الأربعاء، 1 أبريل 2020

كذبة نيسان وجذرها العراقي القديم



باسم محمد حبيب
عندما يأتي شهر نيسان من كل عام يقوم بعضهم بإشاعة كذبة ما على سبيل الترفيه و المزاح ، وغالبا ما تأتي الكذبة المختارة صاعقة ومفاجئة
 
فتثير ضجة بين من سمعها ، مثل إبلاغهم بـ تعرض البلد الفلاني لضربة عسكرية أو أنه تم العثور على جبل من الماس في القطب الشمالي أو العثور على قارة إطلانتس وما إلى ذلك ، ونظرا لإنتشارها في جميع أنحاء العالم فقد أختلف الباحثون حول جذورها ، منهم من ربطها بتقليد أوربي قديم ، ومنهم من ربطها بحدث صادم كإبلاغ الأندلسيين الذين كانوا متخفين عن الإسبان بعد سقوط غرناطة بإن سفن مغربية تنتظرهم على الشاطيء ، ما دفع كثيرون منهم إلى الخروج من مكمنهم والوقوع بين يدي الأسبان ، وما إلى ذلك من الآراء التي لا أدلة عليها ، وبرأيي فإن كذبة نيسان ماهي إلا تقليد عراقي قديم أرتبط بأول شهر من سنتهم ، إذ تبدأ السنة البابلية بشهر نيسان أو نيشانو ( نيسانو ) باللغة الأكدية ، فبما أنهم سيتقيدون خلال الأشهر التالية بالأخلاق والأداب العامة فإنه ليس هناك ضير في أن يحظوا بوقت محدد يبعدهم عن هذا الإلتزام ، وليس هناك أفضل من الشهر الأول من السنة للقيام بذلك ، فيمارسوا فيه وفي نطاق ما : الغش والكذب والخداع ، وبعد أن ينتهي الشهر أو مدة الإحتفال يتوقفوا عن ذلك ، وقد يكون ذلك أيضا جزء من تدريب عملي للنشيء الجديد أعتاد الناس على ممارسته في العصور القديمة لكي يبرز لهم ضرورة الأخلاق وأهمية التقيد بها ، ومن أهم الإشارات التي تؤكد وجود هذا النوع من الممارسة لدى العراقيين القدماء ، نص أسطوري ورد فيه على لسان دوموزي ( تموز ) إقتراح لـ إنانا ( عشتار ) بالكذب على أمها لتبرير تأخرها عن العودة للبيت بعد أن أبلغته إنانا ( عشتار ) بإنها ستواجه تقريع أمها بسبب تأخرها ، فكان إقتراحه أن تقول لها : لقد أنشغلت بالرقص مع صديقاتي في ساحة الإحتفال ففاتني الوقت ، ومما يشير إلى علاقة هذه الكذبة بكذبة نيسان الشهيرة ، ورود لفظة الإحتفال فيها ، ما يدل على أنها جرت في إطار إحتفالات رأس السنة (زاكموك / أكيتي ) أو ( أكيتو ) التي كانت تقام في بداية كل سنة في بلاد الرافدين ، كما تشاع في إحتفالات رأس السنة أيضا كذبة غياب الملك ، فتأخذ المدينة بالإضطراب ويشيع فيها الهرج والمرج في جو شعبي إحتفالي ، فيأخذ البعض بسرقة الدجاج أو ضرب أبواب البيوت بالطابوق أو تخويف الأطفال .. الخ ، في مقابل ذلك يقوم الناس بتشديد الحراسة على بيوتهم وأملاكهم منعا لأي مفاجآت ، وبالتأكيد فإن دافع ذلك هو إبراز أهمية السلطة وأهمية وجود الملك لإن بغيابه ينعدم الأمان وتسود الفوضى ، ولا تستمر الكذبة طويلا فبعد مرور يوم واحد يعلن على الملأ عودة الملك فيتلقى الناس الخبر بالفرح والسرور ، فيخرج الملك إلى الناس مبرهنا وجوده حتى تعود الحياة إلى طبيعتها ، والجدير بالذكر أن كذبة غياب الملك ليست مجرد كذبة ، بل هي عملية سياسية رمزية يتم فيها محاكمة الملك أمام تمثال الإله مع تجريده من سلطاته وضربه وعرك أذنه من قبل الكاهن حتى ذرف دموع الندم و يعلن التوبة عن الأخطاء التي أرتكبها في السنة الماضية من مدة حكمه .

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969