الأربعاء، 21 مايو 2014

( الحلقة الحادية عشر ) يوميات سكين



رواية في حلقات
باسم محمد حبيب
كنت قد وعدت زوجتي بزيارة الطبيب ، لكن انشغالي بنفسي حال دون ذلك ، لكنني عزمت على ان البي رغبتها ولو دفعت ثمنا سيلا من الكوابيس ، لكن لم يتسنى لي ذلك إلا في نهاية الشهر ، عندما اصبح لدينا بعض المال الزائد عن الحاجة ، ولم تسفر زيارتنا عن شيء سوى قسط جديد من
الوعود ومقدار آخر من العقاقير الطبية ، التي لم اعد افرق بينها وبين تلك التي استخدمها لعلاج ما يسمونه مرضي النفسي ، الذي أخذ بفضل تلك السكين اللعينة يستفحل يوما بعد آخر ، وبينما كنا في العيادة ننتظر معاينة الطبيب للعقاقير ، واجهنا طفل يستجدي ، تبعته امرأة في مقتبل العمر ، ثم اخرى اكبر سنا ، وهم يشكون عوزهم وفقرهم ، شعرت بالأسى لحالهم ، فهممت بإعطائهم شيئا مما لدي من المال ، إلا أن رجلا كان جالسا بالقرب مني ، اعترضني قائلا :
-          انهم من الغجر !
لم يعجبني كلامه ، فرددت عليه :
-         ولو ؟
أومأ برأسه كأن الموقف لا يعجبه ، فقلت له
-         لا يهمني ان كانوا غجرا ام لا ، وان كانوا كذلك فهم مثلنا من لحم ودم ، ولا يختلفون عنا إلا بنمط حياتهم المختلف بعض الشيء ، وبعض العادات والتقاليد التي تنسجم مع ظروفهم وأحوالهم .
 نظرت إلى وجهه فلم يبد عليه انه قد تأثر من كلامي ، كما لم يكلف نفسه عناء الرد ، فقط أومأ برأسه كما فعل في المرة الأولى ، الأمر الذي اثار جنوني ، ودفعني إلى ان اخاطبه بشكل اكثر حدة :
-         أيا كان موقفك فهذا شأنك
فجاءني الجواب هذه المرة ولكن بنبرة مختلفة بعض الشيء :
-         لقد تم اختيارك لتنفيذ الإعدام بتلك المومس
أي أعدام ! هل عدت إلى عالم الكوابيس ؟ بعد ان اعتقت منه لبرهة ، لاشك انني سأخوض تجربة جديدة لن تختلف كثيرا عن تجاربي السابقة ، وهاهم الرجال الملثمون يختارونني لوأد تلك المرأة الفقيرة التي تعيش على جسدها ، فأردت ان ارفض ، لأن أمرا كهذا لم يعد يشرفني ، فقلت :
-         اخوان اعفوني من هذه المهمة دعوا غيري يقوم بها
-         هل تتهرب من المسؤولية ؟
-         لا اريد ان اقتل امرأة تعيش على جسدها
-         انها لا تعيش على جسدها بل على شرفها
-         هذا شيء نسبي
-         بل الشرف شرف ولا يقبل القسمة على اثنين
-         قد تكون مضطرة فالفقر يدفعها إلى ذلك
-         كثير من الناس يعيشون في فقر مدقع ومع ذلك يحافظون على شرفهم
-         الظروف مختلفة
-         بل النفوس مختلفة
هممت ان اواصل الكلام ، فأنبرى إلي احدهم بصوت قوي ترددت نبراته في جنبات الغرفة :
-         لقد تم اختيارك وانتهى الأمر فنحن نكره الجدال الذي يفرق النفوس
ثم خاطبني آخر بصوت اكثر ودا :
-         انك تمقت عملها لذا فهي تستحق ان تموت على يديك
-         لكنني لا استطيع
-         لا تكن ضعيف القلب فقد عرفناك قويا
لا يبدوا انني سأتخلص من هذه الورطة ، فقد كتب علي ان اخوض تجربة مريرة ، لم يتسنى لي خوض مثلها من قبل ، فسحبت سكيني التي لمعت امام ناظري ، وعندما شاهدت المرأة السكين اصابها الهلع وهي تبكي بكاءا عاليا وتقول :
-         ارحموني كنت مضطرة لذلك ، اجبروني اهلي على اقتراف الأثم ، وهم من يستحقون القتل لا انا
خاطبها احد الواقفين :
-         نحن سنخلصك من هذه الحياة الخالية من الشرف
ردت المرأة وهي تجهش بالبكاء :
-         اعطوني فرصة اعيش فيها بشرف
اجابها الرجل نفسه :
-         لقد اخذت فرصتك وانتهى الأمر
ثم كتفوا يديها وأرجلها حتى أصبحت غير قادرة على الحراك ، فجأ توقف صوتها وتسمر جسدها كأنها فقدت الحياة ، فانحنيت متجنبا النظر إلى عينيها حتى لا ترى قاتلها ، قررت انهاء الأمر قبل ان يرتد إلي عقلي فأعود إلى الجدال من جديد ، فأنا لم اعد اطق هذا الحوار الذي يؤلم نفسي ويثير شجوني ، وقبل ان احرك سكيني ، داهمتني زوجتي بصوتها الحنون :
-         لقد حان دورنا
لقد اعتقتني من عالم الكوابيس كعادتها كل مرة .

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969