مؤلفات الوردي والحسني والملا عبود والماجدي ومهدي وغيرهم
كتب عراقية حافلة بالتجارب الإنسانية تتألق على رفوف بيت الحكمة في الشارقة
عمر علي حيدر
بيت الحكمة، معلم ثقافي بارز وكبير قدمته إمارة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة للأدباء والمثقفين والقراء والباحثين، له قصة في التسمية، وقصة في التأسيس.
أما التسمية ببيت الحكمة فجاءت اعتزازاً ببيت الحكمة -أول دار علمية أقيمت ببغداد في عهد هارون الرشيد خامس الخلفاء العباسيين (149 – 193 هـ)، وبلغ البيت عصره الذهبي في عهد المأمون سابع الخلفاء العباسيين (170- 218 هـ) بما كان يضمه من المخطوطات والكتب المترجمة التي ضاقت بها قصور الخلفاء فأخرجت لتكون في متناول الباحثين والدارسين في شتى العلوم والمعارف، مع ما أضيف أليها من ترجمة أهم المصادر العلمية فصار بيت الحكمة قبلة للعلماء وطلاب العلم من اصقاع العالم، واستمر هذا البيت طيلة عهود 32 خليفة عباسي حتى زال بدخول المغول الى بغداد في العام 656 ه.
وأما التأسيس، فقد تم تاسيس بيت الحكمة لدلالة مهمة، جاءت احتفاءً بحصول الشارقة على لقب العاصمة العالمية للكتاب عام 2019 من قبل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، إذ يقوم المبنى على مساحة 12ألف متر مربع، ويتكون من طابقين ومكتبة ضخمة تضم آلاف الكتب المنوعة، وقاعات للحوار، وأماكن مخصصة للقراءة داخل وخارج المبنى، وجاء تصميم المبنى ليحاكي نموذج مكتبات المستقبل التي تجمع بين مصادر المعرفة التقليدية والرقمية، وبين التفاعل والتعلم، وذلك كأسلوب تجمع فيه الأصالة والحداثة.
قاعدة اسمنتية
وإكمالاً للمشهد الثقافي المرموق، يتصدر مبنى بيت الحكمة من الخارج نصب على قاعدة إسمنتية عرضها 4 أمتار من عمل الفنان العالمي جاري جودا، يتألف من قطعة واحدة، ويتّخذُ شكلاً لولبياً بارتفاع نحو 36 متراً، وقد استخدم في صناعته 72 طناً من الفولاذ، وما يعادل نحو 240 طناً من الخرسانة، ويجسد هذا النصب شكل المخطوطة العربية القديمة.
لكن التجربة الفريدة التي يوفرها بيت الحكمة الشارقة هو وجود آلة لطباعة الكتب بسرعة قياسية، بحيث يستطيع الزائر طباعة أي كتاب أعجبه في المكتبة ورغب بنسخة شخصية له منه أن يضع الكتاب المراد طباعته في هذه الطابعة ليطبعه بتقنية مقاربة لتقنية الكتاب نفسه، وكأنه نسخة أخرى منه، وهي تجربة مثيرة، ومحفزة للرغبة في المطالعة والإقتناء.
شاشات عرض شفافة تنبثق من جوانب رفوف مكتبة بيت الحكمة الشارقة تستعرض أمامك بعض كبار ورموز العلم والثقافة كالخوارزمي والبيروني والكندي وابن الهيثم والفارابي وابن البيطار وابن النفيس وغيرهم ممن كانوا أبرز أعمدة بيت الحكمة من جهة، أو ممن لا تزال تجاربهم العلمية والأدبية محل اهتمام ودراسة الباحثين في مختلف انحاء العالم.
من بين الآلاف المؤلفة من الكتب العربية واللغات الأخرى في بيت الحكمة في الشارقة، لاشك أخذت كتب العراقيين نصيباً وافراً على رفوف المكتبة، فحينما تمر عليها تزهو أمامك بعناوينها وأسماء مؤلفيها وطبيعة موضوعاتها، ويطيب لي، وقد قضيت الكثير من الوقت في هذه المكتبة وغيرها أن أعلن أن المؤلف العراقي -مع كامل الإحترام للمؤلفين الآخرين – يتميز بذائقة جمالية وإنتاجية بديعة، وله قدرة فائقة على بحث اصعب الموضوعات لتسهيل وصول القراء اليها، وصار من المعتاد جداً وأنت تمر على أصعب عناوين الكتب، واثراها فائدة، أن تجد أن الأسماء التي وقفت وراء إنتاجها هي أسماء عراقية خالصة.
جمهرة الألفاظ العراقية لصلاح السعيد، ومعنى حياتي لمنذر الشاوي، واستذكارات عبد الإله كمال الدين، والرهان على الزمان لمحسن العزاوي، وحلو ومر من سنوات العمر لغالب عباس، والفقر والدولة لأحمد الحسيني، والفيدرالية الجغرافية وآفاقها المستقبلية في العراق لعباس عبود بحر العلوم، والتحليل الجغرافي لدخل الأسر في العراق لشاكر محمود الأميري، هي كتب يمكن أن تمر عليها بعجالة في خانة البحث الإلكتروني بمجرد أن تبحث عن موضوعات عراقية.
أسماء أخرى مثل الملا عبود الكرخي، ود. شفيق مهدي، وأ.د يحيى كاظم المعيني، وا.د علي هادي المهداوي، وجليل الجياوي، وإنعام كجه جي، وعبد الرضا عوض، وباسم محمد حبيب، وعلاء لازم العيسى، ود. جمال عبد الأمير التميمي، وطارق حرب وكتابه التراث البغدادي بين العصر العباسي والعهد الملكي، ود. خزعل الماجدي ومجموعة من (اسطول الكتب) الخاصة به عن علم وتأريخ الحضارات والأديان، والقائمة تطول، تجدها أمامك، كأنها تناديك، وهي تتألق بزهو على رفوف المكتبة.
تاريخ قديم
في كتب العراقيين تجد كتباً تتحدث عن التاريخ القديم كالحضارات السومرية والبابلية والأكدية والآشورية، وما تلاها من المراحل التاريخية الأخرى، وأخرى مفصلة كمنظومة الحقوق والواجبات في العراق القديم، وأخرى في التاريخ السياسي الحديث كتاريخ الوزارات العراقية في العهد الجمهوري، ووريثة العروش، ومذكرات توفيق السويدي، ونجدة فتحي صفوة، وهكذا، بين دراسات اكاديمية منوعة، وفنون أدبية من روايات، وقصص، وسير ذاتية، وشعر، ولغة، وغيرها.
كتب تتحدث عن محافظات البصرة، الحلة، الديوانية، شخصياتها، علماؤها، آثارها، شيء من تاريخها السياسي والإقتصادي والإجتماعي، كان لها حضور بارز في بيت الحكمة، كذلك مناطق مثل الرصافة، وابي غرق، والجامعين، سجلت بصمتها في الحضور بمصادر تتحدث عن جوانب مختلفة منها، كتب أخرى أختار لها أصحابها وجهات عدة، فالدكتور شفيق مهدي رحمه الله بصم هناك بكتابه (معجم معاني أسماء الحيوان وصفاته وكناه)، فيما اختار أحمد الحبوبي أن يبصم بكتابه (رسالة اعتذار الى الشعب العراقي).
جماهير كاملة من المؤلفين العراقيين، رؤساء، وزراء، سياسيون، قادة، أكاديميون، صحفيون، أدباء، كتاب، شعراء، مغنون، رياضيون، آثاريون، لغويون، تراثيون، وعدد ماشئت، أخذت مواقعها في بيت الحكمة بشكل يبــــــعث على الفخر، ويمنحك اطمئناناً أن الثقافة الــــــــعراقية ثقــــــــافة ولادة، لا يمكن أن تتوقف عن الإنتـــــــاج والإبداع، وما الظروف القاسية التي تــــــمر كل مدة في تاريخها من حروب وحصار وفتن إلا عوامل يحولها العراقي إلى ابداع لابد أن يــولد ولو من رحم المعاناة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق