باسم محمد حبيب
منذ نشوء الحضارة الصينية قبل ثلاثة آلاف وخمسمائة سنة ، وهذه الحضارة لم تظهر أي ميل للإنتشار خارج محيطها الجغرافي الحضاري ، الشرق الآسيوي أو منطقة الشرق الأقصى ، أنطلاقا من نمط تفكيرها
التاوي - الكونفشيوسي الذي يربط السلامة بالحكمة والأعتدال والسعادة بالقناعة والإتزان
، فرددت الألسن حكما باتت بمثابة قواعد أخلاقية صارمة لأجيالها المتعاقبة ، إذ عرضت
هذه الحكم : أن الشيء الوحيد الذي تضمنه في الحياة هي اللحظة التي تعيشها ، أما المغامرة
والخوض في المجهول فقد لا يأتي منها إلا المتاعب والأهوال ، ما جعل هذه الحضارة مختلفة
كثيرا عن الحضارات الأخرى ، بما في ذلك الحضارة الهندية ، أقرب الحضارات إليها من جهة
الغرب ، إذ بقيت حضارة آسيوية : قيما وعقائد ومنتجات مادية .
ومنذ نشوء الامبراطورية الصينية قبل 2250 سنة ، وهذه
الامبراطورية محافظة على حدودها بإستثناء تغييرات بسيطة تقلصا وأتساعا كانت تفرضها
الضرورة العسكرية تارة وعوامل أخرى كالهجرات والغزوات تارة أخرى ، إذ لم يسجل التاريخ
للصين أي غزو قامت به خارج محيطها الجغرافي الحضاري ، بل على الضد من ذلك ، كانت
الصين هي من تعرضت للغزو مرات عدة من دول و شعوب منتمية لحضارات أخرى ، كما حصل عندما
أجتاحتها الديانة و الثقافة البوذية الهندية في القرون الميلادية الأولى ، حتى وأن
أخذت هذه الديانة أو الثقافة طابعا صينيا في نهاية المطاف ، أو عندما غزى العرب المسلمون
أقاليمها الشرقية في العهد الأموي بداية القرن الثامن الميلادي ، أو عندما تدخل البريطانيون
والفرنسيون لإجبارها على الأنفتاح والمتاجرة مع الغرب فيما عرف بحرب الأفيون في أواسط
القرن التاسع عشر .
واليوم تواجه الصين
تحديا غربيا جديدا يتمثل بسعي الأمريكان لتحجيمها سياسيا ومضايقتها اقتصاديا ، بعد
أن غامر التنين الصيني بمنافسة أمريكا ليس فقط اقتصاديا بل وسياسيا أيضا ، هذه المنافسة
التي يجدها الغرب خطرا كبيرا ليس فقط على سيطرته الاقتصادية والسياسية بل وعلى هيمنته
الحضارية و قيمه و فلسفته وأفكاره التي نمت و تراكمت عبر مراحل عدة ، ما يخل بمعادلة
الحضارة العالمية التي كانت دائما ما تميل لصالح الغرب ، منذ مرحلة حضارة بلاد الرافدين
السلف الاقدم للحضارة الغربية ، مرورا بمرحلة الحضارات الفارسية و اليونانية والاسلامية
والأوربية الوسيطة المرتبطات نسبا وبدرجات مختلفة بحضارة بلاد الرافدين ، وصولا إلى
آخر الحضارات الغربية العظيمة : الحضارة الغربية الحديثة ، فأي نصر تحققه الصين في
هذه المعركة الضارية ، لن يعد مجرد نصر في منافسة اقتصادية - سياسية بين دولتين أو
حضارتين ، بل أول نصر حضاري في منازلة دامت آلاف السنين .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق