باسم محمد حبيب
أهم ما لاحظناه في توزيع المناصب سواء العليا أو الدنيا خلال المدة السابقة ، هو أن فرصة المستقلين في توليها كانت إما ضئيلة أو معدومة ، إذ عملت القوى السياسية الفائزة في الإنتخابات على تقسيم المناصب فيما بينها ، فلم
تترك أي فرصة لتولي مستقلين لها ، وحجتها في ذلك ، أن هذا هو أحد
حقوقها كونها الفائزة في الأنتخابات ، فضلا عن كونه موجود في كل الأنظمة
الديمقراطية بما في ذلك الأنظمة الغربية .
لكن هل فعلا هذا موجود في تلك الأنظمة ؟ أم
أن الحقيقة غير ذلك ، إن ما يجب إدراكه هنا ، هو ضرورة التمييز بين توزيع المناصب
العليا كالرئاسات والوزارات ، وتوزيع المناصب الأدنى منها كوكلاء الوزارات
والمدراء العامون وغيرهم ، فما يحصل في تلك الدول ، هو توزيع للمناصب العليا في
الدولة فقط ، أما المناصب الأخرى فتبقى مرتبطة بالتراتبية المؤسسية والعمل الوظيفي
، وما يجري فيه من ترقية تبعا للكفاءة والأداء ، لذا تبقى المؤسسات محافظة على
هيكلها وعلى مسار عملها ، فلا يحصل فيه تغيير كبير ، بخلاف ما يحصل في العراق، حيث يتم توزيع جميع المناصب بين القوى الفائزة ،
بما في ذلك المناصب الدنيا كالشعب والأقسام وغيرها ، مثل منصب مدير بلدية قضاء أو
ناحية أو مدير شعبة زراعة أو مدير قسم في مديرية صحة أو تربية .. الخ ، ما يؤدي
إلى أرباك عمل الدوائر ، وخلق بلبلة في داخلها ، وشعور بالغصة والمرارة لدى من يرى
نفسه أهل لتلك المناصب .
فهل من حق القوى السياسية الفائزة في
الإنتخابات أو التي بيدها القرار السياسي أن تأخذ كل المناصب في الدولة أو أغلبها
ولا تترك للأخرين إلا القليل أو لاشيء على الأطلاق ؟ فهذا الأمر يتناقض مع أهم سمة
يجب أن يتسم بها العمل المؤسسي ، وهي إحترام الترقية القائمة على أساس الكفاءة وحسن الأداء ، لأنه يؤدي إلى الأتيان
بأشخاص قد لا يكونون الأكفأ والأفضل أداءا ليتولوا المناصب ، فيما يحرم من
يفوقونهم كفاءة وأداءا ، لا لشيء إلا لأنهم غير منضويين للأحزاب أو غير مقربين
منها ، وهذا لا يؤثر على نفسية هؤلاء فيجعلهم محبطين وغير راضين فقط ، بل و يضعف
من وتيرة الأداء داخل المؤسسات والدوائر الحكومية مقارنة بالعمل للأحزاب والزعامات
السياسية .
إن من الضروري تغيير هذه الحالة غير السليمة ،
بضمان حق المستقلين والمنضوين للأحزاب الصغيرة في تولي المناصب أسوة بالمنضوين إلى
الأحزاب الكبيرة أو المقربين منها ، فيحظى هؤلاء بحصة غير قليلة من المناصب ، فضلا
عن ضرورة إبعاد المناصب الأدنى من منصب وزير عن عملية التوزيع التي تجري للمناصب
بعد تشكيل كل حكومة ، فيبقى تولي تلك المناصب رهن بالكفاءة والأداء وليس رهن
بالإنتماء أو الولاء السياسي .
فمن أجل ديمومة عمل المؤسسات وتطوير عملها و
إبعادها عن الصراعات السياسية ، لابد من وضع معايير جديدة تضع الكفاءة والأداء
معيارا رئيسيا في توزيع المناصب ، بما في ذلك المناصب العليا ، وأن يكون للمستقلين
وغيرهم حق في تولي أي منصب يكونون جديرين به .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق