الأحد، 21 أغسطس 2022

ماذا تعني المواجهة الحضارية بين أمريكا والتنين الصيني ؟



باسم محمد حبيب

الصباح العراقية

منذ نشوء الحضارة الصينية قبل ثلاثة آلاف وخمسمائة سنة ، وهذه الحضارة لم تظهر أي ميل للإنتشار خارج محيطها الجغرافي الحضاري ، الشرق الآسيوي أو منطقة الشرق الأقصى ، أنطلاقا من نمط تفكيرها


التاوي - الكونفشيوسي الذي يربط السلامة بالحكمة والأعتدال والسعادة بالقناعة والإتزان ، فرددت الألسن حكما باتت بمثابة قواعد أخلاقية صارمة لأجيالها المتعاقبة ، إذ عرضت هذه الحكم : أن الشيء الوحيد الذي تضمنه في الحياة هي اللحظة التي تعيشها ، أما المغامرة والخوض في المجهول فقد لا يأتي منها إلا المتاعب والأهوال ، ما جعل هذه الحضارة مختلفة كثيرا عن الحضارات الأخرى ، بما في ذلك الحضارة الهندية ، أقرب الحضارات إليها من جهة الغرب ، إذ بقيت حضارة آسيوية : قيما وعقائد ومنتجات مادية .

 ومنذ نشوء الامبراطورية الصينية قبل 2250 سنة ، وهذه الامبراطورية محافظة على حدودها بإستثناء تغييرات بسيطة تقلصا وأتساعا كانت تفرضها الضرورة العسكرية تارة وعوامل أخرى كالهجرات والغزوات تارة أخرى ، إذ لم يسجل التاريخ للصين أي غزو قامت به خارج محيطها الجغرافي الحضاري ، بل على الضد من ذلك ، كانت الصين هي من تعرضت للغزو مرات عدة من دول و شعوب منتمية لحضارات أخرى ، كما حصل عندما أجتاحتها الديانة و الثقافة البوذية الهندية في القرون الميلادية الأولى ، حتى وأن أخذت هذه الديانة أو الثقافة طابعا صينيا في نهاية المطاف ، أو عندما غزى العرب المسلمون أقاليمها الشرقية في العهد الأموي بداية القرن الثامن الميلادي ، أو عندما تدخل البريطانيون والفرنسيون لإجبارها على الأنفتاح والمتاجرة مع الغرب فيما عرف بحرب الأفيون في أواسط القرن التاسع عشر .

واليوم تواجه الصين تحديا غربيا جديدا يتمثل بسعي الأمريكان لتحجيمها سياسيا ومضايقتها اقتصاديا ، بعد أن غامر التنين الصيني بمنافسة أمريكا ليس فقط اقتصاديا بل وسياسيا أيضا ، هذه المنافسة التي يجدها الغرب خطرا كبيرا ليس فقط على سيطرته الاقتصادية والسياسية بل وعلى هيمنته الحضارية و قيمه و فلسفته وأفكاره التي نمت و تراكمت عبر مراحل عدة ، ما يخل بمعادلة الحضارة العالمية التي كانت دائما ما تميل لصالح الغرب ، منذ مرحلة حضارة بلاد الرافدين السلف الاقدم للحضارة الغربية ، مرورا بمرحلة الحضارات الفارسية و اليونانية والاسلامية والأوربية الوسيطة المرتبطات نسبا وبدرجات مختلفة بحضارة بلاد الرافدين ، وصولا إلى آخر الحضارات الغربية العظيمة : الحضارة الغربية الحديثة ، فأي نصر تحققه الصين في هذه المعركة الضارية ، لن يعد مجرد نصر في منافسة اقتصادية - سياسية بين دولتين أو حضارتين ، بل أول نصر حضاري في منازلة دامت آلاف السنين .


ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969