أ.م.د باسم محمد حبيب
مدرس في المديرية العامة لتربية ذي قار | قسم الرفاعي
الملخص العربي
مملكة حدياب من الممالك التي نشأت في العصر الفرثي في منطقة بلاد آشور القديمة شمال بلاد الرافدين ، إذ كان للطابع اللامركزي الذي تبنته الدولة الفرثية في إدارتها لأقاليمها أثره الكبير في ظهورها ، فنشأت فيها أسرة حاكمة كان أهم ما قامت به إعتناقها لليهودية ، فيما بلغ بعض ملوكها من القوة ما جعلهم يتمردون على أسيادهم الفرثيين ، فضلا عن تحدي الأمراطورية الرومانية التي كانت تعيش آنذاك أزهى عهودها ، بدعمهم لليهود في حربهم ضد الرومان بين عامي 68 – 70 م ، الأمر الذي دفع الرومان إلى غزوهم ، الذي وأن أنهى حكم الأسرة الحاكمة ، إلا أنه لم ينهي وجود مملكة حدياب التي عادت للظهور فور إستعادة الفرثيين للمنطقة ، إذ لم ينتهي إستقلال حدياب إلا بعد سقوط الدولة الفرثية ومجي الدولة الساسانية التي تبنت الطابع المركزي في إدارتها للأقاليم الخاضعة لسلطتها .
الكلمات المفتاحية : حدياب ، مملكة حدياب
abstract
Hadyab Kingdom from 15-236 AD
Prof. Dr. Basim Mohamed Habib
A teacher at the General Directorate of Education of Dhi Qar | Rifai department
The Kingdom of Hadyab is one of the kingdoms that arose in the Parthian era in the region of ancient Assyria, north of Mesopotamia, as the decentralization adopted by the Parthian state in its management of its regions had a great impact on its emergence. Of strength, what made them rebel against their Parthian masters, in addition to challenging the Roman Empire, which was then living its brightest era, by supporting the Jews in their war against the Romans between the years 68-70 AD, which prompted the Romans to invade them, which ended the rule of the ruling family, but it The existence of the Kingdom of Hadyab, which reappeared, did not end immediately after the Parthians regained the region, as the independence of Hadyab did not end until after the fall of the Parthian state and the advent of the Sasanian state, which adopted the central character in its administration of the territories under its authority.
Hadiab, Kingdom of Hadiab
المقدمة
مملكة حدياب من الممالك التي ظهرت في مدة سيطرة الفرثيين على بلاد الرافدين ، إذ نشأت في الفضاء الجغرافي والتاريخي لبلاد آشور ، إذ كانت واحدة من ممالك عدة ظهرت في بلاد الرافدين في العصر الفرثي ، إنطلاقا من السياسة العامة للأمبراطورية الفرثية التي كان من أهم سماتها منح الأقاليم سلطات واسعة في إدارة شؤونها ، وبما لا يخل بولائها لمركز الأمبراطورية في طيسفون .
لقد جاء هذا البحث ليسلط الضوء على تاريخ هذه المملكة ، وأهم إسهاماتها في مجرى أحداث عصرها ، فضلا عن إستجلاء أهم إسهاماتها الحضارية ، ومدى إرتباطها بأرث حضارة بلاد الرافدين ، في وقت توافدت فيه كثير من الحضارات إلى المنطقة ، ومنها الحضارة الأغريقية التي جاء بها الأسكندر المقدوني ، والتي تلاقحت مع حضارات المنطقة ، ليتكون منها مزيجا حضاريا أطلق عليه بالحضارة الهلنستية .
أما ما شجع الباحث على كتابة هذا البحث ، فهو ندرة الدراسات التي تناولت حدياب ، إذ لاحظ الباحث أن ما كتب عنها يكاد لا يقارن بما لها من أهمية تاريخية وحضارية ، ولعل من أسباب القصور في تعاطي الباحثين مع تاريخ هذه المملكة ، هو ندرة الآثار والكتابات التي تتناول تاريخها ، فهي من القلة بحيث تجعل من الصعوبة إعطاء صورة عن خطوط تاريخها العامة ، فضلا عن مجتمعها واقتصادها وحضارتها ، لذا نأمل أن يكون هذا البحث مفيدا في إعطاء نبذة عن تاريخ هذه المملكة ، وإيضاح خطوطه العامة ، وحسبنا أن نفتح الطريق لمزيد من الدراسات حولها ، فضلا عن تشجيع التنقيب في مواقعها الأثرية ، لإكتشاف المزيد من أبداعاتها ومنجزاتها والله الموفق .
1- الجغرافية – التسمية - السكان
تقع مملكة حدياب ضمن الإطار الجغرافي الذي كانت تحكم فيه دولة آشور ، أو ضمن الإطار الحضاري الذي اشتمل على الشق الشمالي من حضارة بلاد الرافدين ، وعلى الرغم من أن مملكة حدياب لم تقف عند حدود معينة ، إلا أنها إجمالا لم تخرج عن المنطقة الممتدة من المنطقة الجبلية العراقية شرقا إلى نهر الفرات غربا ( شكل 1)، وضمت في الغالب معظم المدن الآشورية القديمة (الموصلي، 1971: ص 19) ، أما حدودها السياسية فلم تكن ثابتة عموما ، بل كانت تخضع للتطورات والأحداث السياسية ، فتارة تتقلص حدود الدولة حتى أسوار أربيل ، وتارة أخرى تتوسع لتشمل أجزاء من سوريا الشمالية واسيا الصغرى ، أما تسمية حدياب فهي تعريب للفظة حديابين أو اديابين (Adiabene) الآرامية ، والتي هي – على الارجح - مشتقة من لفظة ( زابين ) التي تطلق على المنطقة المحصورة بين الزابين الأعلى والأسفل (باقر ، 1962: ص4 .)، و الزاب يلفظ بالآرامية بهيئة ( داب ) ، أما الجغرافيون العرب فأطلقوا تسمية ( حزة ) على هذه المنطقة ، وهي تسمية لعلها مأخوذة من لفظة حدياب نفسها (باقر ، 1962: ص2 .) ، لاسيما وأن كتابات المؤرخين العرب دونت في المدة التي باتت فيها تسمية حدياب هي التسمية الشائعة ، ومن ثم يحتمل أنهم أخذوا هذا الأسم منها ، أما عاصمة المملكة فقد اتفقت المصادر المختلفة على أنها مدينة اربيل التي تعد من المدن القليلة التي يمتد عمرها إلى أكثر من أربعة آلاف سنة (الإمام: http://samyalemam.blogspot.com/2018/03/blog-post_86.html) ، إذ كانت إحدى المدن المهمة في المملكة الآشورية منذ تأسيسها في منتصف الألف الثالث قبل الميلاد ، إذ كانت مركزا عبادة الآلهة المسماة ( عشتار أربيل ) ، إذ أشار نص يعود إلى الملك الآشوري سنحاريب ( 705 – 681 ق.م ) ، أن مدينة أربيل هي موطن الإلهة العظيمة عشتار وذلك بما نصه : " أنا سنحاريب ملك العالم وبلاد آشور ، حفرت ثلاث أنهر في جبال ( خاني ) ، في أعلى مدينة أربيلا ، موطن السيدة الجليلة الإلهة عشتار ، جاعلا مجاريها مستقيمة " ( Safar : ص 23 – 25.) ، أما أسم أربيل ، فبحسب ما أشار (وولي) في كتابه السومريون ) صفحة (74) أنه ورد في نصوص ملوك سلالة أور الثالثة بهيئة ( Urbila) (جميل، 1969: ص 223 .) ، وهذه التسمية ربما تكون مأخوذة من لفظة (أور) ( Ur) التي يشار بها إلى معنى المدينة في اللغة السومرية ، فضلا عن لفظة ( بيلا ) ( Bila ) والذي تعني المرتفع ، فيكون معنى أسم المدينة : المدينة المرتفعة ، أما النصوص البابلية والآشورية المكتوبة باللغة الأكدية فأوردته بصيغة ( Irba - ilu) ( جميل، 1969: ص 220 .)، التي يمكن ردها إلى مقطعي ( أربا ) الذي يشير إلى العدد أربعة ، و المقطع ( أيل ) الذي يشير الى معنى الإله ، فيكون معنى أسم المدينة الآلهة الأربعة ، كذلك سميت المدينة بـ ( أولير ) أو ( هولير ) التي يرى البعض أنها تصحيف للفظة أربيل ، فيما يرى رأي آخر خلاف ذلك (جميل، 1969: ص 220 .)، إذ قد تكون تسمية أطلقت من قبل الأكراد دون أن يكون لها صلة بتسمية أربيل ، وعلى ما يبدو كانت مدينة أربيل تشتمل على تنوع سكاني كبير ، لأنها كانت تستقبل الكثير من الهجرات التي تأتيها من الجبال المحيطة بها أو من منطقة الجزيرة الفراتية و من جنوب العراق ، ما جعلها تضم ومنذ العصور الآشورية جماعات مختلفة من الكوتيين واللولوبيين والسومريين والأكديين و الحوريين والميتانيين والآراميين ، وبالتأكيد كان الآشوريين هم الجماعة الأكثر أهمية في تلك المدة بحكم سيطرتهم على أربيل لما يزيد على ألفي سنة (باقر، 2009: ص 517 – 597 .) ، لكن مكانة الآشوريين في اربيل قلت بعد سقوط الدولة الآشورية عام 612 ق.م ، إذ توافدت عليها بعد هذا التاريخ مجموعات سكانية جديدة كالميديين والفرس والأسكيثيين والأغريق واليهود وغيرهم ، لكن المدينة بقيت على الرغم من ذلك تحمل بصمات الحضارة الرافدية بشطرها الآشوري (باربولا، 1999).
2- ملوك حدياب
جاء نشوء مملكة حدياب نتيجة للسياسة العامة للإمبراطورية الفرثية ( 140 قبل الميلاد إلى 226 ميلادية ) التي تعطي للأقاليم حريات واسعة في إدارة شؤونها الداخلية ، وتسمح لها بممارسة نوع من الاستقلال ضمن محيطها الجغرافي و بما لا يتناقض مع السياسة العامة للإمبراطورية ، ونظرا لقلة التنقيبات الأثرية و ندرة الكتابات العائدة إلى هذه المدة ، فقد صعب على الباحثين تتبع المئة سنة الأولى لنشوء مملكة حدياب ، و يمكن عد الملك إيزاد (Izates ) الأول من الملوك الأوائل لحدياب ، و ربما يكون هو صاحب التمثال الذي عثر عليه في مدينة حطرا ( الحضر ) (*)، إذ نقش على التمثال نصا مدونا باللغة الآرامية ورد فيه أن هذا " تمثال أثلو ملك ( نتون أشري ) عابد الإله المبارك "(زامو وآميدي، 2011: ص236) ، إذ يعتقد بعض المؤرخين أن (نتون أشري) التي ورد ذكرها في النص هي مدينة أصبحت عاصمة لمملكة حدياب لمدة قصيرة ، ونظرا لأن أسم الملك الوارد ذكره في التمثال ليس قريبا من أسم أيزاد ، فهناك شك في نسبة التمثال إليه ، فقد يكون عائدا إلى ملك آخر مازال مجهولا لنا ، أو ربما ملكا للمملكة أخرى غير حدياب ، كما يمكن أن تعني لفظة أشري الإله ( آشور ) ، أعظم الآلهة الآشورية طرا ، وهناك تمثالا آخر يحتمل أنه أيضا لأحد ملوك حدياب نظرا لتشابهه مع التمثال السابق ، منحوت على جبل (بيرة أم كرون) ، لكن دون معرفة من هو الملك صاحب التمثال زامو و آميدي، 2011: ص236) ، ثم جاء الملك (مونوباز) (Monobazus) الأول الذي ذكر المؤرخ اليهودي الروماني يوسفوس فلافيوس ( yosephos flavius) أنه بتأثير وجود جالية يهودية كبيرة في مملكته فقد تحول إلى اليهودية ، ويربط ذلك بقصة مضمونها قيامه بأرسال أبنه (أيزاد الثاني) ( 30 – 36 م ) إلى مملكة ميشان ( ميسان ) وهو محمل بالهدايا الثمينة ، من أجل توطيد أواصر الصداقة مع ملكها ( عبد نركال ) ، والتفاهم مع رؤساء القوافل الذين كانت مدينة فرات الميسانية محطتهم الرئيسة ، فألتقى الأمير هناك بالتاجر اليهودي ( حنانيا ) الذي عرض عليه اعتناق اليهودية فأعتنقها (قزانجي، 2010: ص 44 .) ، وعندما عاد إلى بلاده وجد والدته هيلاني (Heleni) وأبيه قد أعتنقا اليهودية أيضا ، وورد في المشنا اليهودي قيام مونوباز الأول بصنع مقابض ذهبية لكل أدوات الخدمة التي تستعمل في يوم الغفران ( كيبور ) ، أما هيلاني فتبنت صناعة ثرية ذهبية وضعت في مدخل الهيكل ، فضلا عن حلية ذهبية دون عليها فقرة سوطا | المرأة المنحرفة ، وهي طقس خاص بالمرأة المشكوك بخيانتها (المشنا | يوما 3: 1) ، وقد أنتقلت الملكة هيلانة للسكن في مدينة أورشليم ، وبنت لها هناك مقبرة كبيرة دفنت فيها مع ولدها أيزاد ، مازالت آثارها شاخصة إلى الآن (سامي الإمام: http://samyalemam.blogspot.com/2018/03/blog-post_86.html)، وفي عهد الملك (أيزاد الثاني) بلغت مملكة حدياب أقصى أتساعها ، على أثر أستقباله للملك الفرثي أرتبان الثالث ( 11 – 38 م ) الذي لجأ إليه بعد نشوب ثورة ضده ، فأكرم إيزاد وفادته حتى عاد إلى عاصمته منتصرا ، وردا لجميل إيزاد قام بتكريمه وتوسيع رقعة مملكته (قزانجي، بلا: ص 27 .) ، وأستمرت قوة مملكة حدياب بالتصاعد في عهد الملك التالي أيزاد الثالث ( 36 – 60 م ) ، الذي روى المؤرخ يوسفوس قصة حربه ضد أبيا أو أبياس ملك العرب الذي نقم عليه يهوديته ، فحاصره إيزاد في مدينة أرسيس التي ربما هي مدينة حطرا ( الحضر ) ، ولما شعر أبياس أنه سيقع بالأسر ألقى نفسه من أعلى الحصن ومات (الملاح، 1971: ص 141) ، أما في عهد الملك مونوباز الثاني فقد تعرضت حدياب للهجوم من قبل الملك تيكران السادس ملك أرمينيا ، ما دعا مونوباز إلى الإستنجاد بالملك الفرثي بلاش الأول ، الذي قام بإعداد حملة عسكرية بالإشتراك مع مونوباز الثاني تمكنا خلالها من محاصرة عاصمة أرمينيا (تيكرانوكرات) عام 61 م دون التمكن من فتحها (ميثم عبد الكاظم النوري ، 2017: ص 93 – 94) ، كما ذكر يوسفوس مشاركة الملكين مونوباز الثاني و ( كينداي ) (Kindai ) الذي جاء بعده في الحرب التي نشبت بين اليهود والرومان بين عامي 68 و 70 م ، والتي نتج عنها سقوط أورشليم بيد الرومان في زمن الأمبراطور الروماني نيرون (الإمام: http://samyalemam.blogspot.com/2018/03/blog-post_86.html).
أما نهاية مملكة حدياب فيرى البعض أنها تمت على يد الأمبراطور الروماني تراجان عام 116 م في حملته الشهيرة على بلاد الرافدين ، إذ ما أن سمع ملكها (مهرا سابيس) (Meharaspes) بالحملة حتى هرب مع عائلته إلى مدينة همدان ، وعلى أثر ذلك قام تراجان بتحويلها إلى ولاية رومانية تابعة لإمارته في أنطاكيا (قزانجي، بلا: ص 29 .) ، لكن بعد عودة المنطقة إلى الحكم الفرثي ، أستعادت مملكة حدياب نقوذها مرة أخرى ، إلا أنه لا توجد معلومات كافية تعرض لأوضاع مملكة حدياب في المدة التي تلت ذلك ، ومما ورد في أحد المصادر ، أن الملك ( نرسي ) (Narsai) ملك حدياب ، رفض مرافقة الملك الفرثي ولغاش الرابع ( 191 – 208 م ) في إحدى حملاته العسكرية ، ما دعا الأخير إلى مهاجمته وقتله بإغراقه في النهر (الموصلي، 1928: ص15) ، كما ورد ذكر ملك آخر أسمه ( أفراهاط ) أو أفراتس (Aphraates) قام بمرافقة الملك الفرثي أرتبان الرابع ( 208 – 226 م ) في حروبه مع القائد الروماني (مقرينس) قائد جيوش الأمبراطور (كراكلا) (الموصلي، 1928: ص14-15) ، لكن أفراهاط وبعد تعرضه لحملة من القائد مقرينس الروماني عام 216 م أضطر لمهادنة هذا القائد ، ولخشيته من غضب الملك الفرثي أتفق مع الفرس الذين تحركوا للقضاء على حكم الفرثيين ، فكانت النتيجة سقوط الدولة الفرثية عام 226 م (الموصلي، 1928: ص15).
لقد أوردت المصادر تمردا قام به ملك حدياب ( كوبرا شنسب )( kubrashnseb ) ضد الساسانيين عام 236 م ، ولما لم يستطع القائد الساساني ( ذرهاسب ) أختراق حصون المدينة ، لجأ إلى حيلة المهادنة وطلب الصلح ، مغلظا الأيمان لحاكم حدياب بأنه لن يلقى مكروها منه ، لكن ما أن أستسلم الملك حتى قبض عليه وأرسل إلى طيسفون ، وهناك تم قشط جلده حيا ثم علق في إحدى ساحات المدينة (الموصلي، 1928: ص16-17).
لكن بعد سيطرة الفرس الساسانيين على الحكم في طيسفون أتبعوا سياسة مركزية في حكم أمبراطوريتهم ، فكان أن أثر ذلك على مركز حدياب التي نزلت مرتبتها إلى مرتبة ولاية يحكمها ولاة تابعون للملك الساساني ، ونظرا لأن بعض المصادر لاسيما المسيحية منها ، ذكرت وجود ملوك لحدياب في العهد الساساني ، فقد رأى بعضهم أن مملكة حدياب أستمرت قائمة في العهد الجديد ، إلا أن هذا الأمر جرى رفضه من قبل بعض الباحثين الذين رأوا أن هؤلاء ليسوا ملوكا بل ولاة عدتهم المصادر المدونة ملوكا بحكم ما في كتابات ذلك العصر من المبالغة والرغبة في توقير الحكام (الموصلي، 1928ص17).
3- اللغة والديانة والاقتصاد
على الرغم من تنوع الأعراق الساكنة في مملكة حدياب ، إلا أن اللغة التي كانت منتشرة فيها هي اللغة الآرامية التي هي أيضا لغة الأمبراطورية الفرثية (الموصلي، 1928: ص20) ، ومما يؤكد ذلك النص المنقوش على التمثال الذي عثر عليها في مدينة الحضر ( حطرا ) والذي سبقت الإشارة إليه ، فضلا عن النقوش التي عثر عليها في مدينة نصيبين عام 1955 ، التي هي من المدن التي كانت تابعة لمملكة حدياب .
أما ديانة سكان المملكة ، فالغالب أنها لم تكن ديانة واحدة ، فهناك إشارات إلى أعتناق سكان المملكة لأكثر من ديانة تبعا لتنوع أصولهم ، فهناك من يعتنق الديانة الرافدية القديمة التي كانت الديانة الرسمية لبلاد آشور ولعل التمثال الذي عثر عليه في حطرا ( الحضر ) ، هو خير دليل على ذلك ، لوجود لفظة يحتمل أنها تشير إلى الإله آشور كبير آلهة الآشوريين ، فضلا عن أعتناق البعض للديانة الفارسية التي تعد من الديانات الرئيسة في الدولة الفرثية ، أما الديانة اليهودية التي أعتنقها بعض ملوك حدياب ، فعلى الأرجح أنها كانت موجودة في حدياب قبل إعتناق هؤلاء الملوك لها ، لوجود جالية يهودية تعد من بقايا الأسر الآشوري الذي جرى في عهد الملك شلمنصر الخامس ( 727 – 722 ق.م ) (سفر الملوك الثاني 17 : 6)، ولعل المؤرخ اليهودي الروماني ( يوسفوس فلافيوس ) من الذين أكدوا إنتشار اليهودية في حدياب ، ليس بين السلالة الحاكمة فقط بل وبين العامة أيضا (عن علي، 2001: ص 514) ، كما شهدت حدياب إنتشار المسيحية بعد عقود قليلة من ظهورها في فلسطين إذ يرجعها أحد الآراء إلى عام 104 م ، أما أول من رقاها إلى مرتبة مطرانية فهو الجاثليق ( فافا ) سنة 300 م ، إذ أصبحت مدينتا عبرايا ( الموصل ) وأبانوهدار ( دهوك ) أسقفيتين تابعتين لها (القصاب، 1988: ص 123 – 126) ، ومنذ القرن الثاني الميلادي ترك الآراميون والبابليون والآشوريون المسيحيون تسمياتهم القديمة وأطلقوا على أنفسهم تسمية سريان ، تمييزا لهم عن الوثنيين من أبناء جلدتهم ، وذلك لأن المسيحية جاءتهم من سوريا (روفائيل: 1948، ص: (و) من التوطئة) ، أما تنصير العائلة المالكة في حدياب ، فتشير إحدى الروايات أنه جرى بعد مأساة كبيرة تمثلت بقيام ( سنحاريب ) حاكم حدياب بقتل ولديه بهنام وسارة بعد سماعه بإعتناقهم المسيحية عام 352 م ، لكنه ندم بعد ذلك فنبذ الوثنية ، وعمر هيكلا في جبل قاف للقس متي ورهبانه ، وشيد بأسم ولديه هيكلا آخر في محل قتلهما (الموصلي، 1928: ص20) ، ولأن الديانة الأيزيدية نشأت في الفضاء المكاني لمملكة حدياب ، فمن المحتمل أن تكون نتاجا لتوحيد لديانات عدة كان يعتنقها سكان المملكة ، وأنها ربما جاءت بدعم من الملك ( إيزاد الثالث ) ( 36 – 60 م ) ، الذي يحتمل أن الديانة تسمت بأسمه ، إذ من مصلحة هذا الملك القوي توحيد معتقدات رعاياه في معتقد واحد يضمن لمملكته الوحدة والتماسك ، أما أقتصاد حدياب فيرتكز بالدرجة الأساس على الزراعة ، لما تمتاز به أرضها من الخصب ووفرة المياه بوجود نهر دجلة وروافده ، أما القطاع الآخر المهم فهو قطاع التجارة ، لأن حدياب تقع على الطريق الموصل بين الشرق والغرب ، فتمر بها القوافل التجارية القادمة من الصين والهند وبلاد فارس والمتجهة إلى روما وبالعكس ، فضلا عن القوافل التي تنتقل بين حدياب والرها وأنطاكيا (الموصلي، 1928: ص10) ، ولقد أشرنا فيما سبق ، لإرسال الملك مونوباز الأول لولده أيزاد إلى مملكة ميشان ، من أجل الإتفاق مع رؤساء القوافل في مدينة فرات الميشانية على إقامة علاقات تجارية مع مملكة حدياب ، وهذا يؤكد حرص الملوك في حدياب على ديمومة التبادل التجاري الذي يلبي إحتياجات حدياب من السلع والبضائع، ويضمن تصدير منتجاتها إلى الممالك الأخرى وبما يأتي بالنفع على أهالي حدياب ، فضلا عن ضمان الحصول على الإيرادات المالية التي يتم الحصول عليها من الضرائب التي تفرض على القوافل التجارية التي تمر عبر أراضي مملكة حدياب .
4- العمارة والفن والثقافة
من المواقع الأثرية المهمة التي جرى إكتشافها مؤخرا والتي يمكن أن تقدم لنا صورة عن واقع العمارة في مملكة حدياب ، موقع مدينة ناتونيا ( Natunia ) الأثري المأخوذ أسمها من أسم الملك الحديابي ناتونيسار ( natunissar ) ، والتي تم التعرف عليها من العملات المعدنية التي عثر عليها في مدينة نصيبين في عام 1955 ، إذ تعد مدينة نصيبين من المدن التي كانت عائدة إلى مملكة حدياب ، إذ عثر في الموقع على بقايا قلعة يحتمل أنها من تشييد ملوك حدياب ، وبحسب مكتشف المدينة مايكل بارون (Michael Brown) الباحث في جامعة هايدل بيرغ الألمانية : أن النقوش البارزة والتماثيل التي عثر عليها في أطلال المدينة متشابهة في أسلوبها مع صور ملوك حدياب المنقوشة على العملات المعدنية التي عثر عليها في نصيبين ( شكل 2 )، فضلا عن التماثيل التي عثر عليها في مدينة حطرا ( الحضر ) والتي تمت نسبتها إلى ملوك حدياب (العراق .. أكتشاف إنقاض إحدى القلاع المفقودة للملكة البارثية ، روسيا اليوم ، نشر في 20 | 7 | 2022 .
) ، ما يؤكد إهتمام ملوك حدياب بالجوانب المعمارية والفنية وإرتباط تقاليدهم بتقاليد حضارة بلاد الرافدين ، أما التمثال الذي عثر عليه على جبل ( بيرة أم كرون ) في حرير والذي سبقت الإشارة إليه ، فيؤكد إهتمام ملوك حدياب بنشر تماثيلهم في مختلف أنحاء المملكة لتأكيد سطوتهم وإتساع نفوذهم ، كما تؤكد الكتابات التي تتناول أنشطة ملوك حدياب ، ورعهم وتدينهم ، ومن ذلك ما ذكرته هذه الكتابات عن إهتمام الملكة هيلاني بالمقدسات اليهودية في أورشليم ، فضلا عن إهتمام زوجها وأبنها بتعمير الهيكل اليهودي في القدس كما مر بنا ، وقد أشار المشنا اليهودي إلى إرسال الملك إيزاد الثاني لخمسة من أولاده إلى أورشليم لتلقي العلم هناك ، ما يعني إهتمامه بتعليمهم كل ما يخص الديانة اليهودية ، كما أصبح لعائلته عددا من القصور في أورشليم ، ولكن إعتناق العائلة الحاكمة في حدياب للديانة اليهودية لم يستمر طويلا ، فبعد سقوط حدياب بيد الرومان عام 116 م ، تقلد حكم حدياب ملوك وثنيون ، إذ استمر ذلك إلى ما بعد سقوط الدولة الفرثية ، عندها وبعد تغلغل المسيحية في شمال العراق ، تنصر عدد من حكام حدياب ، وأخذوا يتسابقون لبناء الكنائس والأديرة كما مر بنا .
الملاحق
( شكل 1 )خارطة حدياب من موقع Alaraby.com
ملوك حدياب ( بعض التواريخ تقريبية وغير مؤكدة )
ايزاد الأول ( 15ق.م - 20م) Izate 2
مونوباز الأول ( 20 - 30 م ) 2 monobazus
ايزاد الثاني (30 -58 م ) Izate 2
فولكاس ( ؟ ) Vologases
مونوباز الثاني ( ؟ ) monobazas 2
كينداي (68 - 70 م) kindai
مهرا سابيس ( 116 - 117 م ) meharaspes
نرسي ( 170 - 200 م ) Narsai
افرهاط ( ؟ ) Apharaates
كوبرا شنسب (؟ ) Kubrashnseb
( شكل 2 )عملة من موقع اثري يعتقد انه بقايا مدينة ناتونيا القديمة، من موقع: Alaraby.com
الخاتمة
توصل البحث إلى النقاط التالية :
تعد مملكة حدياب إمتداد لدولة آشور القديمة ، ليس لكونها نشأت ضمن حدودها الجغرافية والبشرية فحسب ، بل ولأنها ورثت كثيرا من قيمها وتقاليدها وحضارتها ، وهو ما يمكن تلمسه في أكثر من جانب من الجوانب الحضارية كالعمارة والفن والدين .. الخ ، ولعل إختيار أربيل المدينة الآشورية المقدسة عاصمة لمملكة حدياب ، هو خير تأكيد على صلة حدياب بآشور ، وإرتباطها بها تاريخيا وحضاريا .
جاء نشوء مملكة حدياب نتيجة للسياسة العامة للإمبراطورية الفرثية ( 140 قبل الميلاد إلى 226 م ) ، التي تعطي للأقاليم حريات واسعة في إدارة شؤونها الداخلية ، وتسمح لها بممارسة نوع من الاستقلال ضمن محيطها الجغرافي و بما لا يتناقض مع السياسة العامة للإمبراطورية .
تولى حكم حدياب ملوك عدة لم يكونوا في مستوى واحد من القوة والظهور على مسرح الأحداث ، فبينما كان بعضهم ضعيفا وخاملا ، كان بعضهم الآخر نشطا و من القوة بحيث تمرد حتى على أسياده الفرثيين ، فضلا عن آخرين واجهوا الرومان ، إذ أسهموا في دعم اليهود في حربهم ضد الرومان في السنوات 68 – 70 م ، وذلك لإعتناق بعض ملوك حدياب للديانة اليهودية ، الأمر الذي أغضب الرومان كثيرا ، فوضعوا نصب أعينهم القضاء على مملكة حدياب وإنهاء سلالتها الحاكمة ، وهو ما حصل في عام 116 م على يد الأمبراطور الروماني تراجان .
بعد إستعادة الفرثيين لحدياب ، عادت مملكة حدياب للوجود مرة أخرى ، لكن بسلالة جديدة وبتأثير أقل في مجرى الأحداث ، وقد تخلى ملوكها الجدد عن الديانة اليهودية وعادوا إلى الوثنية ، ثم حلت نهاية مملكة حدياب بعد سقوط الدولة الفرثية على يد الساسانيين الذين قاموا بتحويلها إلى ولاية يحكمها والي يخضع مباشرة لسلطة الملك الساساني في طيسفون .
على الرغم من تنوع الأعراق التي تتكون منها مملكة حدياب ، إلا أن معظم سكانها كانوا يتكلمون اللغة الآرامية ، والأمر يصح على الديانة ، إذ لا توجد ديانة سائدة ، بل ديانات عدة ، من بينها الديانة الرافدية القديمة ، والديانة الفارسية ، والديانة اليهودية ، ثم أنتشرت أخيرا الديانة المسيحية التي أعتنقها كثير من السكان ، أما أقتصاد حدياب ، فأهم ركنين فيه هما الزراعة والتجارة ، لاسيما وأن حدياب هي ممر لعدد من الطرق التجارية ، من أهمها الطريق الرابط بين الشرق والغرب .
لا توجد معلومات كثيرة عن العمارة الحديابية ، لأن أربيل التي هي عاصمة المملكة ، هي من المدن القديمة جدا و التي تضم معالم تعود لعصور عدة ، ما يجعل من الصعوبة تحيد أيا من هذه المعالم يعود لمملكة حدياب من التي تعود إلى ممالك أخرى ، مما يمكن أن نتعرف بوساطته على العمارة الحديابية ، لكن بعض المكتشفات الأثرية تعرض لنا جانبا من هذه العمارة التي أتسمت بالأصالة ، والأمر ذاته يصح على المنتجات الفنية والثقافية ، إذ لا نملك منها إلا القليل من النماذج التي لا تقدم لنا صورة وافية عن واقع الفن والثقافة في مملكة حدياب ، إلا أنها تعرض لنا سمات يمكن ربطها بحضارة البلاد ، فضلا عن تأثيرات تعود لحضارات أخرى .
المصادر:
باربولا، سيمو ، الآشوريون بعد سقوط بلاد آشور ، ترجمة : زكاي نينوايا ، بحث مقدم إلى المؤتمر القومي الآشوري في لوس أنجلس ، في 4 أيلول 1999 .
باقر، طه ، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ، ج1 ، ( بيروت ، 2009 ) .
باقر، طه وفؤاد سفر ، المرشد إلى مواطن الآثار والحضارة ، سلسلة الثقافة الشعبية (45) ، ( بغداد ، 1962 ) ، الرحلة الخامسة.
جميل، فؤاد ، حدياب ... أربيلا ... عشتار – أربيلا ، مجلة سومر ، العدد 25 ، 1969 .
روفائيل، بابو أسحاق ، تاريخ نصارى العراق ، ( بغداد ، 1948 )
زامو، دلشاد عزيز و أيهاب محمد آميدي ، منحوتتي ميرفولي ورية نه في جبل بيرة أم كرون (دراسة تحليلية – مقارنة ) ، مجلة سوبارتو ، العدد 4-5 ، 2011 .
سفر، فؤاد ، محمد علي مصطفى ، الحضر مدينة الشمس ، ( بغداد ، 1974 ) .
العراق .. أكتشاف إنقاض إحدى القلاع المفقودة للملكة البارثية ، روسيا اليوم ، نشر في 20 | 7 | 2022 .
علي ، جواد ، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، ج6، دار الساقي، 2001.
ف قزانجي، فؤاد يوسف ، أصول الثقافة السريانية في بلاد ما بين النهرين ، ( بغداد ، 2010 ) .
القصاب، يعقوب ، أصل نصارى حدياب ، ( دمشف ، 1988 ).
المشنا | يوما 3: 1
الملاح، هاشم يحيى ، الوسيط في تاريخ العرب قبل الأسلام ، ( بيروت ، 1971 ).
الموصلي، القس سليمان صائغ ، تاريخ الموصل ج1 ، ( بيروت ، 1971 ).
الموصلي، القس سليمان صائغ ، تاريخ الموصل ج2 ، ( بيروت ، 1928 ).
النوري، ميثم عبد الكاظم ، العلاقات الفرثية – الرومانية ، (بغداد ، 2017 ).
Fouad Safar ، With Water Sennacheribs Project for Suppling Erbil ، بحث منشور في القسم الأنكليزي من مجلة سومر ، ج1 ، مجلد 3 .
ثانيا : المواقع الألكترونية
الإمام، سامي ، حدياب الآشورية والمملكة اليهودية ، مقال على الرابط التالي : http://samyalemam.blogspot.com/2018/03/blog-post_86.html
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق