عندما يأتي شهر نيسان من كل عام يقوم بعضهم بإشاعة كذبة ما على سبيل
الترفيه و المزاح ، وغالبا ما تأتي الكذبة المختارة صاعقة ومفاجئة
فتثير
ضجة بين من سمعها ، مثل إبلاغهم بـ تعرض البلد الفلاني لضربة عسكرية أو أنه
تم العثور على جبل من الماس في القطب الشمالي أو العثور على قارة إطلانتس
وما إلى ذلك ، ونظرا لإنتشارها في جميع أنحاء العالم فقد أختلف الباحثون
حول جذورها ، منهم من ربطها بتقليد أوربي قديم ، ومنهم من ربطها بحدث صادم
كإبلاغ الأندلسيين الذين كانوا متخفين عن الإسبان بعد سقوط غرناطة بإن سفن
مغربية تنتظرهم على الشاطيء ، ما دفع كثيرون منهم إلى الخروج من مكمنهم
والوقوع بين يدي الأسبان ، وما إلى ذلك من الآراء التي لا أدلة عليها ،
وبرأيي فإن كذبة نيسان ماهي إلا تقليد عراقي قديم أرتبط بأول شهر من سنتهم ،
إذ تبدأ السنة البابلية بشهر نيسان أو نيشانو ( نيسانو ) باللغة الأكدية ،
فبما أنهم سيتقيدون خلال الأشهر التالية بالأخلاق والأداب العامة فإنه ليس
هناك ضير في أن يحظوا بوقت محدد يبعدهم عن هذا الإلتزام ، وليس هناك أفضل
من الشهر الأول من السنة للقيام بذلك ، فيمارسوا فيه وفي نطاق ما : الغش
والكذب والخداع ، وبعد أن ينتهي الشهر أو مدة الإحتفال يتوقفوا عن ذلك ،
وقد يكون ذلك أيضا جزء من تدريب عملي للنشيء الجديد أعتاد الناس على
ممارسته في العصور القديمة لكي يبرز لهم ضرورة الأخلاق وأهمية التقيد بها ،
ومن أهم الإشارات التي تؤكد وجود هذا النوع من الممارسة لدى العراقيين
القدماء ، نص أسطوري ورد فيه على لسان دوموزي ( تموز ) إقتراح لـ إنانا (
عشتار ) بالكذب على أمها لتبرير تأخرها عن العودة للبيت بعد أن أبلغته
إنانا ( عشتار ) بإنها ستواجه تقريع أمها بسبب تأخرها ، فكان إقتراحه أن
تقول لها : لقد أنشغلت بالرقص مع صديقاتي في ساحة الإحتفال ففاتني الوقت ،
ومما يشير إلى علاقة هذه الكذبة بكذبة نيسان الشهيرة ، ورود لفظة الإحتفال
فيها ، ما يدل على أنها جرت في إطار إحتفالات رأس السنة (زاكموك / أكيتي )
أو ( أكيتو ) التي كانت تقام في بداية كل سنة في بلاد الرافدين ، كما تشاع
في إحتفالات رأس السنة أيضا كذبة غياب الملك ، فتأخذ المدينة بالإضطراب
ويشيع فيها الهرج والمرج في جو شعبي إحتفالي ، فيأخذ البعض بسرقة الدجاج أو
ضرب أبواب البيوت بالطابوق أو تخويف الأطفال .. الخ ، في مقابل ذلك يقوم
الناس بتشديد الحراسة على بيوتهم وأملاكهم منعا لأي مفاجآت ، وبالتأكيد فإن
دافع ذلك هو إبراز أهمية السلطة وأهمية وجود الملك لإن بغيابه ينعدم
الأمان وتسود الفوضى ، ولا تستمر الكذبة طويلا فبعد مرور يوم واحد يعلن
على الملأ عودة الملك فيتلقى الناس الخبر بالفرح والسرور ، فيخرج الملك إلى
الناس مبرهنا وجوده حتى تعود الحياة إلى طبيعتها ، والجدير بالذكر أن كذبة
غياب الملك ليست مجرد كذبة ، بل هي عملية سياسية رمزية يتم فيها محاكمة
الملك أمام تمثال الإله مع تجريده من سلطاته وضربه وعرك أذنه من قبل الكاهن
حتى ذرف دموع الندم و يعلن التوبة عن الأخطاء التي أرتكبها في السنة
الماضية من مدة حكمه .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق