الأحد، 22 مارس 2026

الحرب الحالية وأثرها في تغيير المفاهيم والاستراتيجيات والإيديولوجيات

باسم محمد حبيب 

انا من الذين يرون ان الحرب الجارية في المنطقة ربما ستؤدي إلى أحداث تغييرات كبيرة لن تقتصر فقط على الرؤى والتوجهات السياسية بل وحتى على المفاهيم والاستراتيجيات والإيديولوجيات المتعلقة بمنطقتنا ، وأول شيء


سوف يتغير هو مفهوم العدو لدى دول المنطقة  الذي لن يكون محددا كالسابق كنتاج لخلفيتها الدينية والأيديولوجية بل سيغدو عائما تبعا للمواقف والمصالح كما لدى الغرب او الفلسفة البرغماتية ، و سيتم التخلي من قبل الغرب عن مفهوم توازن القوى الذي عمل عليه في منطقتنا بكونه الوصفة المطلوبة لضمان مصالحه وتحقيق أهدافه ليحل محله مفهوم الإضعاف لكل من يشكل خطرا آنيا او مستقبليا او حتى الانسحاب والبحث عن مناطق نفوذ جديدة ، لان توازن القوى الذي اراده الغرب في المنطقة لم يؤدي الى ما كان يأمله من حماية مصالحه وضمان الاستقرار الذي تحتاجه ، فايران التي نظر لها الغرب كعامل توازن وعنصر مرن في المعادلة الإقليمية بات يراها كخطر يهدد مصالحه وينسف أهدافه ، لانها عملت على خلق استقطاب إسلامي ما كان الغرب يرى بانها ستحققه بالنظر لما بينها وبين غالبية العالم الإسلامي من اختلاف مذهبي ، فهو ربما قد راهن على اثر هذا الاختلاف في تبني ايران لسياسة اكثر ابتعادا او اختلافًا مع ما يتبناه محيطها الغير متماثل معها مذهبيا ، ما يجعلها اكثر توافقا مع الغرب وفي اسوأ الأحوال عاجزة عن تهديد نفوذه ومصالحه في المنطقة ، بخلاف ان كانت الدولة من المذهب الاخر الأوسع انتشارا الذي سيجعلها ذات تأثير أكبر وأخطر ولديها دافعا لتحديه ومناجزته  ، لكن ايران في ظل حكومتها الإسلامية حطمت توقعات الغرب عندما تبنت سياسة الاندماج مع محيطها عوض التحالف مع الغرب التي كانت تتبناه الحكومات الإيرانية السابقة ، والأكثر من ذلك عملت على تبني قضاياه وفي مقدمتها القضية الفلسطينية الأكثر حساسية لدى الغرب لارتباطها بالشأن اليهودي الذي هو من اكثر الشؤون اهمية لدى الغرب ، وهذا ما غير من نظرة الغرب نحوها الى درجة أدت به الى وضعها على لائحته السوداء ، الأمر الذي أدى إلى خسارة ايران للمكاسب السياسية والاقتصادية التي كانت ستحظى بها فيما إذا تماهت مع ما كان يتوقعه الغرب منها او ما يفرضه وضعها وظروفها ، ما دفع باسراييل إلى عد النهج الإيراني الجديد تهديدا وجوديا لها ، وبات ينظر إلى ايران على انها العدو الاكثر خطورة لها الباقي في الساحة بعد ان أنهار او طبع معها  اعداؤها الآخرون ، وهذا ما سمح لاسراييل وبالتعاون مع امريكا الى إظهار نفسها بمظهر المنقذ للعالم عامة والغرب خاصة من الأيديولوجية الإسلامية المتشددة والمحرضة ضد النفوذ الغربي التي تتبناها ايران في المنطقة ، والطعن بالاستراتيجية الغربية التي ترى ضرورة ان يكون هناك توازن بين القوة الشيعية التي تمثلها ايران والقوة السنية المقابلة لها التي تمثلها دول عدة في المنطقة ، كذلك جعلها تظهر بمظهر الحامي للمنطقة مما اسمته التغول الايراني ، لوجود مخاوف لدى دول المنطقة من النفوذ الإيراني الذي ازداد بعد الثورة الإسلامية كنتاج طبيعي لتوق الغالبية من سكان المنطقة لإحياء ارثها الإسلامي الذي رأت انه تعرض للاندثار بتأثير الوهج القادم من الحضارة الغربية والإيديولوجيات العلمانية المرتبطة بها ، ومن ثم تحقيق هدفين : أولهما إخراج القضية الفلسطينية من كونها اولوية عربية ، و تحشيد العرب ليكونوا إلى جانب اسراييل او على الأقل تحييدهم في أي مواجهة تنشب بينها وبين ايران ، فيما رأى الجانب الإيراني في الفورة الإسلامية التي شهدتها المنطقة تأكيدا على ان النموذج الإيراني هو ما تحتاجه المنطقة لتضمن حضورها وتحقق استقلالها في عالم لا يأبه إلا للأقوياء فيما يكون مصير الضعفاء السحق و الإبادة ، وايضاً فرصة لايران ذات التاريخ الإمبراطوري العريق لفرض نفوذها وإعلان حضورها كقوة إقليمية مهيمنة كما كانت في السابق ، إلا ان هذه الرؤية أغفلت ارث العداء الطائفي الذي اشتمل على قرون من الخلافات والصراعات والذي جرى استحضاره او برز بذاته ليكون مناقضا لهذا المسار ، فضلا عن وجود قوى في المنطقة ترى في النموذج الإيراني تهديدا لنفوذها ومصالحها او تدخلا في شؤونها ، لذا لم تجد غضاضة في ان تقف ضده حتى مع ما عد عدوا من ارثها السياسي والثقافي ، الأمر الذي يؤكد ان مفهوم العدو لديها لا يرتبط كما يشاع في الادبيات السياسية بما يمثله من تهديد بل بالحاجة السياسية له ، فالأنظمة السياسية التي ظهرت في المنطقة العربية بعد سقوط الدولة العثمانية لم تجد للحظيان بدعم شعوبها بدا من إظهار نفسها بمظهر البطل المدافع عن حياض العقيدة والدين ضد من يعاديهما في حين هي - و هذا حال الغالبية من الأنظمة الأخرى - لا تأخذ من الدين إلا رسمه ومن العقيدة إلا قشورها لان أهدافها سياسية اكثر منها دينية ، اذ يرجح ان يكون للقوى الغربية التي هيمنت على المنطقة بعد الحرب العالمية الاولى الأثر في خلق هذا التحديد للعدو وان كان ذلك بشكل غير مباشر  ، وذلك لتضرب عصفورين بحجر واحد : تكرس وجود الأنظمة التي أسستها وتجعلها قادرة على البقاء ، وتبعد اليهود عن اوربا وتشغلهم عن الانغماس في قضاياها و إخضاعها لسيطرة رأسمالهم الذي صنع في اوربا والغرب عامة نفوذا كبيرا ، وبالتالي ما ان وجدت هذه الأنظمة خطرا جديدا يهددها حتى أبدلته بعدوها القديم الذي باتت تراه على العكس من ذلك حاميا ومنقذا ، اما السؤال عن من حقق ذلك : هل هي الدوائر الغربية ام الاسرائليه ؟ فعلى ما يبدو ان كلاهما كان له الاثر في حصول ذلك وان كانت الأرجحية للدور الاسرايلي ، واذا كان هذا امر منطقي بالنسبة للإسرائليين ، فإنه يحتاج الى تفسير بالنسبة للغرب لانه يناقض ما عرضناه عن دورهم في صناعة مفهوم العدو للأنظمة التي أسّسوها في المنطقة ، لكن يمكن ان يكون الأمر مفهوما إذا ربطناه بالتطورات التي شهدها الفكر السياسي الغربي و رؤاه الاستراتيجية بعد ان لمس هذا الفكر التهديدات التي تواجهها الهوية الغربية من الهويات الأخرى ، اذ بات خطر هذه الهويات ليس نابعا فقط من تبنيها للحضارة الغربية الأكثر تطورا ومنافستها للغرب تكنولوجيا واقتصاديا بل ومن محاولة غزوه ديموغرافيا لإنتاج اكثرية غير غربية في عقر أرض الغرب ، ومن ثم فان اشغال تلك الهويات بصراعات داخلية سيمنح الغرب فرصة لشن هجوم معاكس باتجاهين : باتجاه ما يهدد جبهته الداخلية وهو التغير الديمغرافي و التغلغل الحضاري ، و باتجاه ما يهدد سيطرته ونفوذه وتمثله القوى الاقتصادية المنافسة والعقائدية المناهضة للغرب ، فوجد ضالته في انتاج مراكز قوى جديدة متنافسة و دعم احياءً الهويات الفرعية والحركات الأصولية حتى يتخلص الغرب مما يتهدده ، ولان بقاء اسراييل كعدو يمنع خلق استقطاب داخلي ، فجرى تغيير مفهوم العدو ليكون ملائما لهذه المرحلة ، لكن مثل هذا الأمر لا يخلو من خطر بالنسبة للغرب ، لانه سيزيد من عدد الاعداء و  ربما حتى من مستوى الخطر الذي يهدده ، لانه لا شيء يضمن ان لا يكتسب بعض هؤلاء الاعداء خبرات تمكنهم من مناجزة الغرب بعد ان يحسموا حربهم الداخلية او الخارجية ، فصمود ايران سيجعل منها قوة ليست إقليمية فقط بل وحتى دولية بعد ان تكسب قلوب الأغلبية في المنطقة ممن ستراها نموذجا في مواجهة الغرب ، اما انهزامها فقد لا يؤدي كما يتأمل الغرب إلى استسلام المنطقة له وخضوعها لنهجه الحضاري ورؤيته الأيديولوجية ، او حتى انتهاء الصراع المرتبط بالقضية الفلسطينية ، لان البديل قد يكون اكثر تشددا وتطرفا ، وهي الأصولية الدينية المعادية لكل ما هو غربي والتي ستظهر كنتاج لاختفاء الأصولية المناهضة لها الأقل تشددا تجاه الغرب ، ومن بين هذا وذاك يبقى السؤال الأكثر اهمية الذي نختم به هذا المقال : كم ربحت ايران وكم خسرت من سياساتها السابقة والحالية ؟ فهذا ما يحدد قيمة او جدوى اي سياسة من السياسات .                                         

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969