحال مع الحسين بن علي حفيد الرسول (ص) ، حينما عد من قبل السلطة مارقا أراد شق صفوف المسلمين فكان جزاءه - بنهج السلطة - الموت والتمثيل .
وبالتالي يمكن للسلطة حارسة الحقيقة أن لاتكتفي فقط بدور الحراسة بل أن تتماهى مع هذه الوظيفة أو تكون بديلا لها ، فالإسلام في العهد الأموي تحول إلى إسلام أموي ( أي برؤية أموية ) وفي العهد العباسي إلى إسلام عباسي وعند العلويين إلى إسلام علوي ، وكل من هؤلاء لم يبني نسقه أو منهجه إلا على التنافر مع الأخر والادعاء بعائديته إلى الأصل الذي ربما لم يعد له أتباع أو غدا في عداد المنقرضين ، فلم يعد بإمكاننا أن نرى من الإسلام ( لا اقصد هنا النصوص الدينية بل النسق أو الفحوى ) إلا بقدر ما أراد أن يستبقه الحاكمون ، أما المسلمون فأصبحوا أشياعا لهذا الأمير أو لذلك الحاكم ، وهم لا يؤمنون إلا بما يقره هذا من الإسلام أو ما يؤمن به ذاك ، وحتى لو كان الاختلاف طفيفا بين هؤلاء أو أولئك فليس العبرة في مقدار الاختلاف صغيرا كان أم كبيرا بل بتأثيره ونتائجه ، فالخلاف الذي يدفع إلى الذبح أو التكفير أو التفسيق هو بلا شك خلاف كبير و مهيمن ويفترض أن لاننكره حتى لا نفقد القدرة على استقصائه و مواجهته ، لأننا بفهمنا للخلاف وتشخيصنا لحجمه وتأثيره ، نكون قد حددنا موضع الداء وعرفنا حقيقة المرض ، لان النكران هو نوع من الإقصاء ( إقصاء الأخر الذي ننكره ونمتنع عن الاعتراف به ) ويحمل في نسقه معنى المكابرة ، ليتحول التاريخ إلى مجرد قراءة أحادية الجانب تغيب فيها الحقائق وتؤول الأحداث لصالح القراءة التي ترغبها هذه الفئة أو تلك ، وبالتالي لم تعد شخصيات التاريخ الإسلامي شخصيات بشرية تقاس بمقاييس البشر ، وإنما شخصيات متضخمة بتأثير الخلاف الذي جعل منها شخصيات إلهية معصومة من الأخطاء ومحصنة من الإخفاقات محلقة في سماء التنابز أو حية في ضمير المتنابزين ولن تموت إلا بموته ، الأمر الذي جعل تاريخنا مشلولا عاجزا عن إدراك وهنه وسلبياته ، فبقينا نراوح في زمن واحد هو ذلك الزمن الذي جرده الوعاظ و المؤرخون من مقاييس التاريخ وأخضعوه لسلطتهم الميثولوجية ونظرتهم الأحادية الجامدة ، لتتحول شخوص ذلك التاريخ إلى مجرد إيقونات تحرسها عباءة الميثولوجيا ورغبات المؤسسة الدينية غير المقننة .
وهكذا تحولت شخوص مثل علي بن أبي طالب وأبو بكر وعمر بن الخطاب و الحسين بن علي وغيرهم إلى شخصيات أسطورية تم تجريدها بتعسف من طابعها البشري لصالح القراءة التاريخية المؤدلجة ، فالأخطاء والسلبيات هي جزء من طبيعة كل إنسان ولايمكن أن يتجرد منها احد مهما على كعبه وزادت همته ، ومن الطبيعي أن علينا أن نتجرد من عواطفنا وأهوائنا عندما نرغب في تقييم شخصياتنا حتى نفهم سلوكها وأعمالها بشكل طبيعي ودون الانسياق خلف ضباب الميثولوجيا المضلل ،لأننا بأنانيتنا الفكرية الشديدة وغطرستنا التاريخية الفارغة لانتعاطى مع مجرد وهم يخلقه تخلفنا بل مع مرض خطير يدوخ عقولنا وينهش بجسدنا .
  

ليس بالديمقراطية وحدها ينجوا العراق

باسم محمد حبيب
اعتبارات فنية هي التي دفعتني لاقتصار العنوان على هذه العبارة لأنني أردت التركيز على أهمية العلمانية كعنصر مكمل للديمقراطية لان ديمقراطية بلا معايير ربما تمثل انتحارا سياسيا أكثر من كونها وسيلة لتداول السلطة ف بلد كالعراق عانى طويلا من البؤس والتخلف وحكم في معظم أحقابه من حكومات دكتاتورية ليس بمقدوره أن يؤسس تجربة ديمقراطية لوحده أو يسير بها نحو النجاح مالم يكن هناك دستور واضح وشفاف يخدم هذا الغرض وقوانين تدعم الحراك الديمقراطي
وما يحصل في العراق أو ماحصل هو خير تأكيد على أهمية ذلك حيث كان بالإمكان لجم الكثير من النكبات والأخطاء لو صيغ الدستور صياغة مناسبة ولو اعتمد معيار الكفاءة في توزيع السلطات ونظمت الحقوق والواجبات وفق معيار المواطنة لكن عدم اعتماد الصياغة المناسبة وترتيب البيت السياسي بما يضمن سلامة البناء الديمقراطي وضع البلاد على مفترق طرق وحرك الكثير من عوامل الاضطراب التي كادت تعصف بكل منجز وتنسف كل مكسب الأمر الذي يدعونا إلى مراجعة هذا الأمر لضمان سلامة المسار الذي نعول عليه في الوصول إلى المنجز الديمقراطي وهذا الأمر لن يحصل على الأرجح من قبل النخب السياسية الحالية التي لا تريد بالتأكيد أن تفرط بعملية قدمت لها الكثير من المكاسب ودرت لها الكثير من الأرباح والفوائد فيما يشكل التغيير مغامرة غير محسوبة العواقب ربما ينجم عنها مشاكل غير مسبوقة هذا أن لم يزعزع العملية السياسية ذاتها وبالتالي لايمكن لأحد أن يقوم بهذا الأمر مالم يكن قادرا على لجم تأثيراته الخطيرة واحتواء أبعاده المتعاكسة وهو أمر قد لايتوفر إلا لطرف واحد هو الطرف الأميركي لما يمتلكه من إمكانيات هائلة غير موجودة عند سواه وربما بإمكان الإدارة الديمقراطية لعب هذا الدور من منطلق حرصها على تغيير سياسة سابقتها الإدارة الجمهورية الممثلة بالرئيس بوش ولكن كيف يمكن تحقيق ذلك ؟ والبلاد تسير نحو استكمال سيادتها ألا يعد أي تدخل أميركي بمثابة انتهاك لهذه السيادة ؟ ثم ماهي الوسائل التي يمكن بها تحقيق هذا الغرض ؟
بطبيعة الحال لايمكن لأميركا أن تمارس نفس الدور االذي مورس في السنوات السابقة لكنها مازالت تمتلك بعض الأوراق من منطلق كونها حليفة للوضع الجديد في العراق ولهذا السبب بإمكانها دعم القوى العلمانية التي ترفض أن يوضع الدين في قارب الدولة أو توضع الدولة في قارب الدين فيتحول العراق إلى بلد متنابز يموج بالكره والحقد فليس المهم أن نمارس الديمقراطية بل أن ننجح في ممارستها لان الديمقراطية لوحدها لاتكفي وربما يتحول العراق بموجبها إلى بؤرة للإرهابيين والمتطرفين إنما لابد من إقرانها بالعلمانية التي ستمنع استغلال الدين لمآرب سياسية فقد استخدمت الأحزاب الحالية الدين لخداع الناس ولا نريد أن يتكرر الأمر كثيرا سيما بوجود غالبية من البسطاء والأميين الذين يؤثر فيهم الخطاب الديني لأنهم لايفهمون العملية الديمقراطية إلا كوسيلة لنصرة الدين أو الطائفة وبالطبع يمكن أن يتغير هذا الأمر بزيادة وعي المواطن إلا أن الأمر قد يستغرق أمدا طويلا وربما لايتحقق تماما على المدى المنظور لان الإرث الديني والعشائري مازال فاعلا ويشكل كابوسا يصعب رفعه ما يطرح ضرورة وضع قوانين وقواعد تحجم من تأثير هذا الموروث ليتحقق الهدف من العملية الديمقراطية وهذا الأمر قد يحتاج إلى ضغط أميركي والى دعم كاف للإطراف العلمانية بحيث يمكنها أن تنافس الآخرين الذين يضعون الموروث شعارا لهم ويعتمدون عليه في نجاحاتهم فليس بالديمقراطية وحدها ينجوا العراق .

العشائرية تبتلع العراق

باسم محمد حبيب
رغم عد العراق احد أقدم الدول المدنية التي عرفها التاريخ استنادا إلى سجله الحضاري المديد إلا انه كان أيضا خاضعا ولفترات طويلة لهيمنة القيم العشائرية فقد مثلت

للفساد في العراق حيل كثيرة

باسم محمد حبيب
الحصة التموينية هي نظام طبقه الرئيس السابق صدام حسين لمواجهة أثار الحصار الاقتصادي الذي فرض على العراق في أعقاب غزوه الكويت عام 1991وقد نجحت الحصة التموينية إلى حد ما في تخليص العراقيين من آفة الجوع طوال الفترة الماضية لاسيما بعد أن وجد النظام الجديد الذي أعقب حكم الرئيس صدام حسين أن هذا النظام مفيد ومطلوب لتلافي أي تبعات قد ترافق مسيرة العملية السياسية الأمر الذي سمح ببقاء هذا النظام بالرغم من تقلص المواد التموينية المشمولة به وانتشار آفة الفساد ووصولها إلى مستويات عالية حيث فشلت أجهزة الدولة الرقابية وهيئة النزاهة في الحد منه وليس هذا وحسب بل أن مستوى وحجم الفساد اخذ يزداد يوما بعد يوم وكلنا يتذكر فضيحة برادة الحديد التي مزجت بمادة الدقيق أو نشارة الخشب التي مزجت مع مادة الشاي واللتان أخذتا حيزهما من الإعلام آنذاك لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد بل اخذ الموردون واغلبهم من الموظفين الحكوميين يتلاعبون بنوعية المواد ويقدمون ويؤخرون في توزيعه لغرض التلاعب بوصولها إلى المواطن ومن ثم الاحتيال بسرقتها وبيعها بعيدا عن أعين واهتمام الرقابة المتواطئة أو العاجزة حيث تفرغ بعض المواد من أكياسها ويعبا بدلا عنها مواد أخرى أردا نوعية
مثال ذلك ما يحصل مع الشاي الذي يأتي بنوعيات لا تصلح حتى للاستهلاك البشري وأحيانا يضطر المواطن لرميها في القمامة أو استخدامها في البناء بدل التبن أما مادة الرز المهمة لدى العراقيين فقد جرى استبدالها عدة مرات ووزعت نوعيات أردا مما تم استيراده ومن حيل هؤلاء المفسدين استخدام الألفاظ للتمويه على عملياتهم اللصوصية وخير مثال على ذلك ما يفعلونه مع مادة المساحيق التي تظم مادتي الصابون والتا يد حيث يتحايلوا ويسلموا مادة المساحيق بدون الصابون الذي تباع القطعة الواحدة منه بمائتين وخمسين دينارا فيما يباع التايد بخمس سعر الصابون أو اقل من ذلك ويحصلوا من خلال هذا الأمر على فرق سعر كبير حيث توقف توزيع الصابون منذ عدة أشهر ونفس الشيء بالنسبة للحليب والعدس والحمص والفاصولياء وحليب الأطفال التي كانت توزع سابقا بكميات مناسبة تقلل كثيرا من حاجة المواطنين لهذه المواد المهمة أما الآن فلم يعد لهذه المواد وجود يذكر ربما بسبب الفساد أو ربما رفعت من مواد البطاقة التموينية بعد الازدياد النسبي في سقف الرواتب و التي اعتقد كثيرون أنها ربما ستعوض عن هذا النقص أو تكون بديلا عن البطاقة التموينية ذاتها على اعتقاد بان هذه الرواتب سترفع حتما من قدرة المواطن الشرائية الأمر الذي لم يحصل أبدا لفرق الرواتب الكبير بين الموظفين العاديين والموظفين الكبار والتي تصل أحيانا إلى خمسين ضعفا ناهيك عن أسباب عديدة أخرى حيث نتج عن ذلك انهيار في مستويات المعيشة التي بلغت أدنى حد لها منذ سنوات لاسيما بعد إيقاف دفع الزيادات التي قالت الحكومة انه سيكون مؤقتا لتخفيض مستويات التضخم العالية الأمر الذي دفع المواطنين إلى بيع حصصهم التموينية اتقاء الجوع
ففي ضل دولة مسكونة بهاجس الأمن تتقاذفها المشاحنات و التجاذبات السياسية ويعشعش فيها الفساد والارتباك الإداري لا يمكن للمواطن أن يكون بمنأى عن الفقر والعوز ولا أن يستغني عن الحصة التموينية ليس لأنها توفر له حاجته من المواد الأساسية وحسب بل وقد تساعده في إنقاذ وضعه المالي المتردي من خلال بيع مواد هذه الحصة ليشتري بواسطتها موادا أخرى تساعده في البقاء على قيد الحياة حيث يشمل ذلك أيضا بيع الوقود الذي تحتاجه العائلة في فصل الشتاء البارد برغم الحاجة الماسة إليه ومن الأمور التي تثير التساؤل لدى المواطن الشحة المستمرة للوقود وعدم اتخاذ أي إجراءات لتلافيها رغم أن العراق من ابرز الدول المنتجة له الأمر الذي يؤكد استشراء الفساد واستفحاله إلى درجة كبيرة وهو ما يعكس عجز أو تهاون الحكومات العراقية في معالجة هذا الأمر الخطير ما قد يدفع إلى اتهامها به عاجلا أم آجلا  .

الأحد، 27 مايو 2012

ما بين بكاء الحسين على أخيه العباس وبكاء جلجامش على انكيدو

باسم محمد حبيب
ليس هناك شك في أن لواقعة الطف الإسلامية تأثير كبير في الوجدان العراقي ، وهذا نابع كما اعتقد من تأثير الإرث الطقوسي والبكائي لحضارة وادي الرافدين القديمة ، حيث تمثل طقوس التعزية والبكاء جزءا أصيلا من ذلك الإرث المفجوع بتفاهة الحياة وعدمية الموت وهيمنة الفوضى والخراب على الكون ، تماشيا مع النظرة الرافدينية المتشائمة والتي لا تؤمن بمبدأ البقاء بل الزوال ، الأمر الذي لمسناها في الكثير من الملاحم الأسطورية الرافدينية ، التي مثلت التخريج الفكري الأسطوري لتلك النظرة التشائمية ، كملحمة نزول عشتار إلى العالم الأسفل وموت تموز وملحمة جلجامش وغيرها .
ونظرا لان حضارة وادي الرافدين لم تخرج من الوجدان الشعبي بعد ، ومازال لبعض عناصرها هيمنة كبيرة على العقل العراقي ، لذلك حصل تماهي بين واقعة الطف الإسلامية وبعض عناصر ذلك الموروث ، لان الواقعة قد ايقظت بمأساويتها ارث الفجيعة القديم وغدت الممثل الحي له ، ولذلك لا غرابة أن نجد تشابها كبيرا بين أحداث النسخة الشعبية من واقعة الطف وبعض عناصر الموروث القديم ، كما هو الحال بالتقليد الذي يجعل أمد الواقعة عشرة أيام ، الذي يشبه احتفال العراقيين القدماء بعيد الاكيتو ، الذي يبدأ مع بداية السنة ويستمر مابين عشرة إلى احد عشر يوما ، أو لاحتفال بعرس القاسم الذي يشابه الاحتفال بطقس الزواج المقدس لدى العراقيين القدماء ، وحتى تلاوة مصرع الحسين يوم العاشر يشابه إلى حد ما التقليد القديم بتلاوة قصة الخليقة والصراع بين قوى الخير والشر يوم العاشر من عيد الاكيتو ، واستذكار فرحة الزهرة الذي هو استعادة لفرحة عشتار ( الزهرة ) بعودة تموز من العالم الأسفل ، ونضيف إلى ذلك أيضا بكاء الحسين الشديد على أخيه العباس ، الذي هو استعادة لبكاء جلجامش على أخيه بالتبني انكيدو ، إذ نلاحظ اهتماما خاصا بموضوع حزن الحسين على أخيه العباس ، مع أن الحسين آنذاك كان مشرفا على اللحاق به ، فهذا الحزن هو قرين لألم الفقد الذي تمثله الصورة الرافدينية التي يمثلها حزن جلجامش .. هذا الحزن الذي كان مغروسا في الوجدان الرافديني ، وكانت نسخته الرافدينية ماثلة آنذاك ، إلى أنها طمست بعد أن تقمصتها الملحمة الجديدة ونزعت منها ردائها القديم .
فالي حد ما ربط العقل الشعبي بين فداء انكيدو لجلجامش وفداء العباس لأخيه الحسين ، فهناك أكثر من سبب لهذا الربط ، أولا رباط الأخوة ، لان انكيدو قد غدى أخا لجلجامش بالتبني بعد إعلان ننسون أم جلجامش أمومتها له " يا انكيدو القوي الذي ليس من رحمي : قد اتخذتك منذ الآن ولدا ، ثم قلدت عنقه بقلادة من الجواهر لتكون موثقا منه وقالت له : ها أنا أتمنك على ولدي فأرجعه إلي سالما " ( ملحمة جلجامش . طه باقر . طبعة بغداد .ص 104 ) ثم موقف كل من انكيدو والعباس اللذان اظهرا ولاء شديدا واحتراما كبيرا لرابطة الأخوة ، العباس عندما رفض أمان العدو له ، ورفض التخلي عن الحسين وقت الشدة ، بل وفدى الحسين بنفسه بعد أن تقدم أمامه إلى المعركة ، وهو شبيه بما فعله انكيدو ، الذي أشارت الملحمة إلى انه كان يتقدم جلجامش ويدرا عنه المخاطر أثناء سفرهما إلى غابة الأرز الخطرة . وأخيرا حالة الحزن التي أراد الراوي الشعبي أن ينطلق بها إلى تلك الواقعة القديمة ، فيجعل منهما نسقا واحدا ، فجلجامش كان يبكي انكيدو بحرقة "من اجل انكيدو خلي وصاحبي أنوح نواح الثكلى انه الفأس الذي في جنبي وقوة ساعدي والخنجر الذي في حزامي والمجن الذي يدرا عني وفرحتي وبهجتي وكسوة عيدي " ( المصدر السابق . ص 126) وكذا فعل الحسين عندما بكى أخيه العباس حسب الرواية المتداولة ، حيث كان يردد " الآن انكسر ظهري وقلت حيلتي وشمت بي عدوي ... الخ "
وبالتالي قد لا نغالي إذا قلنا : أن هناك تشابها كبيرا بين الصورتين ، ولعل الراوي الشعبي قد ربط بينهما بعد أن لمس هذا التشابه ، وأدرك قيمته بالنسبة لموضوع روايته ، فواقعة الطف ليست محض حادثة تاريخية ، وليست مرتبطة بأحداث تلك الواقعة المأساوية فقط ، بل هي استحضار لإرث قديم كان لابد أن يعبر عن نفسه من خلال موضوع ما ، الأمر الذي أنتج هذا التخليد الذي امتازت به الواقعة ، والذي نبع كما قلنا من ذلك العمق الوجداني القديم وليس من مجرد التعاطف مع الواقعة ، الأمر الذي يجعلنا نؤكد أن هذه الواقعة ما كان لها أن تبرز بهذا الشكل وتتخلد على هذا النحو ، لولا وقوعها في هذه الأرض القديمة وتناغمها مع ذلك الموروث الموغل في القدم ، وإلا فان فواجع كثيرة حصلت لم تحظ بما حظت به واقعة الطف من تخليد ، كما هو الحال مع مصرع عبد الله بن الزبير وواقعة فخ وقتل الأسرة الأموية على يد العباسيين .
وأخيرا لابد أن نشير إلى أن نمط الحزن المرافق لواقعة الطف ، هو النمط الرافديني المتشائم من الحياة والمؤمن بعدمية الموت ، وليس ذلك النمط الذي يرى في الشهادة تخليدا جسديا وحياة أخرى ، وهذا الأخير ليس مختفيا بالتأكيد عند استذكار هذه الحادثة ، بل هو المعبر عن قالبها الإسلامي ، إلا انه ليس غالبا كما في ذلك النمط المترسب في أعماق أعماق الوجدان للشخصية العراقية .

اللغة الانكليزية ألا تصلح لغة رسمية ثانية في العراق

باسم محمد حبيب
تعد اللغة الانكليزية إحدى أهم اللغات في العالم لما تمتاز به من بساطة وجمالية عالية إضافة لانتشارها الواسع حيث تعد اللغة الدولية الأولى وثاني أو أول اللغات من حيث عدد الناطقين بالموازاة مع الصينية حيث يزداد عدد هؤلاء يوما بعد يوم ولذلك هناك أهمية كبيرة لاعتماد هذه اللغة كلغة رسمية في العراق إلى جانب اللغة العربية لكي نحظى بالفوائد الكبيرة التي تقدمها على المستويين المحلي والدولي
فبخصوص الواقع المحلي يمكن لهذه اللغة أن تجمع العراقيين حول لغة واحدة تكون مقبولة من الجميع نظرا لتحسس الأقليات العراقية غير الناطقة بالعربية من هيمنة اللغة العربية التي يعتبرونها رديف لعصور الاستبداد والتسلط حيث شهدنا ذلك من خلال تمسك العرقيات العراقية الصغيرة بلغاتها ورفضها التخلي عنها رغم الظروف التي واجهتها حيث وصل الأمر حد إصرار هذه القوميات على تضمين الاعتراف بلغاتها في الدستور العراقي وربما تولد لديهم هذا الشعور السلبي نتيجة لهيمنة الحكومات العنصرية واستلابها لحرية الناس الأمر الذي انعكس سلبا على شعورهم تجاه لغة مهمة كاللغة العربية هي بالتأكيد من نتاج ارث العراق الحضاري وتاريخه العريق ليس لأنها قدمت مع الفتح العربي بل لأنها نمت وتطورت في بوتقة الحضارة العراقية الرافدينية الأمر يتطلب إسعاف هذه اللغة وإيجاد لغة ساندة لها لاتلغها ولكن لتشاركها في تمتين الروابط العراقية وفتح أبواب التحضر أمام سكان هذا البلد الذي عانى طويلا من صراعات عقيمة أشدها الصراع اللغوي الذي نتج كما هو معروف من اختلاط أقوام مختلفة واستيطانها لأرض الرافدين وبالطبع لاتقتصر الفائدة على الجانب اللغوي بل ربما سيكون هناك تأثر عقلي أيضا نظرا لسهولة اللغة الانكليزية وبساطتها ما ينعكس بالتأكيد على اتساع النظر ومرونة التفكير أما القيمة التي تقدمها هذه اللغة لعلاقات العراق الدولية فهي اكبر من أن يتم حصرها في سطور حيث سيكون للعراق علاقات قوية مع أهم دول العالم وعلى رأسها بريطانيا والولايات المتحدة وكندا وغيرها
هذا بالإضافة إلى إمكانية بناء شراكة عراقية انكلو سكسونية تماثل الشراكة بين دول الكومنولث هذا أن لم ينظم العراق إلى هذه المنظمة المهمة مستقبلا وبالطبع ستفتح أمام العراق منافذ علمية واقتصادية غير مسبوقة وسيكون العراق من الدول الأولى بالرعاية من قبل هذه الدول ليس اقتصاديا وحسب بل وعلميا وسياسيا أيضا وبالطبع لايجب أن يؤدي تبنينا لهذه اللغة المهمة إلى نسياننا للغتنا الأم أو لغاتنا الأخرى بل يجب أن نحرص على هذه اللغات من منطلق الحفاظ على جزء مما يربطنا بتراثنا القديم الذي يجب أن نكون متواصلين معه ولو من خلال الاستذكار والدراسة أذن لنكن واقعيين ونعمل على ترسيم مستقبلنا بكل ماهو مهم وضروري من جل أن نحظى بالتطور الذي غاب عنا طويلا .

وكالة الأنباء الالكترونية الحرة

باسم محمد حبيب
تعد شركة (google ) من أهم الشركات العالمية المتخصصة بالنت ، فقد حازت على نجاح منقطع النظير في الاستخدامات الالكترونية المختلفة ، لاسيما بشكل خاص محركها الشهير الذي يعد الأشهر في عالم النت على الإطلاق ، حتى بزت في ذلك اعرق الشركات العالمية في هذا المجال وأهمها شركتي ( ميكروسوفت ) و (ياهو ) ، حيث تسيطر (كوكول) على مانسبته (65 بالمائة ) من الاستثمارات الخاصة بعالم النت ، وهي نسبة كبيرة تدل على حيوية هذه الشركة ونشاطها الالكتروني الكبير، الذي شمل معظم أرجاء العالم في بحث دؤوب عن النجاح والتألق ، الذي يتم عادة من خلال إغراء المستخدمين الذين تمتعوا بالوصول إلى منتجات ( كوكول ) بلغاتهم الوطنية ، وليس بلغات أخرى قد لا يتسنى للكثيرين إتقانها بسهولة ، ولعل ميزة (كوكول ) الأولى في إتقانها لمعظم اللغات في العالم ، ومحاولتها الوصول إلى مختلف الأنشطة الاجتماعية والسياسية والثقافية والإعلامية والعلمية والاقتصادية وغيرها ، إلى درجة يمكن عدها نظرا لهذا النشاط الكبير من أهم مصادر المعلومات في العالم ، ومع ذلك ورغم هذا النجاح المذهل مازالت ( كوكول ) دائبة في البحث عن كل ما هو جديد في المجال الالكتروني من اجل الارتقاء بعملها إلى الأفضل ، فلديها طموح كبير في النجاح والانتشار ، يتأتى من خلال محاولتها تحصيل الأفكار والمقترحات من مستخدميها المنتشرين عبر العالم ، لتتمكن من خلالها من تطوير خدماتها وتوسيع استثماراتها لتغطي مجالات أوسع ، والمتصفح لشبكة الانترنيت والمشترك في كوكول يستطيع بسهولة معرفة طرق كوكول في الوصول إلى الأفكار والمقترحات ، وعملها الدؤوب من اجل تطوير عملها وتوسيعه إلى أعلى مدا ممكن .
ولكوني من المعجبين بكوكول ومن المشتركين في الكثير من منتجاتها النتية ، أود أن اطرح فكرة ربما فيها بعض الفائدة لعمل كوكول بشكل عام ولجانبها الإعلامي بشكل خاص ، فهناك حاجة لتحرير الأخبار بواسطة المستخدمين العاديين ، لان كما كبيرا من الأخبار تحصل دون أن ترافقها متابعة إعلامية ، فيضيع اغلبها أو يفقد بريقه بفعل التغطية الإعلامية المتأخرة ، واعتقد أن كوكول تستطيع بما تملك من تقنية رفيعة ومشتركين كثيرين تشييد خدمة إعلامية ضخمة في عالم النت الفسيح ، تبنى بشكل خاص على جهود ومساهمات المستخدمين العاديين ، بحيث يمكن لأي مشترك المساهمة في الجهد الإعلامي الحر من كوكول بغض النظر عن مؤهلاته ، وبالتأكيد فان كوكول مؤهلة للعب دور المورد الإعلامي للكثير من الأخبار المهمة ، شريطة أن تؤسس قسما محترفا يتمتع ببعض الميزات و الخبرات الملائمة ، فقد تكون الكثير من الأخبار الآتية من المستخدمين غير المتخصصين بسيطة وعادية ، إلا أن هذا لا يمنع من العثور على أخبار مهمة بين كم الأخبار العادية ، فتغدو كوكول مصدرا من مصادر الأخبار ، التي ستسهم في رفع الغموض عن الكثير من الأحداث المهمة أو تطرح الخبر من زاوية أخرى غير زاوية الإعلام المحترف .
أن وكالة الأنباء الحرة من كوكول إذا ما أسست ، لن تحتاج الكثير من الكوادر ، لأنها ستعتمد على أسلوب شبيه بأسلوب الموسوعة الحرة ( ويكيبيديا ) ، بحيث يستطيع المستخدمين العاديين تحرير الأخبار وتغييرها بحرية ودون الحاجة إلى إشراف من جهة ما ، فميزة الخبر الحر انه يكون بسيطا وتلقائيا ، إلا انه قد يقدم معلومات قد لا يتسنى الحصول عليها بوسائل أخرى، ما قد يضع كوكول كواحدة من الواجهات المهمة في عالم الإعلام ، فيرتفع شانها وتنموا تقنيتها وتزداد مساهمتها في تطوير الفعاليات الرقمية ..هذه الفعاليات التي اخذ دورها بالتصاعد بعد أن نمت نموا عظيما وحازت على اهتمام الكثيرين في كل أنحاء العالم ، فالحضارة الرقمية قادمة ولا سبيل لوقفها أبدا ...


تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969