يرد في رواية لقاء النجاشي ملك الحبشة بالمسلمين اللاجئين إليه من بطش قريش ، ذكر آيات تلاها جعفر بن أبي طالب على مسامعه بعد أن
أوغر عمر بن العاص صدر الملك ضد المسلمين ، إذ أرسلت قريش رجلين هما : عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة و عمر بن العاص بهدف إقناع النجاشي بتسليم ما جاء إلى بلده من المسلمين إليهم ، ولكن لم يستطع الموفدان إقناع النجاشي في اليوم الأول من لقائه بهم وذلك بفضل مهارة جعفر في رد حججهم ، فما كان من عمر بن العاص بعد أن خسر مواجهته مع جعفر إلا أن عاد في اليوم التالي وفي جعبته تهمة كبيرة ، وهي إتهامه المسلمين بإنهم يتكلمون بسوء عن عيسى وأمه ، الأمر الذي أغضب النجاشي الذي كان يدين بالمسيحية فكان أن طلب رد واضحا من جعفر الذي أسرع بنكران ذلك مشفعا كلامه بآيات من القرآن الكريم ، لاسيما الآيات التي تتناول مخاض مريم وولادتها لعيسى ، ما جعل النجاشي يرفض طلب الموفدين بتسليم المسلمين إليهم .
ونحن هنا نريد أن نناقش رد جعفر وما ورد فيه من آيات قرآنية ، فهو آنذاك كان في وضع صعب ، لإن النجاشي قد يقدم على قتلهم إذا ثبتت التهمة عليهم أو إذا لم يستطيعوا إقناع النجاشي بخلاف ذلك ، لذا كان على جعفر أن يقوم بأي شيء يؤدي إلى دفع التهمة عنهم ، فكان عليه أن يواجهه بآيات من القرآن الكريم ليقطع حجة عمر بن العاص الذي يحتمل أنه قد سمع ما قاله للنجاشي من بعض المسلمين ، بدليل أنه عندما عرض الأمر على عبد الله بن أبي ربيعة لم ينكره وإنما أراد منعه وحسب خوفا من أن يتسبب ذلك بقتل جعفر ورفاقه وهم أبناء رحمه ، ومن ثم فإن الآية القرآنية كانت هي وسيلة جعفر لرد التهمة عن المسلمين وإنقاذهم من بطش النجاشي الذي كان ينتابه غضب شديد في تلك اللحظة ، إذ ورد في الآيات القرآنية التي أستشهد جعفر بها في رده على تهمة عمر بن العاص ما نصه " قالت أني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا " ، إذ أشير فيها إلى الله بإحدى صفاته وهي ( الرحمن ) التي هي أيضا أسم لمعبود من معبودات اليمن الذي ربما كان مسيحيو اليمن يصفون الله به في تراتيلهم و أدعيتهم ، الأمر الذي خفف من غضب النجاشي وجعله يرفض إعادتهم إلى قريش .
وعلى الرغم من أن هذا الأمر قد يعني أن جعفر هو من ألف الآيات التي تلاها على مسامع النجاشي إلا أن هذا الأمر يمكن رده أو مناقشته بالإستناد إلى وجود وسائل أخرى يمكنها أن توصل الأفكار والمشاعر من مكان إلى آخر ، وهي وسائل جرت دراستها في علمي النفس وما وراء النفس ( الباراسايكولوجي ) ، ومن هذه الوسائل : التخاطر أو التواصل عن بعد مع الرسول محمد (ص) ، فضلا عن الإيحاء المباشر لوجود ظرف قوي يتطلب ذلك ، ومن ثم و بغض النظر عن كل ذلك فإن الأمر المهم هو إنقاذ المسلمين من الخطر وهو ما حققه جعفر بكل مهارة .
مصدر الرواية : راغب السرجاني ، خطاب جعفر بن أبي طالب أمام النجاشي ، موقع قصة الأسلام ، نشر في 21 نيسان 2010
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق