دكتور باسم محمد حبيب
هي أولى الحضارات البشرية ، فقد كانت منتجة لأولى الأفكار الاقتصادية التي تمثلت بعد الآلهة هم المالكين لوسائل الإنتاج ، وهم المتحكمين بسير العملية الاقتصادية ، لأن هذا هو ما يضمن إستمرار العملية الاقتصادية وما يحقق إتساعها و تطورها ، وذلك إستجابة للتحديات التي يواجهها المجتمع الرافدي من العوامل الطبيعية والبشرية ، لاسيما من الصراعات الداخلية والهجرات و الغزوات الخارجية ، ما يتطلب أفكارا لكبح تداعيات هذه التحديات أو تخفف من تأثيراتها ونتائجها على المجتمع والفرد ، فلا يمكن حماية الملكية من الإستيلاء والمصادرة إلا بإحالتها إلى الآلهة ، ولا يمكن تبادل الخبرات وتقاسم المياه وتوزيع العمل والتشارك في أدوات الإنتاج إلا بربطها بالآلهة .
أما العمل الذي يقوم به الأنسان ،
فلأن أغلبه كان يتم لصالح مؤسستي المعبد والقصر ، سواء أكان سخرة أم بأجر ، فقد
جرى عده محاكاة لعمل الآلهة ، لأن الإنسان على وفق الأساطير الرافدية خلق ليكون
بديلا عن الآلهة في أداء الأعمال الصعبة والمرهقة التي كانت تقوم بها قبل خلقه ،
ما يعني أن عمله هو تتمة لعمل الآلهة ، لا مناص له من أدائه ليظهر إمتنانه لها
لخلقها أياه ، وجعله بديلا عنها في إدارة أعمالها وما كانت تقوم به من عمل حتى وأن
كان مرهقا ، لأن خلقه أفضل من عدم خلقه ، ولأن إمتلاكه للقدرات والقابليات هو
ليكون مؤهلا لأداء ما بعهدته من عمل ، فالآلهة منحتها له لأجل ذلك ، وبالتأكيد هو
يدرك أيضا أن ذلك ضروري لضمان رزقه ، فضلا عن تلافي غضب الآلهة ، وإتقاء ما يمكن
أن يخلفه تقاعسه من أضرار كبيرة على الكون وعلى حياته وحياة عائلته ، وهذا ما يصح
على الأعمال الحرة أيضا ، أي التي يقوم بها الفرد بشكل مستقل عن مؤسستي المعبد
والقصر ، لأن الإنسان أصبح هنا وكيلا مباشرا للآلهة ، فضلا عن كونه هو من يقوم
بالعمل أيضا ، ومن ثم بات ملزما بمنحها حصة من الأرباح ، لأجل ذلك و مقابل من
قدمته له من رعاية وحماية.
كذلك ينظر للأرباح التي تحققها
المؤسسات على أنها أرباح خاصة بالآلهة ، أما ما يخصص منها للمعبد والقصر ، أي
للمصروفات العامة وللأجور ، فهو لتمشية أمور هذه المؤسسات وجعلها قادرة على أداء
وظيفتها تجاه الآلهة ، وهذا ما ينسحب أيضا على الإنسان الذي يمنح الأجور ليكون
قادرا على أداء العمل الموكل له ، لأن تلبية حاجات الأنسان ، أي حاجته للطعام
والشراب والسكن والملبس والأمن .. الخ ، هو أمر ضروري لجعله قادرا على أداء
واجباته تجاه الآلهة .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق