باسم محمد حبيب
القدس العربي نشرت في 14 |12| 2008
من اغرب ما تعارف عليه العرف السياسي في كل بلدان العالم ما نسمعه هذه الأيام من تصريحات حول موضوع الاتفاقية العراقية الأمريكية لا سيما وبشكل خاص تلك التصريحات التي
يصدرها البعض بشأن ضرورة أن تتسم المفاوضات العراقية الأمريكية حول الاتفاقية بالشفافية حتى تحظى بالقبول والموافقة وبطبيعة الحال فان مكمن الغرابة ليس في شرط الشفافية الذي هو حق أساسي ويريده الجميع وليس جهة واحدة وحسب بل في جهة إطلاقها لان من المفهوم والمنطقي أن تطالب المعارضة أو حتى الشركاء الحكوميين الآخرين بضرورة أن يجري اطلاعها على دقائق وحيثيات الاتفاقية نزولا عند حقيقة اشتراك هذه القوى بمسؤولية القرار السياسي لكونها متشاركة في العملية السياسية لان هذه القوى ربما لاتكون ممثلة بشكل مناسب ضمن الوفد المفاوض وقد لا تستطيع أن تعرف الكثير عن ظروف المفاوضات وما يدور فيها ما يدفعها إلى المطالبة بكشف ما يدور خلف كواليس هذه المفاوضات لكن أن يصدر التصريح من مصدر حكومي ومن جهة تمثل احد الأركان الأساسية للحكومة فهذا مايثير التساؤل فعلا لان المفروض أن يطالب الآخرون الحكومة بالشفافية وليس العكس فقد كشفت هذه الاتفاقية عن أمور غاية في الغرابة وأثبتت أشياء لم يكن بالإمكان كشفها حيث بدت الحكومة وكأنها بلا سيادة البتة على عكس ما تعلنه في مناسبات كثيرة لان قرار الموافقة على الاتفاقية أصبح يتجاوز نطاق الحكومة بكثير بعد أن غدا قبولها مشروطا بموافقة جميع الكتل الممثلة بالبرلمان بل وجميع الفئات والكتل السياسية في البلد وإذا كان بالإمكان تبرير ذلك انطلاقا من حساسية الاتفاقية وأهمية أن تحظى بإجماع وطني فليس بالإمكان تبرير اشتراط موافقة دول الجوار عليها لكونها شأن سيادي محض ومن الطبيعي أن يثير هذا الرأي حفيظة البعض أو يثير بعض اللغط لأنه يطرح الحكومة أما ضعيفة وقليلة الخبرة أو مرتبطة بأجندات خارجية حتى وان لم يكن هذا الأمر صحيح فعلا فنحن لا نرجح بالتأكيد هذا الأمر الذي يعطي بلا شك المبرر للتشكيك حتى بسلامة العملية السياسية وبنظافة دروبها وهو أمر من المبكر الحكم به انطلاقا من وجود تفسيرات أخرى لهذا الأمر فالحكومة المحاصرة بالعنف والإرهاب لاتملك الكثير من الأوراق لتواجه بها دول الجوار القوية ما يضطرها أحيانا إلى مهادنتها أو حتى القبول ببعض أجندتها تلافيا لمواجهات غير مأمونة العواقب مما لا تمس جوهر مصلحة العراق لكن حتى هذا التفسير الافتراضي لا يمكنه أن يضع الحكومة بمأمن من النقد أو اللوم لأنه يدفع بشان داخلي ليكون سجالا لدول أخرى بعضها لها ملفات مفتوحة مع العراق وكان العراق بلد مباح ومن حق الجميع الوصاية عليه أو التدخل في شأنه الداخلي وقد نجد بفعل هذه الحسابات من يطالب بمناقشة الاتفاقية في برلمانات الدول المجاورة وليس في البرلمان العراقي وبغض النظر عن الدافع وراء دولنة القرارات العراقية أو أقلمتها أن كان يقصد به دولة ما أم انه قرار بريء من ذلك فانه يؤشر على تناقضات عميقة داخل المشروع السياسي العراقي ويدعم ولو نظريا تلك الافتراضات القديمة عن حتمية النزوع الطائفي لأي مشروع سياسي تتبناه الدولة العراقية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق