السبت، 22 أغسطس 2026

ما هو العوامل التي أسهمت في انهيار حضارة بلاد الرافدين ؟

باسم محمد حبيب

اهم عامل حاسم في بداية انهيار حضارة بلاد الرافدين التي سيطرت على عالم الشرق الادنى القديم ووصل تأثيرها إلى العديد من الحضارات الأخرى ، تمثل في الهجرات والغزوات التي تعرضت لها منطقة وادي الرافدين


على مدى الثلاث الاف سنة من تاريخها ، بدءا من نشوء الحضارة في منتصف الألف الرابع قبل الميلاد والى بداية خفوت وتراجع هذه الحضارة في منتصف الألف الأول قبل الميلاد ، والتي جاءت من الهضاب الأربعة المجاورة التي تحيط بها بما يشبه الطوق ، فكان ان انحسرت أعداد السكان السومريين اصحاب الحضارة الاولى الناضجة وزادت اعداد المهاجرين من المناطق الاخرى ، وهم ينتمون إلى مجموعات عرقية مختلفة كالساميين خصوصا الأموريين والآراميين والتي جاءت اغلب هجراتهم من البادية السورية وان كانت تحركاتهم الاولى انطلقت من شمال شبه الجزيرة العربية بحسب آراء عدد من المؤرخين ، في حين جاء الكوتيين واللولوبيين و الكشيين والعيلاميين والحوريين والاسكيثيين من جبال زاجروس وما خلفها من الهضبة الايرانية ، والحيثيين والاوراراتيين والسيميريين الذين تحركت موجاتهم من هضبة الأناضول ، فأثر ذلك بشكل كبير على سير الحضارة الرافدية و على تماسك مقوماتها واستقرار دولها و بما يضمن استمرار هذه الحضارة ، ونظرا لانقسام بلاد الرافدين بين دولتين احداهما في الشمال وهي آشور وأخرى في الجنوب وهي بابل ، فقد بات طموح كل منهما تمثيل هذه الحضارة و تصدر المشهد السياسي للبلاد ، الأمر الذي أدى إلى نشوب الحروب بينهما ، وهي حروب دامت قرون عدة أنهكتهما كليا ، وبعد صعود الدولة الآشورية في النصف الأول من الألف الأول قبل الميلاد ، ادركوا خطورة ما يتهدد هذه الحضارة بعد ان باتت مدن بلاد بابل محاصرة من الآراميين ، وهم من آخر سلسلة الاقوام السامية البدوية التي هاجرت إلى بلاد الرافدين في القسم الأخير من تاريخها القديم ، فكان ان رأت ان عليها حماية هذه المدن من اجتياح هذه القبائل ، ومناصرة النخب البابلية التي تحاول جاهدة الحفاظ على بقايا ارث حضارة بلاد الرافدين ، فكان ان فرض الآشوريون سيطرتهم على هذه البلاد ، وحاولوا إبعاد الخطر الآرامي بعيدا عن المدن ، فتغلغل هؤلاء في الأرياف ، فباتوا جزءا من طبقة الفلاحين فيها  ، ومن اجل الاطمئنان إلى سلامة الموروث الحضاري اقدم الآشوريون على خطوة مهمة جدا وهي استنساخ الكثير من النصوص المسمارية التي تحوي علوم وأساطير وملاحم وتراتيل و حكم حضارة بلاد الرافدين والتي مازالت تحتفظ بها مكتبات المعابد ، مؤسسين واحدة من اولى المكتبات الملكية التي عرفها التاريخ الإنساني والتي جرت بإشراف الملك الآشوري العظيم ( آشور بانيبال ) ( ٦٦٨- ٦٣١ ق.م ) ، وهو احد الملوك العظام الذين عرفهم التاريخ القديم ، ويبدو - ان لم اكن مغاليا - انه أراد ان يفعل في مصر -الحضارة الكبيرة الاخرى في المنطقة - ما فعله في جنوب بلاد الرافدين من سعي للحفاظ على الإرث الحضاري ، فكان إعادته غزو مصر الذي قام به أبيه قبله ربما محاولة منه لحماية هذه الحضارة الكبيرة مما يتهددها من عوامل الفناء وعلى راس ذلك سيطرة اقوام غرباء على البلاد وهم الكوشيين سكان جنوب مصر وشمال السودان والذين كانوا تحت قيادة الأسرة الخامسة والعشرين التي أسسها بعنخي ، مع وجود احتمال آخر في ان هذا امر دفعته الأقدار اكثر من كونه امر واع ، لكن يبدو ان طائفة كبيرة من المصريين لم يرتضوا بذلك ، عادين الوجود الآشوري بانه اكثر قسوة وثقلا من الوجود الكوشي الذي ينظر له من البعض على انه ليس بالغريب على مصر بحكم الصلات الطويلة والمستمرة بين المنطقتين ، وهكذا انسحب الآشوريين من مصر متيحين لأسرة متعاونة معهم وهي الأسرة السادسة والعشرين التي بدأها بسماتيك الأول بتولي العرش المصري ، وواجهوا في بابل ثورة تزعمتها النخب المعارضة للوجود الآشوري والساعية لاستعادة استقلال مملكة بابل بزعامة اخ آشور بانيبال الأكبر ، ولان هذه الثورة وغيرها من الثورات السابقة كانت بدعم من عيلام المملكة المجاورة المتأثرة كثيرا بحضارة بلاد الرافدين والتي تمتلك حضارة كبيرة شبه مستقلة ، فقد قرر الملك الآشوري ضربها وبشده ، فكانت حملته عليها هي النهاية الحقيقية لهذه المملكة القوية التي عاصرت ممالك بلاد الرافدين طوال العصور الماضية ، اذ تم ذلك في عام ٦٣٩ ق.م ، وعلى الرغم من نجاح الآشوريين في تدمير عيلام ودحر الثورة التي قامت في بلاد بابل ، إلا ان ذلك كانت له عواقب كبيرة ليس على الواقع السياسي في المنطقة فحسب بل وعلى المسار الحضاري نفسه ، وأول شيء هو أثر هذه الحملات على الحكم الآشوري الذي اهتزّ كثيرا لاسيما بعد وفاة الملك آشور بانيبال واستنفاذ الآشوريين لعناصر قواتهم في مواجهاتهم المستمرة للثورات والتمردات التي كانت تشهدها منطقة نفوذهم من دون قدرة على حسم الأمر  ، وثانيا في ان دمار عيلام سهل على الاقوام الآرية خاصة الميديين والفرس التغلغل اكثر في المنطقة ، فباتوا يتحركون بجرأة كبيرة بعد ان كانوا يتحركون بالتنسيق مع الآشوريين الذين سمحوا لبعضهم خاصة للفرس بالسيطرة على اجزاء واسعة من الأراضي العيلامية خاصة منطقة إنشان الجبلية ، فكان هذا بداية نشوء الدولة الأخمينية ، اي ان الآشوريين هم الذين مهدوا الطريق لسيطرة الأخمينيين على المنطقة ، اولا بقضائهم على العيلاميين وخلوا المنطقة من اي وجود سياسي يمنع سيطرة الأخمينيين عليها ، وثانيا بسماحهم للاخمينيين بحكم المنطقة نيابة عنهم ، وثالثا سهل ذلك على الآراميين والكلدانيين السيطرة على المدن البابلية وتشكيل المملكة الكلدانية او البابلية الحديثة ( ٦٢٦ - ٥٣٩ ق. م ) ، وهكذا باتت الدولة الآشورية محاصرة بدول عدة معادية لها أسهمت هي بتشكيلها وهي : الدولة الكلدانية في بابل اي في الجنوب من بلاد آشور ، والمملكة الفارسية المتعاونة نوعا ما في جزء من المنطقة العيلامية وجنوب غرب ايران ، والمملكة الميدية في شرق بلاد آشور ، و مملكة اوروراتو في شمال شرق بلاد آشور ، و المملكة الليدية في غرب اسيا الصغرى ، والآراميين في منطقة بلاد الشام ، فتشكل تحالف من عدد من هذه القوى قاده ملك الميديين كي إخسار وملك البابليين نابوبولاصر تسبب في سقوط العاصمة الآشورية الشهيرة نينوى عام ٦١٢ ق.م ، الذي لا أغالي إذا قلت انه السقوط الذي أسهم بشكل كبير في تسارع انهيار حضارات المنطقة وأبرزها الحضارتين العظيمتين في بلاد الرافدين وبلاد النيل ، لكن الآشوريين وعلى الرغم من سقوط عاصمتهم قاوموا لعدة سنوات اخرى منتظرين المساعدة التي وعدت مصر بتقديمها لهم ، لان مصر ربما ادركت مآل هذه الأحداث الخطيرة على وجودها واستقرارها ، او ربما ارادت ان تبقى الدولة الآشورية دولة حاجزة بينهما وبين هذه الممالك الشرسة ، او حتى ربما انها أرادت ان تستغل الانهيار الآشوري في السيطرة على اكبر مساحة ممكنة من الأراضي ، لكن المساعدة المصرية لم تصل في الوقت المناسب فانتهى وجود الآشوريين في خضم تحرك البابليين نحو الأقسام الغربية من الإمبراطورية الآشورية المنهارة ، لكن عالم ما بعد الآشوريين لم يكن كما قبلهم ، فهو عالم تحكمه قوى عدة كل منها يسيطر على منطقة من المناطق ، فبات هذا الوضع مهيئا لظهور قوة موحدة مثلها الفرس الأخمينيين ، اي الدولة التي رعاها الآشوريون في سنواتهم الاخيرة ، ومن غريب الصدف ان هذه الدولة قضت على المملكتين الميدية والبابلية اللتان أسهمتا بشكل رئيسي في القضاء على الدولة الآشورية ، وكانهم يفعلون ذلك لرد جميل الآشوريين بالثار لهم ، و هذا - على الأرجح -  ليس موجودا كحقيقة بل نقوله لغرابة سير الأحداث ، وهكذا سيطرت دولة واحدة على كل منطقة الشرق الادنى القديم والتي لم تكن توحدت على هذا القدر من قبل ، فغدت هي القوة الوحيدة التي تحكم هذا الجزء المهم من العالم ، اذ كان هذا العامل الثاني الذي سارع من انحدار حضارة بلاد الرافدين وتراجعها ، ونظرا لاحتكاكها بيونانيي الساحل الأناضولي باتت في مواجهة مباشرة مع اليونانيين في شبه جزيرة اليونان ، والذي يمكن عده اول احتكاك مباشر بين قوة من الشرق الادنى وقوة من الساحل الأوربي ، فكان ذلك مما حرك اليونانيين لغزو الشرق الادنى القديم وإسقاط الدولة الأخمينية في اول نصر غربي على الشرق حصل في عام ٣٣١ ق.م ، فتأسست حضارة مزجت عناصر الحضارة اليونانية وعناصر حضارات المنطقة وأبرزها حضارتا بلاد الرافدين وبلاد النيل أطلق عليها بالهلنستية ، فكان هذا العامل الثالث الذي أسهم ف انهيار حضارة بلاد الرافدين .


ملاحظة : هذه المقالة هي بداية بحث لذا هي خالية من المصادر بانتظار اكتمال البحث ونشرها مع المصادر .

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969