الثلاثاء، 7 يوليو 2026

الديانة الصابئية المندائية .. نظرة في تاريخها و معتقداتها

 

الدكتور باسم محمد حبيب

دراسة مقتطعة من كتابي : حضارة بلاد الرافدين - قضايا ودراسات في التاريخ والآثار 

هناك من يربط بين الديانة الصابئية المندائية وديانات أخرى سبقت أو واكبت ظهور هذه الديانة ، من هذه الديانات : اليهودية والمسيحية والمانوية ، وذلك لوجود الكثير من العناصر المشتركة بينها وبين هذه الديانات ، ومن بين ذلك

 

سمة التوحيد التي هي سمة مشتركة بين هذه الديانات ، مع إختلاف في مسميات الإله المعبود الذي يسمى بالحي العظيم في الديانة الصابئية ، فضلا عن الإيمان بوجود مساعدين للإله ( ملائكة ) ،  وإقامة الصلاة وممارسة الصوم وتقديم الصدقة وما إلى ذلك ، فيما يعد ممارسة طقس التعميد قاسما مشتركا مع الديانة المسيحية ، إذ يعد طقسا مهما في كلاهما ، فلماذا توجد هذه القواسم التي تجمع بين هذه الديانات؟ هل جاءت بسبب أصولهم المشتركة أو كونهم من منبع واحد أم من علاقة التأثير والتأثر التي غالبا ما تشيع بين الديانات المختلفة سواء أكانت تعددية أم توحيدية ؟

لكن قبل ذلك سنبدأ من تسمية هذه الديانة  ، من أين جاءت ؟

فيما يتعلق بالقسم الأول من التسمية ، أي لفظة : صابئة ، لدينا رأيان مهمان حولها : الأول – أنها جاءت من لفظة صبأ التي تعني في اللغة العربية الخروج من شيء إلى شيء أو من من دين إلى آخر ، إذ وصف أهل مكة النبي محمد بالصابئي والمسلمون الأولون بالصباة ، كما جرى أقران لفظة الصابئة بلفظة حنفاء وعد قدماء الصابئة بأنهم الأحناف لأن كلاهما كانوا يعبدون إلها واحدا ، وهذا ما يؤكد وجود بعض الصابئة في مجتمع مكة سواء كتجار أم كعبيد (1)، والثاني – من سبح أوغطس أو صبغ أو أصطبغ أو صب الماء (2)، أي من طقس التعميد الذي يمثل أحد أهم طقوس هذه الديانة (3)، إذ كان لتواجد المندائيين في أماكن تكثر فيها المياه كنهري دجلة والفرات فضلا عن الأهوار الأثر في إرتباط الكثير من طقوس هذه الطائفة بالمياه والأنهار ، وهذا دفع البعض إلى تسميتهم بالمغتسلة ، إذ ورد فيه كتابه الفهرست لأبن النديم : " المغتسلة هؤلاء القوم كثيرون في نواحي البطائح ، يقولون بالإغتسال ، ويغسلون جميع ما يأكلونه ، ورئيسهم يعرف بـ( الحسيح ) يوافقون المانوية في الأصلين وفيهم من يعظم النجوم إلى وقتنا الحاضر " (4). أما القسم الثاني أي لفظة مندائي ، فهناك ثلاث آراء حولها : أولها – أنها مأخوذة من لفظة (ماندا) ( Manda) الآرامية الشرقية التي تعني معرفة (5)، وثانيها – أنها مرتبطة بلفظة معمدان التي ترتبط بطقس التعميد وبأسم أشهر أنبياء الديانة الصابئية يوحنا المعمدان ( يحيى بن زكريا ) (6)، وثالثها – أنها جاءت من أسم الملاك الصابئي منداهيي (Mandā d-Hayyi) (7)، و من المحتمل أن هذه التسمية لم تكن موجودة منذ البداية بهذه الصيغة المزدوجة ، بل ربما ظهرت بعد أن اندمجت مجموعتان إحداهما من كانت تسمى بالصابئة والثانية من كانت تسمى بالمندائيين ، إذ يعتقد أن  الحسن بن بهلول هو أول من قرن اسم الصابئة بالمندائيين ، رابطا ذلك بمقولة للوزير العباسي ابن مقلة (8)، الذي لا نعلم ما أن كان هذا مما إستقاه منهم أم هو رأيه فيهم .

أما الأراء حول أصول هذه الديانة ، فيمكن القول أن أغلب هذه الآراء تربطها مع أصول عدة ، لكن مع إختلاف في حجم هذه الرابطة أو من له الرابطة الأقوى معها ، إذ يمكن تقسيم ذلك إلى أربعة آراء رئيسة : الأول – يرى أن الرابطة الأقوى لها مع الأصل اليهودي ، ومن أصحاب هذا الرأي عدد من الباحثين منهم : جيمس ماكغراث (James F. McGrath) ، الذي يرى وجود إرتباط مباشر بين المندائية والديانة اليهودية التقليدية ما قبل السبي البابلي ، لكنهم تركوا فلسطين وذهبوا إلى منطقة جنوب بلاد الرافدين بعد أن تعرضوا للإضطهاد الديني   (9)، وهذا ما يراه ريتشارد توماس (Richard Thomas) أيضا الذي يضيف بإنهم لم يظهروا كفرقة منفصلة عن اليهودية إلا قبل مدة قصيرة من ظهور المسيحية وأنهم يعتقدون أن المسيح كان منهم قبل أن يؤسس ديانته الخاصة  (10)، أما باربرا شيرينغ  (Barbara Thiering)  فتربط بين المندائيين (الصابئة) وطائفة الإسينيين اليهودية لأن كلهما يقدسان شخصية يوحنا المعمدان ( يحيى بن زكريا ) ، إذ ترجح الباحثة إن يوحنا هو نفسه معلم البر الذي يقدسه أتباع طائفة الإسينيين (11)، أما أثيل درور( Ethel Drower)  فترى أكثر من ذلك وهو أن المسيحية هي نتاج للديانة الصابئية أكثر من كونها نتاج مباشر للديانة اليهودية (12).

والثاني – يربطها بشكل أكبر بالأصل العراقي أو الرافدي ، من أصحابه كل من الباحث أدوين ياماوتشي  (Edwin Yamauchi) (13)، و إدموندو لوبيري( Encyclopædia Iranica) الذي يرى أن الصابئية هي فرع غنوصي مسيحي نشأ في العراق ، وأن زازي هو مؤسس هذا الفرع المسيحي الغنوصي ومؤلف كتاب كنزربا المقدس لدى الصابئة (14)، لكن الباحث  جورون باكلي رفض هذا الرأي لوجود ناسخين لكتاب كنزربا  سبقوا زازي الذي عاش في حدود عام 270 م ، من بينهم الناسخة ( شلاما بنت قدرا ) التي عاشت في حدود 200 ميلادية (15)، وممن طرح أرجحية الأصل الرافدي لهذه الطائفة على الأصل اليهودي الباحث كريستا مولر كيسلر (16) ، أما من الباحثين العراقيين ، فيعد الباحث خزعل الماجدي من القائلين بالأصول الرافدية للصابئة المندائيين ، وبإرتباط معتقداتهم وطقوسهم بحضارة بلاد الرافدين ، وأنهم لم يأتوا إلى العراق مهاجرين كما يطرح بعض الباحثين إنطلاقا من بعض ما موجود في التراث المندائي من معتقدات مرتبطة بأديان أخرى ، وأن ما حصل العكس ، أي أن تلك الأديان هي من أخذت ذلك من التراث المندائي الذي يعود لعصور قديمة (17).

وثالثا – رأي الأصل الرافدي – اليهودي المشترك ، ومن طارحيه الكاهن الصابئي (بريخا ناصوراي) الذي عد الصابئية نتيجة لأندماج معتقدات مهاجرين جاءوا الى بلاد الرافدين من فلسطين وضفاف نهر الأردن مع معتقدات طائفة من سكان بلاد الرافدين  (18).

ورابعا – الأصل اليوناني ، يرى متبنو هذا الرأي أن الطابع العام لهذه الديانة هو طابع غنوصي (19)، إذ تمثل الغنوصية (Gnosticism) (20) ، تيار ديني وعقلي نشأ في في القرون الميلادية الأولى في بلاد اليونان والبلدان الأخرى التي تأثرت بحضارتها ، أي الأراضي الرومانية والمشرقية ، أساسه ما يسمى :  بالغنوص (  (Gnosisالذي يعني المعرفة أو العرفان ، إذ يرتكز المنطق الديني لهذا التيار في أن الخلاص البشري لا يتحقق بالإيمان وحده ، بل باكتساب معرفة سرية باطنية تُحرر( القوة الإلهية ) الموجودة في داخل الإنسان من أسر العالم المادي (21)، إذ تصف النصوص الدينية المندائية أفراد الطبقة المؤتمنة على الأسرارالدينية أي الناصورائية بأنهم ( أصحاب العهد ) و ( العارفون بأسرار النور ) (22)، فمن الممكن أن يكون للمدينة اليونانية التي بنيت في جنوب العراق (23) الأثر في وجود بعض الطوائف اليونانية أو إنتقال بعض المعتقدات والأفكار اليونانية إلى السكان المحليين ، كما لا يمكن تجاهل مملكة ميسان الآرامية التي دام وجودها بين 140 قبل الميلاد و 222 ميلادية (24)، فالمرجح أنها رعت هذه الديانة أو حتى أعتنقتها في عهود معينة (25)، وهذا ما قد يفسر وجود بعض المعتقدات والأفكار التي يمكن ردها إلى مجموعات كانت تشكل جزءا من سكان المملكة آنذاك ،  لكن البعض يعد الناصورائية بإنها التسمية الأولى للمندائيين ، وأنها ترتبط بجذورهم اليهودية وبمدينة الناصرة التي ربما كانت مقرا لهم قبل مجيئهم إلى العراق  ( 26)، في حين يرى آخرون بإن هذه التسمية مرتبطة بألفاظ آرامية مندائية تعني الحفظ والمراقبة (27)، لكن برأيي هذا وأن كان مهما لأصالة التسميات المرتبطة بهذه الديانة ، لكنه لا يمكن أن يثبت أصالة هذه الأفكار والمعتقدات أو إرتبطها بإرث حضارة بلاد الرافدين ، التي تتضمن معتقداتها الإيمان بفناء الجسد و نفي الروح إلى عالم مظلم كئيب يقع أسفل هذا العالم  .

أما نحن فنرى أن غالبية الآراء التي تناولت أصول المندائيين ركزت بشكل كبير على الجانب العقائدي وأهملت أو تغاضت عن الجوانب الأخرى التي يمكن أن نستند إليها في دعم رأي أو تفنيد رأي آخر ، ولعل أهم هذه الجوانب ، اللغة التي يتكلمها أبناء هذه الطائفة بها ، ليس في الوقت الحاضر بل في المدة التي شهدت ظهور الطائفة المندائية على مسرح الأحداث ، فمن خلال النصوص المندائية التي تم العثور عليها ودراستها ممن تعود إلى تلك المدة ، نجد أن اللغة التي كان يتكلم بها المندائيون هي اللغة الآرامية الشرقية  ، وهي اللغة التي تضم لهجات عدة منها إضافة إلى اللهجة المندائية كل من اللهجات السريانية والآرامية البابلية (لهجة يهود بابل) (28)، كما يمكننا أن نستند إلى بعض العادات كالطرق والوسائل التي يتبعونها لطرد الشرور، فهي مما يمكن أن نستدل به على مخاوفهم اللا شعورية التي لا يمكن للدين أن يحبسها والتي ترتبط بأصولهم ومعتقداتهم القديمة ، فمن طرقهم في مواجهة الشرور ، صنع التعاويذ التي تعد إحدى العادات الشائعة في حضارة بلاد الرافدين ، إذ عثر على عدد كبير من هذه التعاويذ  في مناطق عدة من المنطقة الجنوبية لبلاد الرافدين يعود أقدمها إلى القرن الثالث الميلادي ، كما عثر على أواني مدونة بكتابات مندائية مختلفة في مواقع مثل : كيش و بسمايه جنوب مدينة نفر و خويبر على نهر الفرات شمال المسيّب ، فضلا عن مواقع تقع حاليا في إيران في المنطقة المحاذية لشيخ سعد و في همدان تعود تواريخ تدوينها إلى ما بين 600 و700 ميلادية (29)، وهذا برأيي يدعم الأصول الرافدية لكثير من المندائيين ، من دون تجاهل لإحتمال أندماج جماعة من المهاجرين في المجتمع المندائي في المدة التي شهدت ظهور هذا المجتمع كجزء مستقل من النسيج السكاني للبلاد ، فضلا عن دخول تأثيرات من معتقدات وأفكار أخرى في صلب العقيدة المندائية ، من بينها معتقدات دينية وأفكار فلسفية كالغنوصية ، إذ لا يمكن تفسير وجودها من دون ذلك ، لعدم إنسجام هذه المعتقدات والأفكار بعقائد وأفكار حضارة بلاد الرافدين .

مرتكز المندائية هل الغنوصية أم التوحيد

من خلال إطلاعنا على متون الديانة المندائية والروايات التي تتحدث عن أصولهم وتاريخهم نجد أننا أمام ديانة توحيدية ، لكنها آمنت ببعض القوى الخارقة المدانية لقوة الإله ، كما وجدنا جماعتين من المندائيين إحداهما موحدة والأخرى وثنية ، ما يعني أن الأساس في ديانتهم هو الفكر الغنوصي الذي قوامه الإيمان بقوة عادلة بغض النظر عن مسماها ، وأن التقرب من هذه القوة لا يتحقق إلا بالتوحد معها من خلال العرفان والمعرفة ، وهذا الفكر جديد ، لكن مع ذلك هناك صلة ما قد تكون ضعيفة أو مجرد شبه مع عبادة قديمة مرتبطة بديانة بلاد الرافدين ، هي عبادة الإله (أنكي ) بالسومرية ( أيا ) بالأكدية ، فهو أيضا إله المياه ، فضلا عن الحكمة والمعرفة ، كما أن مركز عبادته يقع في مدينة أريدو الواقعة في جنوب بلاد الرافدين على مقربة من مدينة أور (30)، أي قريبا من منطقة الأهوار التي يسكنها المندائيون ، لكن هذه العبادة لا ترتكز على مباني غنوصية كما هو الحال مع المندائية ، بل على الإيمان بالحظ والقدرة على مشاغلة الشرور والإبتعاد عن المشاكل لأطول مدة ممكنة ، لأن المشاكل والشرور سوف تستمر بملاحقة الإنسان حتى في ما بعد الموت الذي يعد عند العراقيين شر الشرور ، فيما يقتصر دور العبادة على محاولة إرضاء الآلهة الشريرة بإبعاد شرها والخيرة بجلب خيرها بوساطة القرابين التي تقدم لها ، والتي هي أهم وأكثر تأثيرا من الصلوات في ديانة بلاد الرافدين (31)، في حين تؤمن الديانة الصابئية المندائية بقوة الخير الممثلة بوجود خالق واحد أزليّ أبديّ هو الأعظم والأكمل (32)، وبوجود عالم الأنوار الذي تذهب إليه الأرواح بعد موتها بعد أن تمر بمحطات التطهير السماوية (33)، ويعتقدون بعالم مثاليّ يسمّونه مشونيَ كُشطه  (Msunia Kusta)، معزول عن هذه الدنيا، غير أرضيّ، يوجد فيه النظير لكلّ شيء في العالم المادّيّ، ولدى الوفاة يفارق إنسان هذه الأرض جسمه الترابيّ، ويلتحق بجسمه الأثيريّ لشبيهه  (34) ، ومن ثم فإن تشكل الجماعة جاء بسبب تبنيها للأفكار الغنوصية التي مثلت ركيزة وجودها وإختلافها عن الأديان الأخرى في بلاد الرافدين ، أما السمة التوحيدية التي تتسم بها الديانة ، فليس من المعلوم أن كانت نتاجا لتطور داخلي على غرار ظهور عبادة الإله ( ننا ) ( سين ) التوحيدية أو التفريدية في عهد الملك البابلي ( نابونائيد ) ( 555 – 539 ق.م ) (35)، أم نتاجا لتأثير خارجي ، سواء أكان من الديانة الزرادشية (36)التي يعتقد بإنتشارها خلال هذه المدة ، أم من الديانة اليهودية التي يعتنقها يهود الأسر البابلي (37)، لكن نظرا لوجود كثير من الشبه في معتقدات الديانتين فقد عد ذلك دليلا على إنتماء المندائيين إلى الأصول اليهودية خاصة إلى طائفة الإيسينيين (38)، مع أنه يحتمل أن يكون نتاج تأثير أو تأثر ، وإلا هناك الكثير من عناصر الإختلاف أيضا ، أهمها ما يخص مكانة النبي إبراهيم ، ففي حين تعده الديانة اليهودية أب اليهود وأحد أنبيائهم ومؤسسيهم الكبار ، تعده الديانة الصابئية من الكهنة الذين أنتهكوا أحد محرمات العقيدة المندائية  وهو الختان و هذا يعني إرتداده عنها وتحوله إلى اليهودية (39)، كما يوجد لدى المندائيين كتاب مقدس يسمى (كنزربا ) (40) مختلف عن الكتاب المقدس اليهودي التوراة ، إذ يضم نصوصا تختلف كثيرا عن النصوص اليهودية .

  ، وكما أشرنا فإن وجود بعض الصابئة الوثنيين أو وجود بعض المعتقدات الوثنية في الديانة الصابئية أثار التساؤل عن مكنون هذه الديانة : هل هي توحيدية أم غير توحيدية ؟ فالراجح ان وجود مندائيين توحيديين ووثنيين نابع من وجود مجموعتين منفصلتين من المندائيين ، مجموعة جاءت إلى العراق من فلسطين ، وهي المجموعة الموحدة ، والأخرى كانت منذ البداية متوزعة بين حران وجنوب العراق وهي المجموعة الوثنية المرتبطة بحضارة بلاد الرافدين ، وبعد احتكاك المجموعتين نشأت تأثيرات مشتركة بينهم ، لكن لا يعلم متى بالضبط أدى الإحتكاك إلى تحول الصابئة الوثنيين إلى إعتناق ديانة الصابئة التوحيديين ، هل جرى ذلك منذ نشوء هذه الديانة كما تقول نصوصها و أدبياتها ؟ أم تم في عصر متأخر كما تقول إحدى الروايات التي عرضت لقاء وفد من الصابئة بالقائد المسلم الذي كان قائدا للجيوش العربية الإسلامية في العراق ، وأن الوفد الذي كان يرأسه الكاهن المندائي ( أنوش بن دنقا ) طلب من القائد الإسلامي منح الأمان للصابئة ، والأعتراف بهم ديانة كتابية إستنادا إلى ما ورد في القرآن عن كونهم كتابيون توحيديون وبآيات صريحة ، إذ أقتنع القائد الإسلامي بحجتهم ووافق على ذلك (41)، لكن هناك من يشكك في حصول هذا اللقاء الذي حصل بحسب هذه الرواية في عام 640 ميلادية ، إذ يرى هؤلاء أن هذه الرواية فيها بعض نقاط الضعف منها : عدم الإشارة إلى أسم القائد المسلم الذي تم اللقاء به من قبل وفد الصابئة ، فضلا عن ورود مدينة بغداد كمكان لحصول هذا اللقاء ، مع أن بغداد لم تؤسس إلا بعد ذلك بأكثر من قرن ونصف ،  ما يعني أن هذا اللقاء إما أنه لم يحصل أبدا أو أنه حصل ولكن في العصر العباسي ، أما ما يدل على أن المندائيون ليس كلهم كانوا توحيديون من البداية ، فهو ما جرى من حوار بين صابئة حران والخليفة المأمون العباسي في القرن التاسع الميلادي ، والذي أنكر عليهم ما سمعه منهم ، وخيرهم بين أن يدخلوا الإسلام أو أن يتهموا بالكفر ، لكن احد رجال الدين المسلمين علمهم طريقة للأحتفاظ بديانتهم مقابل بعض المال ، وذلك بالقول بأنهم هم المشار لهم في القرآن بالصابئة ، فيشملوا بما يشمل به أهل الكتاب من الإعتراف بدياناتهم ، وقد نجح هذا الأمر وقبلت السلطة العباسية بعدهم كتابيين (42)، وبرأيي أن هذا أن صح فإنه يصح على مندائيو حران وليس على جميع المندائيين ، لأن الإسلام عد منذ البداية وبنصوص قرآنية صريحة الصابئة كتابيين وموحدين  (43)، كما أن لفظة صبأ بدأ يطلقها معارضو الإسلام من أهل مكة على كل من يعتنق الإسلام منهم ، فيقال صبأ فلان ، التي يرى البعض أنها تؤكد السمة التوحيدية المبكرة لعقيدة الصابئة ، مع أن البعض يربط ذلك بمدلول التحول العام من دين إلى دين ، وليس بالضرورة للتحول من عبادة التعدد إلى عبادة التوحيد ، وهذا يعيدنا إلى فرضية وجود مندائيين موحدين و مندائيين غير موحدين ، أي إلى طائفة مندائية تتبنى المعرفية أو الغنوصية ، لكن بمعتقدات توحيدية وتعددية .



(1) علي ، جواد ، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، ج12 ، ص 278  .

(2)  سبهاني ،  رؤوف ، الصابئة المندائیة في ايران ، دار المحجة البیضاء (دون مكان النشر والتاریخ) ) ، ص ١٢ .

(3)  اللیدى د راور، الصابئة المندائیون،الكتاب الآول، ترجمة :نعیم بدوى و غضبان الرومى، مطبعة الدیوانى،الطبعة الثانیة، (بغداد: ١٩٨٧ ) ، ص ٩ .

(4)  ابن النديم ، أبو الفرج محمد بن أسحاق ، الفهرست ، ج1 ، ( بيروت ، 1978 ) ، ص 414 .

(5)  فرق ومذاهب الصابئة ، مجلة الراصد الأسلامية ، عدد 22 ، ربيع أول 1426 ، ص 7 .

(6)  يعد النبي يحيى ( يوحنا المعمدان ) آخر وأعظم أنبياء ورسل الصابئة المندائيين ومجدد عهد دين النور الأول على الأرض كما له مصنف خاص يسمى : (دراشا إد يهيا ((تعاليم ومواعظ يحيى) ، وفي كنزربا يرد في موضع عدة في القسمين الأيمن والأيسر .

(7)  يرد ذكر هذا الملاك في مواضع مختلفة من كتاب كنزربا : القسمان الأيمن والأيسر ، في الأيمن في الفصول الأول والثالث والخامس والثامن وفي الأيسر يوصف بأنه المخلص أو الدليل عند انتقال الروح بعد الموت إلى عالم الأنوار .

(8) van Bladel)  2017(   ,on the identification of al-Hasan ibn Bahlul's source (named merely "Abu Ali") as Abu Ali Muhammad ibn Muqla, see p. 58.

(10) Thomas , Richard , (29 Yanayir     2016). "The Israelite Origins of the Mandaean People". Studia Antiqua.  

(11) Thiering, Barbara (1979). Redating the Teacher of Righteousness. Australian and New Zealand studies in theology and religion ; no. 1. Sydney: Theological Explorations.

(12)  Buckley, Jorunn (2012). Lady E. S. Drower's Scholarly Correspondence. Brill. p. 210.

(13)  Yamauchi,  Edwin M,  Mandaic Incantation Texts,  New Jersey 2005 , P:  .

(14) Lupieri، Edmondo F. (7 Abril    2008). "Mandaeans i. History". Encyclopaedia Iranica .

(15) Buckley، Jorunn Jacobsen (1 Disambir    2010). The Great Stem of Souls: Reconstructing Mandaean History. Gorgias Pr Llc.

(16) Müller-Kessler، Christa (2004). "The Mandaeans and the Question of Their Origin". ARAM Periodical .

(17) ينظر : الماجدي ، خزعل ، أصول الناصورائية المندائية في أريدو وسومر ، ( مؤسسة أبجد ، العراق ، 2025 ) .

(18) Nasoraia، Brikha H.S. (2021). The Mandaean gnostic religion: worship practice and deep thought. New Delhi: Sterling. ISBN:978-81-950824-1-4.  

(19) Buckley، Jorunn Jacobsen (2002). "Part I: Beginnings – Introduction: The Mandaean World". The Mandaeans: Ancient Texts and Modern People. New York City: Oxford University Press on behalf of the American Academy of Religion. P: 1–20.

(20) وهبة ، مجدي وكامل المهندس ( 1984 ) ، معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب ، ( ط2) ( بيروت ، 1984 ) ، ص 267 .   

(21) Albrile، Ezio (2005).  "Gnosticism: History of Study"  Encyclopedia of Religion. MacMillan.

(22)  هذا ورد في مواضع عدة من كتاب كنزربا

(23) على الرغم من وجود رأي بإن المدينة التي بناها الأسكندر المقدوني لتكون ميناءا على الخليج العربي لم تكتشف بعد ، إلا أن هناك رأي آخر يربطها بمدينة خاراكس التي أزدهرت في العهد السلوقي الاحق ثم غدت عاصمة لمملكة ميسان التي حكمت طوال العصر الفرثي ، وهي المدينة التي تقع أطلالها على بعد حوالي 40 كم شمال البصرة على تل كبير يعرف اليوم باسم (الخيابر ) قرب التقاء نهري الكرخة ودجلة ، أجريت فيها مؤخرا تنقيبات أثرية تم فيها الكشف عن حوالي 50 هكتارا من آثار مدينة خاراكس منها أحياء سكنية واسعة وسلسلة من الأفران وبقايا لقصر أيعود للعهد الفرثي  مع أدلة شملت نقود وآثار مختلفة تدل على إستيطان أستمر أربعة قرون من الأول قبل الميلاد إلى الرابع الميلادي ، كما أجرى علماء من جامعة مانشستر البريطانية مسوحات فيها لغرض التمهيد لإجراء تنقيبات جديدة للكشف عن معالمها . ( المعلومات من شبكة النت ) .

(24)  زاير ، صلاح الدين محسن. 2023. "مسكوكات مملكة ميسان ( دراسة مقارنة )". مجلة دراسات في التاريخ والآثار 1 (76): 61-80.

(25)  Yamauchi, Edwin Masao (1966). «The Present Status of Mandaean Studies». Journal of Near Eastern Studies (JNES), VOL. 25, No 2, (pp. 88-96). p. 92.

( 26)  في كتاب كنزربا هناك خطاب موجه للناصورئيين وبأنهم رميوا في الظلام لكن الحي العظيم أنقذهم وغفر خطاياهم ، فهو خطاب موجه لعموم أبناء الديانة وليس للكنهة أو المتبصرين منهم ، ينظر ، كنزربا ، يمين .

(27)  يرى البعض ان مصطلح الناصورائية مأخوذ من ( ن – ص – ر ) و هو جذر لغوي آرامي شرقي يعني حفظ أو راقب وهو مقارب للجذر العربي نظر .

