الأحد، 24 يناير 2021

محاضرتنا في قسم الآثار العراقية | كلية الآثار - جامعة الكوفة

تم إستضافتنا يوم الجمعة 22 كانون ثاني 2021 من قبل قسم الآثار العراقية في كلية الآثار - جامعة الكوفة لإلقاء محاضرة عبر منصة زوم بعنوان ( حضارة جيروفت في جنوب شرق إيران وعلاقتها بحضارة بلاد الرافدين ، إذ أدار المحاضرة التي أستمرت لمدة ساعة الدكتور حسين حسن العنزي رئيس قسم الآثار العراقية وذلك إبتداءا من الساعة السابعة و خمسة وخمسون دقيقة إلى الساعة التاسعة مساءا ، إذ تلى إلقاؤها أسئلة وتعقيبات قدمها عدد من الأساتذة الحضور فكانت عامل إثراء كبير للمحاضرة .

بعض المعلومات التي تناولتها المحاضرة

التسمية والموقع الجغرافي

جاءت تسمية هذه الحضارة من أسم إحدى المدن في محافظة كرمان التابعة لإقليم بلوشستان المحاذي للحدود الباكستانية في المنطقة الجنوبية الشرقية من إيران  ، على الرغم من وجود مواقع أثرية أخرى في المنطقة منها : سختة وشهداد وتبة يحيى وكنال صندل وغيرها ، وهي مواقع وجدت فيها آثار لحضارتين مهمتين هما : حضارة بلاد الرافدين ( ما بين النهرين ) ( ميزوبوتاميا ) في الغرب وحضارة بلاد السند في الشرق ، فضلا عن آثار يمكن ربطها بحضارة المنطقة نفسها منها : عدد من ألواح الكتابة ومدافن ومعابد وأواني خزفية وبعض التماثيل الصغيرة   .

صلتها بآراتا

أفترض المؤرخ الإيراني يوسف مجيد زادة في بحث له نشر في عام 1976 عندما كان يدرس الدكتوراه في جامعة شيكاغو في أمريكا أن جيروفت (Jiroft ) هي نفسها مدينة آراتا ( Aratta  ) التي ورد ذكرها في أساطير بلاد الرافدين  ، وقد كان لكاتب هذا المقال رأي قريب من ذلك بإشارته ببحث له إلى أن آراتا ربما تكون إحدى مدن بلاد السند أو مدينة تقع في الطريق إليها كحلقة وصل بينها وبين بلاد الرافدين ، إذ تناولت ثلاث أساطير رافدينية صراعا سياسيا شهدته المراحل المبكرة من حضارة بلاد الرافدين طرفاه مدينتي أوروك ( الوركاء ) السومرية ومدينة آراتا التي يبدو أنها كانت على صلة وثيقة بمدينة أوروك إن لم تكن إحدى مستعمراتها في المراحل الأولى من تاريخها ، لاسيما مع تزايد الأدلة على خضوع أجزاء واسعة من المنطقة   ومن ضمنها إيران لتوسع أوروك الحضاري والسياسي في الألف الرابع قبل الميلاد .

أكتشاف جيرفت

تم إكتشاف موقع جيروفت من قبل السيد محمد بهشتي نائب رئيس منظمة التراث الثقافي والسياحة الإيرانية بعد تعرض المنطقة لفيضانات عارمة في عام 2000 تسببت بجرف التربة على طول نهر هليل ، ما أدى إلى طفو آلاف القبور التي لم تكن ظاهرة من قبل ، فضلا عن ظهور آثار مختلفة أخرى منها أوعية فخارية ، وقد نجح الآثاريون في دفع الأهالي إلى تسليم عشرات الأوعية الفخارية التي وقعت أيديهم عليها بعد فيضان النهر ، كما أستطاع الآثاريون أيضا من إسترجاع عدد من القطع الأثرية التي تعود لهذه المنطقة والتي كادت أن تباع في أحد المزادات في مدينة لندن ، لكن جهود الآثاريين كانت كفيلة بإفشال ذلك وإرجاع تلك القطع إلى إيران ، فكان ذلك بداية التوجه لإستكشاف المنطقة بعد أن أثبتت الآثار غناها بالمواقع الأثرية .

بدأ التنقيبات في موقع جيروفت

بدأت التنقيبات في موقع جيروفت في عام 2001 من قبل الآثاري الإيراني يوسف مجيد زادة وأوسكار موسكاريلا ( muscarella) ، وقد أدت إلى العثور على معبد مهم وآثار أخرى منها عدة ألواح كتابية أظهرت معرفة سكان المنطقة بالكتابة ، وقد بينت المكتشفات أن ذروة تطور جيروفت زامن بداية عصر فجر السلالات الثالث أو بعد ذلك بقليل وأستمر لثلاث قرون ، أي ما بين 2500 و 2200 ق.م ، ويعتقد مجيد زادة أن دمار الموقع ربما أرتبط بتبدلات مناخية أو جفاف وما إلى ذلك  ، لتغرق هذه المنطقة بعد ذلك بسبات دام عدة قرون على الرغم من إستمرار إزدهار حضارة بلاد السند لثلاث قرون لاحقة ، إذ لم تهجر أو تخرب مدنها إلا في حدود 1900 ق.م أو قبل ذلك بقليل .

هل جيروفت حضارة مستقلة أم تابعة ؟

تشير الآثار التي عثر عليها في موقع جيروفت ومواقع أخرى قريبة منها إلى وجود صلات قوية لهذه الحضارة بحضارتي بلاد الرافدين في الغرب وبلاد السند في الشرق مع وجود سمات محلية أيضا  ، ما دفع إلى ظهور ثلاث آراء أولها : يربطها كليا أو جزئيا بحضارة بلاد الرافدين ، وأصحاب هذا الرأي هم المنقبون الأمريكان الذين نقبوا في موقع تبة يحيى في ستينات القرن الماضي ، وهناك من ربطها بحضارة بلاد السند وعلى رأس هؤلاء المؤرخون البريطانيون والهنود ، فيما يعرض رأي آخر إستقلالية هذه الحضارة وإرتباطها بسمات المكان الذي نشأت فيه ، أي منطقة محافظة كرمان أو بلوشستان الإيرانية ، وأصحاب هذا الرأي هم المؤرخون الإيرانيون وعلى رأسهم يوسف مجيد زادة ، أما نحن فلا نرى أن هذه الحضارة يمكن ربطها بحضارة معينة لوجود آثار تعرض سمات لعدة حضارات ، وهذا نابع من أن هذه المنطقة واقعة على الطريق التجاري ما  بين بلاد الرافدين وبلاد السند ، ومن الطبيعي أن نجد فيها آثارا تعود لهاتين الحضارتين .

مواقع أثرية أخرى في المنطقة

هناك مواقع أثرية أخرى وجدت في المنطقة منها موقع تبة يحيى (Tepe Yahya)) الذي نقبت فيه بعثة أمريكية برئاسة لامبرج كارلوفسكي (Lamberg-Karlovsky) عام 1967 وعثرت على آثار مختلفة بعضها نصوص مدونة بكتابة مختلفة عن الكتابة المسمارية في العراق أسموها المؤرخون بما قبل العيلامية (proto-Elamite)  ، كما عثر  على آثار تعرض صلات قوية مع بلاد الرافدين ، وموقع سختة أو شهر سختة الذي يضم مدينة تعود إلى بداية الألف الثالث قبل الميلاد وشهدت إستيطانا مستمرا لأكثر من ألف عام وهي من المدن الكبيرة إذ تصل مساحتها إلى إلى (151 ) هكتار   ، وموقع كونار صندل (Konar Sandal)  في شرق إيران الذي يضم مبنى ديني ضخم شخصه بعضهم بزقورة شبيهة بزقورات حضارة بلاد الرافدين على الرغم من أن معالم المبنى ليست واضحة تماما ، ونظرا لإن الموقع يقع جنوب مدينة جيروفت في منطقة كرمان الإيرانية فقد ربطه بعضهم بها أي بحضارة جيروفت ، فيما ربطها  عالم الآشوريات المعروف بورتو ستانكلر (Piotr Steinkeller) بمدينة مراخاشي (Marhaši) التي ورد ذكرها في النصوص المسمارية السومرية كإحدى المدن التي حكمها ملوك يتسمى بعضهم بأسماء سومرية وبعضهم خضع لملوك بلاد الرافدين  ، ما يعني أنها ربما ذات صلة بالسومريين أو أن فيها جالية سومرية .

كتابة جيروفت

عثر في جيروفت على عدة ألواح تتضمن كتابة مختلفة عن الكتابة ما قبل العيلامية التي وجدت نماذج منها في مواقع قريبة ، إذ تتمثل هذه الكتابة برموز تشبه أشكال هندسية ، ونظرا لوجود رموز شبيهة بعدة رموز مسمارية كالمثلث العاني الذي يرمز للمرأة والدائرة أو شبه الدائرة التي ترمز للشمس والعلامة التي ترمز للرجل فإن هناك إحتمال أنها جاءت بإلهام من الكتابة المسمارية أو حتى تقليدا لها ، ونحن هنا لا نتفق مع الآثاري الإيراني يوسف مجيد زادة في طرحه إختلاف هذه الكتابة عن كتابة بلاد الرافدين بل العكس هو الصحيح هي كتابة قريبة الصلة معها وإن لم تكن متطابقة معها كليا ، ولعل سبب عدم تطابقها أو تشابهها معها مرتبط باختلاف طرق تحضير الألواح أو بالأدات التي تستخدم للكتابة والتي قد لا تكون هي نفسها الأداة المستخدمة في الكتابة المسمارية وقبلها الصورية في بلاد الرافدين .

رأي البعض في أن هناك مبالغة في أهمية هذه الحضارة

يرى المنقب الأمريكي موسكاريلا أن هناك  مبالغة في تقدير أهمية هذه الحضارة مقارنة بحضارات أخرى في المنطقة ، فهي حتى في محيطها الجغرافي ليست أقدم أو أكثر تطورا من الحضارة العيلامية في جنوب غرب إيران ، ونتاجاتها من القلة بحيث لا يمكن عدها حضارة مستقلة لا سيما مع تشابه كثير منها مع حضارات أخرى محيطة بها كحضارة السند وحضارة بلاد الرافدين ، فضلا عن الحضارة العيلامية التي غطت بتأثيرها أجزاء واسعة من إيران ، كما هو الحال مع إنتشار الكتابة ما قبل العيلامية في مواقع إيرانية عدة بما في ذلك بعض مواقع جيرفت ومنها موقع كونال صندل وموقع تبة يحيى وغيرها ، وبرأينا فإن مدن منطقة جيروفت ربما تكون أقرب من حيث الوصف إلى كونها محطات تجارية منها إلى مدن أصيلة أو مستقلة ، بدليل تنوع آثارها وإرتباط كثير من نماذجها بالحضارات الأخرى وأهمها ما تم الإشارة إليها آنفا .

الخاتمة

وفي الختام نوجز أهم ما عرضناه في هذه المحاضرة بما يأتي :

1-     جاءت تسمية هذه الحضارة من أسم مدينة جيرفت مركز محافظة كرمان التابعة لإقليم بلوشستان المحاذي للحدود الباكستانية في المنطقة الجنوبية الشرقية من إيران .

2-   الآثار المكتشفة في المواقع الأثرية في المنطقة مرتبطة بثلاث حضارات مختلفة : الأولى حضارة بلاد الرافدين في الغرب ، وحضارة وادي السند في الشرق ، وحضارة تحمل سمات محلية مازالت في طور الإكتشاف يحبذ البعض تسميتها بحضارة جيرفت وفيها عناصر من الحضارة العيلامية .

3-   أفترض المؤرخ الإيراني يوسف مجيد زادة في بحث له نشر في عام 1976 عندما كان يدرس الدكتوراه في جامعة شيكاغو في أمريكا أن جيروفت هي نفسها مدينة آراتا التي ورد ذكرها في أساطير بلاد الرافدين  ، وهو رأي قريب من رأي عرضه المحاضر  في إحد بحوثه عن كون جيروفت هي إحدى مدن حضارة وادي السند أو في الطريق إليها .

4-   تم إكتشاف موقع جيروفت من قبل السيد محمد بهشتي نائب رئيس منظمة التراث الثقافي والسياحة الإيرانية بعد تعرض المنطقة لفيضانات عارمة في عام 2000 .

5-   بدأت التنقيبات في موقع جيروفت في عام 2001 من قبل الآثاري الإيراني يوسف مجيد زادة وموسكاريلا ( muscarella) ، وقد بينت النتائج أن ذروة حضارة جيروفت  عاصر عصر فجر السلالات السومرية الثالث في العراق أو بعده بقيليل وأنتهت بكارثة بيئية أو جفاف .

6-   ربط البعض هذه الحضارة بحضارة بلاد الرافدين فيما ربطها البعض الآخر بحضارة السند ، أما الإيرانيون فربطوها بحضارة محلية مازالت في طور الإكتشاف .

7-   أما نحن فلا نرى أن هذه الحضارة يمكن ربطها بحضارة معينة ، لوجود آثار تعرض سمات لعدة حضارات ، وهذا نابع من أن هذه المنطقة واقعة على الطريق التجاري ما  بين بلاد الرافدين وبلاد السند ، ومن الطبيعي أن نجد فيها آثارا تعود لهاتين الحضارتين .

8-   أهم المواقع الأثرية في المنطقة : موقع تبة يحيى ونقبت فيه بعثة أمريكية برئاسة لامبرج كارلوفسكي عام 1967 ، وموقع شهر سختة ( المدينة المحروقة ) ويضم مدينة ضخمة ، وموقع كونال صندل التي تحوي معبدا شبيها بزقورات بلاد الرافدين .

9-   بعض المؤرخين ربطوا جيروفت بمدينة مراخاشي (Marhaši) التي ورد ذكرها في المصادر المسمارية لبلاد الرافدين ، ومن هؤلاء عالم الآشوريات المعروف بورتو ستانكلر (Piotr Steinkeller) ، إذ يلاحظ تسمي بعض ملوكها بأسماء سومرية .  

10-                      عثر في جيروفت على عدة ألواح تتضمن كتابة مختلفة عن الكتابة ما قبل العيلامية التي وجدت نماذج منها في مواقع قريبة ، رموزها شبيهة بأشكال هندسية ، ونظرا لوجود رموز شبيهة بعدة رموز مسمارية كالمثلث العاني الذي يرمز للمرأة والدائرة أو شبه الدائرة التي ترمز للشمس والعلامة التي ترمز للرجل ، فإننا نرى أنها ربما جاءت بإلهام من الكتابة المسمارية أو حتى تقليدا لها ، أي على الضد مما طرحه الآثاري الإيراني يوسف مجيد زادة الذي يرى أنها كتابة مستقلة .

المصادر

[1] . Hassan Basafa, , Mohammad Hosein Rezaei, A Comparative Study of Chlorite Vessels Iconography, Discovered from HalilRud Basin Sociology and Anthropology 2(5): 196-200, 2014.

2 . Mohammadamin Emamia,e, , Mehdi Razanib, Nader Alidadi Soleimanic, Youssef Madjidzadeh , New insights into the characterization and provenance of chlorite objects from the Jiroft civilization in Iran, Journal of Archaeological Science: Reports 16 (2017) 194–204.

3. حبيب ، باسم محمد ، آراتا في ملاحم بلاد الرافدين دراسة في أحوالها السياسية والاقتصادية والإجتماعية والحضارية ، القادسية للعلوم الانسانية, 2019, المجلد 22, العدد 1, الصفحات 469-478 .

4. A Review Article of Yousef Madjidzad, Jiroft and “Jiroft-Aratta " , Dedicated to my friend and colleague T. Cuyler Young, Jr

5- Rezghirad, M. (2017). Analytical and Semantic Survey of the Symbols of the Tree of Life and Goat in Jiroft. Journal of History Culture and Art Research, 6(1), 586-601. 

 6- Excavations at Tepe Yahya, Iran, 1967-1975, Volume II.

7. حول هذا الموقع ينظر : إيران-الموسم-الأثري-للمدينة-المحروقةhttps://ar.irancultura.it/ 

8 . حول هذا الموقع ينظر : https://en.wikipedia.org/wiki/Konar_Sandal

 

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969