رواية
في حلقات
باسم
محمد حبيب
نجحت
المهدئات التي أعطاها الطبيب لي في منحي قسطا من النوم ، ولكن ليس قسطا من الراحة ،
بسبب الانقطاعات المتكررة للكهرباء ، والتي جعلتني أتصارع مع النوم كما يتصارع
المصارع مع ثور هائج ، ولم يكن الوقت يعنيني بشيء ، بقدر ما يعنيني ان احضى بقدر
من النوم ، يعيد إلى جسمي بعض التوازن الذي فقدته في الأيام الماضية ، وعندما استيقظت
من ذلك النوم غير المريح ، شعرت ببعض التحسن ، وبأنني ربما تخلصت من تلك الكوابيس
التي قضت مضجعي ، في اثناء ذلك ، سمعت صوتا قادما من المجهول ، يطلب من الركاب النزول
من السيارة ، أخذ الركاب بالنزول وأيديهم مرفوعة إلى أعلى ، يحيط بهم رجال ملثمون
مدججون بالسلاح ، أوقف الركاب في مكان بعيد عن الطريق ، خلف تله عالية ، كانوا
مجموعة متنوعة من الرجال والشباب والأطفال والنساء ، الذين بدوا وكأنهم فقدوا كل
معالم الحياة ، فبينهم الباكي وبينهم المتوسل ، فيما أخذ بعضهم يردد الأدعية
والآيات القرأنية ، وبينما هم على هذه الحالة من الخوف والرعب تقدم القيادي نحوهم
ثم قال :
-
من
منكم مسلم
رفع
الجميع ايديهم بما في ذلك الأطفال ، وما ان لمحهم القيادي حتى سألهم مرة أخرى :
-
من
منكم .... ( مذهبنا )
هنا
رفع بعضهم يده ولم يرفعها البعض الآخر ، فشعر القيادي ان هناك من يكذب في تحديد
مذهبه ، فطلب من احدنا التأكد من الهويات ، وفصل من هم من مذهبنا عن اتباع المذهب
الآخر ، ففعل صاحبنا ذلك بمهارة عالية ، ولم تسلم من تفتيشه حتى النساء ، وبعد ان
قسم الركاب إلى مجموعتين ، أمر القيادي بذبح جميع اتباع المذهب الآخر ، على ان
يبدأ بالأطفال قبل الكبار وبالنساء قبل الرجال ، لكن قبل ذلك أعلن ان إحدى الفتيات
ستكون جاريته ، فسحبها من الجمع وأوقفها خلفه ، فصاح احد الركاب ( انها ابنتي
اتركها ) ، فخاطبه أحدنا لا تخشى عليها لن تذبح مثلكم ، فصاح الرجل ( خير لي ان
تذبح من ان تكون جارية لهذا الآفاك ) ، أنزعج القيادي من وصفه بالأفاك ، فطلب البدء
به ، فما كان من الأخير إلا ان قام بسحب
عقاله ، وبدء يضرب كل من يتقدم إليه ، ونظرا لكبر سنه ، فقد تمكن احدنا من مسك
العقال وسحبه منه ، ومن ثم قام بإلقاءه أرضا في وسط بكاء عال من ابنته الواقفة خلف
القيادي ، ومن طفل يقف مع المهيئين للقتل ، بقي الرجل يقاوم على الرغم مما واجهه
من لكمات من مهاجمه ، ومن ضربات تأتيه من
آخرين هرعوا لمساعدة زميلهم ، ثم توقفت حركته بعد ان أصيب بالإنهاك ، هنا دعاني
القيادي إلى الإجهاز عليه مرددا :
-
سيكون
ثوابك عظيما يا أخي
ترددت
قليلا ، فكيف لي ان اقتل رجلا يدافع عن شرفه ؟ هل يعني هذا انني استهين بالشرف ؟ ،
شعر القيادي بترددي ، فصوب نظراته نحوي ، وخاطبني قائلا :
-
لماذا
تتردد ؟ هل تجد طلبي صعبا ؟
-
لا
بل لدي شك في أني افعل الشيء الصحيح
تذمرت
المجموعة من كلامي ، إذ بان ذلك من نظراتهم المنزعجة وأصواتهم المستهجنة ، فيما أخذ
بعضهم يوصمني بالمروق والجبن ، اما القيادي فلم ينجرف إلى الغضب الذي قد يطيح
برأسي ، بل لقد أوضح لهم حقي في الإستفسار حتى لا أكون جاهلا بتكليفي وحدود ديني ،
ثم خاطبني بهدوء ورزانة :
-
وما الذي
يجعلك تشك ؟
-
سيدي
: قال الرسول ( ص) ان من مات دون عرضه فهو شهيد ، وهذا الرجل يموت دون عرضه ، فهو
في حكم الشهيد
ابتسم القيادي وقال :
-
أرأيتم اخواني ، ان لديه فهم خاطيء لأحكام الدين ، ولذلك
من واجبنا ان نعلمه ، حتى يتصرف عن رضا واقتناع ، فهو يعتقد ان الرجل الذي حكمنا
بموته ، ينطبق عليه وصف الشهيد ، لأنه اعترض على جعل ابنته جارية لنا ، وما اود ان
أوضحه لأخي ، ان هذا الرجل اعترض على حق شرعه الله تعالى لنا ، لذلك فهو يستحق العقوبة ليس بوصفه مارق عن
الدين وحسب بل ومعترض على حكمنا الذي يرتبط بتنفيذ حد من حدود الله أيضا ، فأطمئن أخي
وقر عينا .
وعلى
الرغم من كلمات القيادي فأنني لم اشعر بالراحة ، لكنني شعرت ان أي اعتراض آخر من
قبلي سوف يطيح حتما برأسي ، وهو لن ينقذ الرجل الذي سيموت سواء بيدي او بيد غيري ، لذلك قررت ان أنفذ ما طلب
مني حتى لا يكون لهم علي سبيل ، نظرت إلى الرجل الملقى على الأرض والممسوك بقوة ، فهالني
منظره الساكن ، فهل استسلم الرجل فجأة بعد ان أعياه دفاعه عن نفسه ام انه فقد
صوابه بعد ان عرف مصيره ؟ قربت سكيني منه ، وفي تلك اللحظة المربكة ، لمحت دمعة
تتسلل من أحد عينيه ، لا ادري ان كانت دمعة خوف ام حزن ، ام دمعة خرجت دون إرادة
منه ، وبينما كنت انازع أرتباكي وحيرتي ، باغتني صوت زوجتي وهي تدعوني للطعام ، لقد
كان بحق كابوسا مريعا .
يتبع
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق