الثلاثاء، 16 أغسطس 2022

مناقشة لرأي علي الوردي عن الجنوب في كتابه طبيعة المجتمع العراقي



باسم محمد حبيب

يعد الدكتور على الوردي من أبرز علماء الإجتماع العراقيين والعرب ، وذلك لما أتسمت به بحوثه و كتاباته من الغزارة و العلمية وتصديه لإستخلاص نظرية لفهم واقع المجتمع العراقي وفهم سلوك الفرد فيه ، و يعد كتابه طبيعة المجتمع العراقي من الكتب المهمة التي تناول فيها أبعاد الشخصية العراقية وواقع المجتمع الحاضن لها ، لكنه ركز بشكل خاص على منطقة السهل الرسوبي التي عدها قلب العراق النابض ، أو المنطقة التي نجد فيها جل الخصائص التي تتسم بها الشخصية العراقية ، وهذا ما عده البعض تأكيدا على إهتمامه بهذه المنطقة ، أو لكونه أكثر إلماما بها وبوقائعها الإجتماعية ، لأن مثل هذه الدراسات لا تحتاج إلى معطيات وأدلة فقط بل وإلى فهم واسع لأحوالها و لطبائع سكانها ، وهذا ما لم يحققه إلا باحث مطلع و متبحر بشؤونها وأوضاعها وبأدق دقائقها .
لقد ركز الكتاب على ما أتسمت به المنطقة من تنوع ديني وعرقي وثقافي وعشائري ، لكن الملفت أنه عبر عنه بلفظة كانت تستخدم للإنتقاص والإساءة وهي لفظة (أخلاط) التي أستعارها من إحدى الشخصيات الفراتية ، فبات وكأنه يعيب ما في هذه المنطقة من تنوع أو يعده سببا لما فيها من تناقضات وسلوكيات ذميمة ! فضلا عن تمييزها عن المناطق الأخرى التي لم يشر إليها بهذا الوصف ، وهذا ما نحسبه خللا في موضوعية البحث ، لأن هذا الوصف إن كان يقصد به التنوع العرقي والديني والمذهبي أو شتى أشكال التنوع الأخرى فإنه لا يقتصر على الجنوب وحده بل يشمل كل العراقيين ، إذ أدى عيشهم المشترك الطويل إلى تمازجهم وتجانسهم حتى باتوا كأنهم عرق واحد ، وكان الأحرى أن يشير إلى أن هذه خاصية تشمل العراق كله بدل إقصارها على الجنوب وحده ، واصفا منطقة الجنوب أو منطقة السهل الرسوبي بـ( خل المدنن ) ، أي على شاكلة الخل الذي تمتزج فيه مواد كثيرة لا رابط بينها ، مع أن هذا الوصف قد ينطبق على العراق ككل وليس على هذه المنطقة فحسب كما أشرنا ، كما عرض في كتبه أكثر من مرة ذم بعض الشخصيات الفراتية والبغدادية لإهل الجنوب من دون أن ينقد ما قالوه عنهم أو يعرضه للمناقشة ، وفي أحيانا أخرى كان يضيف على ذمهم عبارة ( ولهم بعض الحق في ذلك ! ) على الرغم من أن أحدهم وصف أهل الجنوب بالعجمة وبإنهم من أخلاط الناس و بإنهم معروفون باللصوصية ! بل أنه عد إطلاق أهل الفرات الأوسط لتسمية (الشروك) على أهل الجنوب بإنه نابع من تلك النظرة الإنتقاصية التي ينظر الآخرون بها لهم !
ولم يستثني من تقيمه هذا أي فئة جنوبية بإستثناء بعض عوائل الشيوخ التي أشار إلى أنهم ليسوا جنوبيين في الأصل بل جاءوا إلى الجنوب من مناطق أخرى لاسيما الشمال والغربية ، كما في عائلة آل خليفة شيوخ عشيرة آل بو محمد التي تقطن محافظة ميسان التي قال عنها أنها في الأصل من سكان الأنبار وينتمون لعشيرة زبيد ، ومع أن هذا قد يكون حقيقة ، إلا أنه ربما أراد بهذا أن يعرض أن لدى الجنوبيين ميل للخضوع والخنوع للغرباء ، كما بين في معرض ذكره لتواجد الأشراف العلويين في العراق إلى أن عددهم محدود لا يتعدى عوائل قليلة يسكن أغلبها في بغداد ، وكما أشرنا فإننا لا نعترض على ما عرضه عن أختلاط الأنساب في منطقة الجنوب ، لأن هذا تؤكده الكثير من الأبحاث السكانية والجينية ، لكننا نعترض على تناول الأمر وكأنه سبة أو شيء معيب ، لاسيما بعد أن أنتهت خرافة النقاء العرقي التي كان البعض يتشدق بها ، فيقسم العالم على ضوئها إلى أنقياء وأخلاط ، لأن الحقيقة أن جميع الناس أخلاط وأن أختلفت درجة ذلك تبعا للظروف البيئية والسياسية والأجتماعية .
وحتى إزدواجية المعايير والقيم التي ربطها علي الوردي بصراع البداوة والحضارة قصرها على أهل الجنوب فقط ، عارضا بإن المنطقتين الشمالية والغربية لم تعانيان من هذه الإزدواجية ، لإنهم وبالأخص المنطقة الغربية كان يغلب عليها طابع البداوة بفعل إستيطانها المستمر من القبائل العربية القادمة من الصحراء ، فقط السهل الرسوبي - أو خلل المدنن كما وصفه - من كان يعاني من هذا الصراع الحامي المستديم ، وهو الذي تشيع فيه إزدواجية المعايير والقيم التي تجعل الشخص يكره لغيره ما يحب لنفسه على الضد من الشخصية السوية والمتوازنة ، وهذا برأيي ليس كل الحقيقة ، فمع أقرارنا بوجود هذه الإزدواجية لدى الشخصية الجنوبية إلا أن ذلك لم يقتصر عليها وحدها بل وشمل أيضا شخصية الفرد في المنطقتيين الأخريتين وإن كان ذلك بشكل أقل حدة وتعقيد ، وسبب هذا الفارق هو أن أزدواجية المعايير لدى الشخصية الجنوبية ليست ناتجة من ظاهرة واحدة هي ظاهرة الصراع بين البداوة والحضارة كما في المنطقتين الغربية والشمالية ، بل من أكثر من ظاهرة ، بما في ذلك ظاهرة الصراع بين الكينونات الإجتماعية والسلطة والصراع بين السكان الأصليين والوافدين .
وإنطلاقا من ذلك فقد رأى أن تدين أهل الجنوب ذو صفة طقسية وإن الجنوبي يقدم الطقوس على الفروض ويهتم بالمظاهر أكثر من إهتمامه بجوهر الدين ، فقد تجد الشخص مغاليا في دفاعه عن الرموز والطقوس الدينية ومتحمسا للمشاركة فيها ولكنه لا يؤدي الفروض ولا يطبق التعاليم الدينية ، أما تفسيره لإنتشار التشيع في الجنوب فربطه بحاجة أهل الجنوب للمراقد المقدسة والشخصيات الدينية لكي يلجأ إليها وقت الشدة كونه لا يملك حكومة تدافع عنه أو تمثله ، وبرأي أن هذا الأمر يتطلب مناقشة ودراسة أكبر، لإن هناك أمثلة كثيرة من واقع الجنوب يمكن ربطها بهذه الرؤية ، لكن هناك في المقابل أمثلة أخرى قد تعكس رؤية مغايرة ، ومع ذلك حتى وإن صح ما طرحه علي الوردي عن التدين الجنوبي فلا يمكن ربطه بظاهرة الصراع بين البداوة والحضارة ، بل بظاهرة الصراع بين السلطة والكينونات الإجتماعية الجنوبية أو بين السكان الأصليين والوافدين ، لإن الجنوبي في تدينه هذا كان يريد أن يظهر إختلافه عن تدين السلطة والوافدين .
وبالطبع هو لم يجانب الحقيقة عندما عرض إنتشار التخلف والجهل والتعصب الديني والقبلي والخنوع للسلطة وشيوع السلوكيات الذميمة كالسلب والنهب والسرقة وما إلى ذلك ، فهذا ما كان يسود فعلا في الجنوب ، لكن هذا موجود في المناطق الأخرى أيضا ، وأن قل في المناطق الحضرية التي يتواجد فيها النشاط الحكومي ويسود القانون فيها ، فقد بدى وكأنه يحمل الناس في هذه المنطقة مسؤولية ضعف التواجد الحكومي في منطقتهم وليس الحكومة أو الدولة التي لم تعمل بما يجب لفرض سلطتها و جعلها مقبولة من الناس من خلال توفير شتى أشكال الرعاية الأمنية والاقتصادية والتعليمية والصحية وفي شتى المجالات الأخرى ، ففشل الحكومات في ذلك هو ما جعلها تعاني من صعوبات في التعامل مع الناس ، وفي في حثهم على إرتياد المدارس وإحترام القانون والنظام والإبتعاد عن العادات والقيم المتخلفة والسلوكيات الذميمة ، وليس العكس كما يلمح علي الوردي على أساس أن السلطة أو الحكومة هي نتاج الشعب وسلوكها جزء من سلوكهم ، وبرأيي - أن هذا وإن كان ليس مقصد علي الوردي - قد أعطى التبرير للحكومات العراقية المتتابعة للتعامل بطريقة مختلفة عن تعاملها مع بقية المكونات العراقية ، بما في ذلك إعطائهم حقوقا أقل ، أو تقليص دورهم في الإدارة والحكم ، وممارسة الشدة والعنف ضدهم .
وفي الختام نود أن نقول أننا لا نحاكم طروحه وآرائه التي نتفق مع كثير منها ، بل فقط نأخذ عليه تركيزه النقد على أهل الجنوب على الرغم من أن كتابه يتناول الشخصية العراقية بشكل عام ، ما يخل بعلميته وموضوعيته.

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969