الأحد، 25 ديسمبر 2022

ملكية الآلهة لعناصر الإنتاج في حضارة بلاد الرافدين ونتائجها الاقتصادية

 


دكتور باسم محمد حبيب 

 قبل أن تنشأ النظريات والأفكار الاقتصادية الحديثة كانت هناك نظريات وأفكار بنيت على ما كانت عليه المجتمعات البشرية من تطور حضاري وتقني ، و ما لديها من عقائد وأفكار حول الحياة والكون ، ولأن حضارة بلاد الرافدين


هي أولى الحضارات البشرية ، فقد كانت منتجة لأولى الأفكار الاقتصادية التي تمثلت بعد الآلهة هم المالكين لوسائل الإنتاج ، وهم المتحكمين بسير العملية الاقتصادية ، لأن هذا هو ما يضمن إستمرار العملية الاقتصادية وما يحقق إتساعها و تطورها ، وذلك إستجابة للتحديات التي يواجهها المجتمع الرافدي من العوامل الطبيعية والبشرية ، لاسيما من الصراعات الداخلية والهجرات و الغزوات الخارجية ، ما يتطلب أفكارا لكبح تداعيات هذه التحديات أو تخفف من تأثيراتها ونتائجها على المجتمع والفرد ، فلا يمكن حماية الملكية من الإستيلاء والمصادرة إلا بإحالتها إلى الآلهة ، ولا يمكن تبادل الخبرات وتقاسم المياه وتوزيع العمل والتشارك في أدوات الإنتاج إلا بربطها بالآلهة .

أما العمل الذي يقوم به الأنسان ، فلأن أغلبه كان يتم لصالح مؤسستي المعبد والقصر ، سواء أكان سخرة أم بأجر ، فقد جرى عده محاكاة لعمل الآلهة ، لأن الإنسان على وفق الأساطير الرافدية خلق ليكون بديلا عن الآلهة في أداء الأعمال الصعبة والمرهقة التي كانت تقوم بها قبل خلقه ، ما يعني أن عمله هو تتمة لعمل الآلهة ، لا مناص له من أدائه ليظهر إمتنانه لها لخلقها أياه ، وجعله بديلا عنها في إدارة أعمالها وما كانت تقوم به من عمل حتى وأن كان مرهقا ، لأن خلقه أفضل من عدم خلقه ، ولأن إمتلاكه للقدرات والقابليات هو ليكون مؤهلا لأداء ما بعهدته من عمل ، فالآلهة منحتها له لأجل ذلك ، وبالتأكيد هو يدرك أيضا أن ذلك ضروري لضمان رزقه ، فضلا عن تلافي غضب الآلهة ، وإتقاء ما يمكن أن يخلفه تقاعسه من أضرار كبيرة على الكون وعلى حياته وحياة عائلته ، وهذا ما يصح على الأعمال الحرة أيضا ، أي التي يقوم بها الفرد بشكل مستقل عن مؤسستي المعبد والقصر ، لأن الإنسان أصبح هنا وكيلا مباشرا للآلهة ، فضلا عن كونه هو من يقوم بالعمل أيضا ، ومن ثم بات ملزما بمنحها حصة من الأرباح ، لأجل ذلك و مقابل من قدمته له من رعاية وحماية.

كذلك ينظر للأرباح التي تحققها المؤسسات على أنها أرباح خاصة بالآلهة ، أما ما يخصص منها للمعبد والقصر ، أي للمصروفات العامة وللأجور ، فهو لتمشية أمور هذه المؤسسات وجعلها قادرة على أداء وظيفتها تجاه الآلهة ، وهذا ما ينسحب أيضا على الإنسان الذي يمنح الأجور ليكون قادرا على أداء العمل الموكل له ، لأن تلبية حاجات الأنسان ، أي حاجته للطعام والشراب والسكن والملبس والأمن .. الخ ، هو أمر ضروري لجعله قادرا على أداء واجباته تجاه الآلهة .

 

 

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969