(28) حسين ، مازن محمد ، المندائية (لغة , ديانة , عادات وتقاليد ) ، مجلة مركز بابل للدراسات الإنسانية ، مجلد 11 عدد 3 (2021): ، ص 678 – 679 .

(29)  سباهيّ، عزيز (1996).  ، أصول الصابئة (المندائيّين) ومعتقداتهم الدينيّة”. ط1، دار المدى للثقافة والنشر، سوريا، دمشق. ص 182 – 185 . .

(30) بوتيرو ، جان ، بلاد الرافدين : الكتابة – العقل – الآلهة ، ترجمة : الأب البير أبونا ، ( بغداد ، 1990 ) ، ص 286 – 287 .

(31)  حنون ، نائل ، عقائد مابعد الموت في حضارة بلاد وادي الرافدين القديمة ، ( بغداد ، 1986 ) ، ص 159 – 160 .

(32)  الخيون ، رشيد (2007) ، الأديان والمذاهب بالعراق ، ط2، (منشورات الجمل، بغداد) .، ص  37.

(33)  رودولف ، كورت ، النشوء والخلق في النصوص المندائية ، أعداد وترجمة : صبيح مدلول السهيري ، ( بغداد ، 1994 ) ، ص 17 .

(34)  اللیدى د راور، الصابئة المندائیون، المصدر السابق ،  ص 41 .

(35)  حول عبادة الإله سين التوحيدية أو التفريدية ينظر : حسين ، ليث مجيد ، الملك نابونائيد في الجزيرة العربية في ضوء المصادر المسمارية ، بحث منشور في موقع Brill .

(36)  حول الديانة الزرادشتية ينظر : عدنان ، إسامة ، الديانة الزرادشتية ملاحظات وآراء ، ( بغداد ، 2016 ) .

(37)  هناك سبيين تعرض لهما اليهود على يد البابليين الأول وقع عام 597 ق.م أقتصر على أسر عدة آلاف من اليهود والثاني وقع عام 586 ق.م تم فيه سبي غالبية اليهود ونقلهم إلى بابل ، حول ذلك ينظر : باقر ، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ، ج1 ، ( بيروت ، دار الوراق ، 2009 ) ، ص 603 – 604 .

(38)  تعد طائفة الإسينيين من الطوائف اليهودية التي لها آراء ومعتقدات مختلفة عن الطائفة اليهودية الرئيسية ، عرفت بالتشدد والزهد ، ظهرت بين القرن الثاني قبل الميلاد والقرن الأول الميلادي ، عاشوا في مجتمعات صغيرة منعزلة قرب البحر الميت مثل خربة قمران التي عثر فيها على رقائق جلدية تحوي تعاليمهم ومعتقداتهم ، كرسوا أنفسهم للعبادة والطهارة ورفضوا فساد الهيكل في القدس ، حول هذه الطائفة ينظر :  دينوفا , ربيكا ، ( 2022 ) ،الإسينيين ، موقع موسوعة التاريخ العالمي على شبكة النت .

(39)  الديانة المندائية لا تعد النبي إبراهيم من الأنبياء بل من الكهنة ، إذ تعده من الخارجين بعد أن قام بالإختتان الذي لا تقوم به الديانة المندائية وقد أدى خروجه إلى إنقسام المندائية وظهور الطائفة اليهودية كما تقول النصوص المندائية ومنها الكنزربا .

 (40)  ترى بعض الآراء أن الكنزربا دون خلال القرون الثلاثة الأولى الميلاد ينظر : Drower, Ethel Stefana (1937). The Mandaeans of Iraq and Iran. Oxford At The Clarendon Press, pg. 20.

(41)  وردت تفاصيل ذلك في مخطوطة حران كويثا  (Haran Gawaita)المدونة باللغة المندائية ينظر : حران كويثا : ترجمة : نعيم بدوي ، مكتبة موصوعة العيون المعرفية ، ( 2014 ) .

(42)  أبن النديم ، الفهرست ، ج1 ، ص 635 .

(43)  الآيات : 62 و 69 من سورة البقرة والآية 17 من سورة الحج .

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969