باسم محمد حبيب
العنصرية يمكن تلمسها في بلدنا ليس في النظرة والموقف الاجتماعي فقط ، بل وحتى في التعاطي السياسي والإداري أيضا ، وهذا ما نراه في عدم حصول محافظات الجنوب المهملة على إستحقاقها من مشاريع
الإعمار وتطوير الخدمات
، إذ أن هناك من يرى بأن هذه المحافظات لن يفرق لها شيء أن زادت مشاريعها أم قلت ،
ولن يؤثر ذلك على واقعها الإجتماعي والحضاري ، لأسباب أكبر من أن يتم تجاوزها
بالمشاريع فقط أو بجهود سنوات أو عقود ، وهذا ما يتناقض مع منطق التاريخ الذي يظهر
أن كل المجتمعات تستطيع أن تتطور شريطة أن تتوفر لها الشروط ذاتها التي تطورت على أساسها
المجتمعات الأخرى ، و محافظات الجنوب ليست مستثناة من ذلك .
لكن سبب القصور
في التعاطي مع محافظات الجنوب الفقيرة والمهملة ليس نابعا فقط من النظرة العنصرية الحكومية
لهذه المحافظات أو نظرة من يدير الحكومة أو من يقف خلفها ويدعمها ، بل ومن وجود نظرة
عنصرية داخل هذه المحافظات أيضا ، إذ نجد فيها من يعارض أي مطالبة بحقوق هذه المحافظات
أو يعد هذه المطالبة مبالغا فيها أو ذات دوافع سيئة مضمرة ، وهذا لا يمكن أن نربطه فقط بإختلاف وجهات النظر حول هذا
الأمر ، بل وبوجود نظرة عنصرية تماثل تلك النظرة ، مؤسسة على شعور بأنهم لا ينتمون
عضويا أو معنويا لجمهور هذه المحافظات ، بل لمن يتمايز عنهم أو ينظر لهم بدونية من
الحكام ومن يدور في فلكهم .
ومن ثم لا
يمكن ترسيخ المطالبة بحقوق هذه المحافظات بوجود من يضعف ذلك من أبنائها ، لا سيما
وأن لكثير من هؤلاء صوت قوي و مسموع بحكم منزلتهم الدينية والعشائرية ، إذ كيف
يمكن أن تطالب بعض عوائل الشيوخ بأن تدعم حملة كهذه وهم يحظون بحقوق تفوق بكثير ما
يحظى به المواطن العادي ، بما في ذلك تقديم أبنائهم في معاملات التعيين و الحصول
على المناصب وغير ذلك ، والشيء نفسه يصح على عوائل بعض رجال الدين والسادة
والمتنفذين ، إذ أنهم ومن خلال منزلتهم ونفوذهم يحظون بحقوق أكثر وأكبر مما يحظى
به المواطن العادي ، وبالطبع نحن لا نتكلم هنا عن الكل بل عن البعض الذي يتمايز عن
الناس الآخرين ، فلا يقبل أن يدعم مطالبهم أو يكون بين صفوفهم .
أن الموقف من
إعمار محافظات الجنوب يجب أن يكون موقفا موحدا ، أي أن تشارك فيه جميع قطاعات
المجتمع ، فلا يقتصر الصوت المطالب بالحقوق على طبقة دون أخرى ، أو على حزب دون
آخر ، بل يجب على الجميع المشاركة في ذلك ، بما في ذلك الأحزاب من خارج منطقة
الجنوب ، لأن إعمار الجنوب يخدم جميع المحافظات ، ويضمن الاستقرار للبلد ككل ، لأنه
يقلل من زخم الهجرة إلى المحافظات الأخرى ، ويقلل من الإضطرابات التي تشهدها
محافظات الجنوب من حين لآخر ، سواء أكان منها تلك المرتبطة بالواقع الإجتماعي
كالنزاعات العشائرية ، أم تلك المرتبطة بالانفلات
الأمني والفوضى الإدارية والسياسية وغيرها .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق