الجمعة، 14 أغسطس 2026

الموت .. كيف فهمه وواجهه الإنسان ؟

 باسم محمد حبيب 

منذ ظهور الوعي والتفكير الإنساني ، والموت يمثل اهم هاجس لدى الإنسان ، ليس لانه يواجهه في كل لحظة من لحظات حياته فحسب ، بل ولأنه يشعره بالرهبة والخوف لانه وهو يرى الأشياء حوله تفنى وتختفي يعي مصيره
الذي لا يختلف عن ذلك ايضا إلا في كونه مؤجل قليلا والا فالموت مدركه لا محالة ، ولأنه لا يريد ان يفقد تجربة الحياة المليئة بالفرص والاحتمالات والتي ينعم فيها بدفيء العائلة والأصدقاء والأمكنة الجميلة والمألوفة وما إلى ذلك مما يثري تجربته ويخلق لديه شعورا بأنه شخص مهم ومتفرد ، ولان الوعي الإنساني كان في بدايته ومعارفه عن الأشياء محدودة وبسيطة فقد سيطر على تفكيره جانب الخيال والأسطورة ، فأخذت مخيلته تنشأ قصصا خرافية و أسطورية من لبنات معارفه وتجاربه الشحيحة رابطا الموت بعالم آخر مغاير عن العالم الذي يعيش فيه ، اذ لم يكن بمقدوره ان يستوعب ان الموت هو النهاية التي تنتهي فيها لحظات حياته و تتحطم عليها اماله وطموحاته وتزول فيها علاقاته وروابطه ، فهناك شيء ما في صميمه يمنعه من قبول هذه الحقيقة ، لكنه لا يملك ما يفك به غموض هذه الظاهرة سوى ما تجوده مخيلته من قصص وأساطير عن لحظة الموت وما بعدها ، فأخذ يتصورها كلحظة انفكاك اكثر من كونها لحظة فناء وزوال ، انفكاك من عالم الحياة الراهنة والذهاب إلى عالم آخر اعتقده البعض انه لن يختلف عن نمط العالم الراهن ، اي عالم تعيشه بجسد كامل ولكن بتجربة حياتية مختلفة ، اذ تعد حضارة بلاد النيل باكورة الحضارات التي أمنت بهذا النوع من الحياة التي تلي الموت ، بعد ان يمر الميت بمرحلة الحساب التي تخرج عليه بثلاثة احكام تبعا لإعماله : حكم يأخذه لحدائق أوزوريس ، وهو حكم يصدر على من عاش حياته باخلاص وإيمان ، وحكم يقضي بفنائه ، ويصدر على من عاش حياة سيئة وضالة ، وحكم يعيده إلى حياة اخرى ، ويصدر على من تساوت حسناته وسيئاته وباتت هناك حاجة لحياة جديدة تحسم امره وتحدد خاتمة وجوده ، فيما اعتقد البعض الاخر ان العالم الذي ينتقل اليه الانسان بعد الموت ليس عالما ماديا بل عالما روحيا تعيش فيه ارواح الموتى إلى الأبد بسكون وهدوء تام ، اذ كانت حضارة بلاد الرافدين من اوائل من أمنت بهذا العالم الروحي ، اذ تبعهم في ذلك الإغريق سواء في الميثولوجيا الخاصة بهم او حتى لدى بعض فلاسفتهم كما هو الحال مع أفلاطون صاحب مفهوم عالم المثل او الأفكار ، مع تيار فلسفي آخر امن بالعدم والزوال بعده هو النهاية الحتمية لكل شيء ، وهذا التيار الذي وضحت أفكاره لدى بعض الفلاسفة الإغريق ربما كانت له ارهاصات في حضارة بلاد الرافدين ، لاسيما في عبارات جلجامش التي تصورت الموت نهاية مفجعة لا عودة منها و فناء تام للجسد  ، اما الأديان التوحيدية فقد أمنت جميعا بعالم آخر يتلوا حسابا يقيمه الإله للبشر فيحكم لبعضهم في العيش خالدا في الجنة جزاءا لما قام به من أعمال حسنة في حياته ولبعضهم الاخر في الذهاب إلى الجحيم او النار التي هي لمن اقترف الأفعال السيئة والشريرة ، اذ اختلف تفسير هذا النوع من حياة بين كونها حياة روحية او كونها حياة جسدية .
لكن في عصر النهضة وما تلاه من عصور حديثة أخذت تشيع النزعة الفلسفية التي ترى في الموت نهاية للوعي وفناءا متدرجا للجسد ، كما هو الحال في افكار فيورباخ ونيتشة وشوبنهاور وغيرهم ، اذ كان لاتساع المعارف وتعقد الحياة وظهور العلم اثره في ازدهار هذه النزعة التي ارتكزت على تراجع سطوة الخيال امام سطوة الواقعية ، فبات البحث العلمي الذي يعتمد على البرهان والتجربة الحسية هو الأساس في مسار البحث عن الحقيقة للعقل الإنساني .
وقد أدت التطورات الطبية والعلمية الحديثة إلى اتساع معرفتنا بالجسد الإنساني وظهور مفهوم الموت الطبي ، اي الذي يحدد الأمر في إطار الممارسة الطبية دون الخوض في أمور اخرى تدخل في إطار الميتافيزيقيا ، اذ بات موت الدماغ وتوقف عمليات الجسد الواعية وغير الواعية تعبيرا عن الموت في المفهوم الطبي ، اذ يتم تحديدها بمؤشرات طبية واضحة مثل : توقف نبضات القلب ، توقف التنفس ، انعدام حركة الأعضاء ، عدم الاستجابة لعمليات الانعاش ، ومرور مدة زمنية و هي المدة التي يمكن فيها عودة عمل الدماغ ، فإذا صادف وعاد الإنسان سواء من تلقاء ذاته او بتدخل طبي خلال هذه المدة التي لا تتجاوز عشر دقائق ، يطلق عليها في بعض الأوساط العلمية بمرحلة الاقتراب من الموت والتي قد يرى فيها من مروا بهذه التجربة ما يشبه نفقا طويلا وضوءا في نهاية النفق وحتى شيئا من السعادة او الانشراح ، اذ جرى تفسير ذلك بانه تصور مرتبط بفقدان الإنسان لما يسمى بالرؤية الطرفية التي تجعله يرى ذهنيا امورًا مختلفة و بقاء الرؤية المركزية اي خيط الحياة وحده الذي يمثله نفقا طويلا في نهايته ضوء قد يمثل الأمل في استعادة الحياة ، فيما فسره البعض الاخر بانه أمر مرتبط بافراز هرمون يجعل الانسان غير خائف مما يمر فيه او حتى يشعر بالطمأنينة والسعادة ، في حين يعده المؤمنون بالحياة الاخرى بأنه الطريق إلى عالم آخر اذ يمثل الضوء هو بداية ذلك العالم الذي ينتظر الميت السائر في ذلك النفق ، اما المرحلة التالية وهي توقف بقية اعضاء الجسم عن العمل فهي في المنظور الطبي تدخل ضمن نطاق مرحلة مابعد الموت ، لان الانسان في هذه المرحلة قد لا يمكن ان يستعيد وعيه في حال جرى إنعاشه بعد الربع ساعة التي تلي توقف القلب ، فيكون اما حيا بدون وعي او مشوشا في حال عاد اليه الوعي بعد هذه المرحلة بدقائق قليلة ، وبعد النصف ساعة من توقف القلب تأخذ جميع خلايا الجسم بالموت التدريجي النهائي ثم مرحلة التفسخ التي تستمر لشهور وحتى سنوات ، وخلال مدة تختفي حتى العظام ثم تنتشر ذرات الجسم في مسار الكون وهو ما يمثل آخر مرحلة من مراحل الموت او وجود الكائن الحي .
لكن هناك نظريات تربط الوعي البشري بجانب خارجي وهو ما يسمى بالوعي الكمي ، اي ان وعي الانسان هو امتداد لوعي يشمل الكون كله وان اختفاء الوعي البشري لا يعني اختفاء الوعي بشكل تام بما في ذلك وعي الانسان ذاته بل يمكن لهذا الوعي ان يكون موجودا ولكن بشكل غير مفهوم ، كما طرحت نظرية الخلود العقلي في إطار نقل ذاكرة الانسان وتجاربه إلى حاسوب يمكن الانسان من البقاء كشكل من أشكال الوعي غير الجسدي ، فضلا عن نظرية الأحياء عن طريق إنعاش الموتى الذين يتم الاحتفاظ بأجسادهم والذين قد ينجح العلم بأحيائهم ولكن دون معرفة ان كانوا سيعودون بذاكرتهم نفسها ام بذاكرة جديدة ، كما يطرح البعض نظرية استعادة الحياة من خلال مادة ( DNA) ، أو حتى من خلال شفرة جينية ، وهي نظريات اقل ما يقال عنها بانها تبقى في نطاق الفرضية وان ما فيها من الخيال اكبر مما فيها من الحقيقة ، وبالتالي نبقى امام حقيقة عجزنا عن فهم معنى الموت الذي يبقى على الرغم من التطورات العلمية غامضا ومخيفا وعسيرا على التقبل .

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969