رواية في حلقات
باسم محمد حبيب
كنت قد وعدت زوجتي بزيارة الطبيب ، لكن انشغالي بنفسي حال دون ذلك ،
لكنني عزمت على ان البي رغبتها ولو دفعت ثمنا سيلا من الكوابيس ، لكن لم يتسنى لي
ذلك إلا في نهاية الشهر ، عندما اصبح لدينا بعض المال الزائد عن الحاجة ، ولم تسفر
زيارتنا عن شيء سوى قسط جديد من
الوعود ومقدار آخر من العقاقير الطبية ، التي لم
اعد افرق بينها وبين تلك التي استخدمها لعلاج ما يسمونه مرضي النفسي ، الذي أخذ
بفضل تلك السكين اللعينة يستفحل يوما بعد آخر ، وبينما كنا في العيادة ننتظر
معاينة الطبيب للعقاقير ، واجهنا طفل يستجدي ، تبعته امرأة في مقتبل العمر ، ثم
اخرى اكبر سنا ، وهم يشكون عوزهم وفقرهم ، شعرت بالأسى لحالهم ، فهممت بإعطائهم
شيئا مما لدي من المال ، إلا أن رجلا كان جالسا بالقرب مني ، اعترضني قائلا :
-
انهم من الغجر !
لم يعجبني كلامه ، فرددت
عليه :
-
ولو ؟
أومأ برأسه كأن
الموقف لا يعجبه ، فقلت له
-
لا يهمني ان كانوا غجرا ام لا ، وان كانوا كذلك فهم مثلنا من لحم ودم ،
ولا يختلفون عنا إلا بنمط حياتهم المختلف بعض الشيء ، وبعض العادات والتقاليد التي
تنسجم مع ظروفهم وأحوالهم .
نظرت
إلى وجهه فلم يبد عليه انه قد تأثر من كلامي ، كما لم يكلف نفسه عناء الرد ، فقط
أومأ برأسه كما فعل في المرة الأولى ، الأمر الذي اثار جنوني ، ودفعني إلى ان
اخاطبه بشكل اكثر حدة :
-
أيا كان موقفك فهذا شأنك
فجاءني الجواب هذه
المرة ولكن بنبرة مختلفة بعض الشيء :
-
لقد تم اختيارك لتنفيذ الإعدام بتلك المومس
أي أعدام ! هل عدت
إلى عالم الكوابيس ؟ بعد ان اعتقت منه لبرهة ، لاشك انني سأخوض تجربة جديدة لن
تختلف كثيرا عن تجاربي السابقة ، وهاهم الرجال الملثمون يختارونني لوأد تلك المرأة
الفقيرة التي تعيش على جسدها ، فأردت ان ارفض ، لأن أمرا كهذا لم يعد يشرفني ، فقلت
:
-
اخوان اعفوني من هذه المهمة دعوا غيري يقوم بها
-
هل تتهرب من المسؤولية ؟
-
لا اريد ان اقتل امرأة تعيش على جسدها
-
انها لا تعيش على جسدها بل على شرفها
-
هذا شيء نسبي
-
بل الشرف شرف ولا يقبل القسمة على اثنين
-
قد تكون مضطرة فالفقر يدفعها إلى ذلك
-
كثير من الناس يعيشون في فقر مدقع ومع ذلك يحافظون على شرفهم
-
الظروف مختلفة
-
بل النفوس مختلفة
هممت ان اواصل الكلام
، فأنبرى إلي احدهم بصوت قوي ترددت نبراته في جنبات الغرفة :
-
لقد تم اختيارك وانتهى الأمر فنحن نكره الجدال الذي يفرق النفوس
ثم خاطبني آخر بصوت
اكثر ودا :
-
انك تمقت عملها لذا فهي تستحق ان تموت على يديك
-
لكنني لا استطيع
-
لا تكن ضعيف القلب فقد عرفناك قويا
لا يبدوا انني سأتخلص
من هذه الورطة ، فقد كتب علي ان اخوض تجربة مريرة ، لم يتسنى لي خوض مثلها من قبل ،
فسحبت سكيني التي لمعت امام ناظري ، وعندما شاهدت المرأة السكين اصابها الهلع وهي تبكي
بكاءا عاليا وتقول :
-
ارحموني كنت مضطرة لذلك ، اجبروني اهلي على اقتراف الأثم ، وهم من
يستحقون القتل لا انا
خاطبها احد الواقفين
:
-
نحن سنخلصك من هذه الحياة الخالية من الشرف
ردت المرأة وهي تجهش
بالبكاء :
-
اعطوني فرصة اعيش فيها بشرف
اجابها الرجل نفسه :
-
لقد اخذت فرصتك وانتهى الأمر
ثم كتفوا يديها وأرجلها
حتى أصبحت غير قادرة على الحراك ، فجأ توقف صوتها وتسمر جسدها كأنها فقدت الحياة ،
فانحنيت متجنبا النظر إلى عينيها حتى لا ترى قاتلها ، قررت انهاء الأمر قبل ان
يرتد إلي عقلي فأعود إلى الجدال من جديد ، فأنا لم اعد اطق هذا الحوار الذي يؤلم
نفسي ويثير شجوني ، وقبل ان احرك سكيني ، داهمتني زوجتي بصوتها الحنون :
-
لقد حان دورنا
لقد اعتقتني من عالم
الكوابيس كعادتها كل مرة .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق