رواية في حلقات
باسم محمد حبيب
قضيت النهار جالسا في بيتي انتظر مساعدة الآخرين بعد ان كنت المبادر
بالمساعدة ، لمحت اطفال اخي وهم يلعبون مثل كل يوم بالقرب من البيت ، لكن على غير
العادة لم تعد ضحكاتهم تثير
نشوتي ، بل لم اعد اطيق رؤيتهم يتحركون حولي كأنهم
الجراد المنتشر ، كانت زوجتي اكثر المنزعجين منهم ، فما ان تراهم يقتربون حتى
تهاجمهم بشتامها ولعناتها التي لا تتوقف إلا بانصرافهم أو تدخلي لصالح الأطفال ، فتصمت
على مضض بعد ان تكتم غيضها وغضبها ، لم اكن أعي ما يحصل لها ، وما تشعر به من يأس من
عدم تحقق تلك الوعود والآمال العراض التي كان الأطباء يسبغوها علينا في مراجعاتنا
المتكررة لهم ، فقد اخذ اليأس يتسرب إليها كما أخذ يتسرب لي ، من الحصول على طفل
تقر به اعيننا ويملأ دنيانا بالصخب والسرور ، زاد شغب الأطفال بعد أن لمسوا صمت
زوجتي وسكونها المطبق ، فأكثر ما أثار انزعاجي هذه المرة ليس طرد زوجتي للأطفال بل
صمتها واستسلامها لهم ، فتمنيت شيئا لم اكن اتمناه من قبل ، تمنيت ان تنبري زوجتي
لطردهم كما كانت تفعل من قبل ، إلا أن
الصوت الذي سمعته لم يكن مألوفا كفاية ، سمعت أحدهم يقول لي :
-
ستكون ضمن المجموعة التي ستكلف بمهمة بنسف مجموعة من بيوت الضالين
باغتني هذا الكلام ، فمن هم الضالين الذين سنقوم بنسف بيوتهم ؟ وهل
هذه البيوت فارغة ام بها عوائل واطفال ؟ اردت الإستعلام عن ذلك ، لكن ذلك الصوت
بادرني من جديد :
-
لا تأخذك بالحق لومة لائم وبالضالين رأفة أو رحمة ، انسفوا البيوت على
من فيها ، فهذا جزاء المعاندين لله ولرسوله .
-
ولكن اخي قد يكون هناك اطفال وهؤلاء لا ذنب لهم في ضلال آبائهم
-
لا بل انهم امتداد لهم وقتلهم جزء من العقوبة التي حقت بهؤلاء الضالين
-
ولكن ..
-
اسمع اخي أمامك أمرين : أما ان تشارك وإما ان تقول لنا انك غير مستعد
للمشاركة ؟
قلت في نفسي : و هل لدي الخيار حقا ؟ ام انني في حقيقة الأمر مخير بين
الموت والحياة ، لا بل و ربما يكون اطفال اخي اكثر من يكونون عرضة للأنتقام ، بعد ان
اغدو ضالا مثل هؤلاء ، عاد الصوت إلى مناداتي من جديد :
-
هل انت مستعد ؟
-
نعم اخي انا بأتم الأستعداد لأداء المهمة .
-
حسنا لقد اخترت الصواب
كان الوقت ليلا عندما تحركت المجموعة التي كان يقودها دليل من اهل
المنطقة إلى اهدافها المحددة ، علمت من الدليل ان البيوت أهلة بالساكنين وبينهم
اطفال وعجزة ، فما كان مني إلا أن قدمت هذا الاقتراح :
-
لماذا لا نخرج العوائل قبل نسف البيوت ؟
ألتفت الجميع إلي لفتة واحدة ونظروا بعيون ملؤها التساؤل والشك ، لكنني
وبعد أن ادركت خطورة ما قلت صححت الموقف بإبتسامة صغيرة ، ثم رددت :
-
طبعا انا امزح فقط اردت ان اعرف ردود افعالكم
خاطبني قائد المجموعة :
-
توقف عن المزاح فنحن في الجد
فصمتوا وواصلوا عملهم مستغلين ظلام الليل الذي جعلنا مستورين عن
الانظار ، قسمنا العمل بيننا ، احدنا يراقب الطريق خشية من ان يلمحنا احد ، وكلفت
انا بإستراق السمع من البيوت التي نقوم بتفخيخها حتى لا يشعر ساكنيها بنا ، فيما
انشغل الآخرون بوضع المتفجرات عند جدران البيوت حتى يسهل تدميرها ، وبينما كنت
اؤدي مهمتي ، سمعت بكاء طفل رضيع ونهوضه أمه لإرضاعه ، وهي تهدئه بأغنية جميلة مثلما
كانت تفعل أمي ، وفي بيت آخر كان احدهم يواضب على صلاة طويلة ، فيما قضى احد افراد
البيت الآخر ، وكان طاعنا بالسن وقته وهو يسعل من شدة مرض ألم به ، انهى الجميع
مهامهم ، وقررنا الأختباء خلف ربوة عالية بأنتظار إجراء اللازم ، لفنا صمت طويل ونحن
نرنو إلى قائد المجموعة الذي اخذ يعد جهاز النسف ، تساءلت وقتها : هل انهت المرأة
ارضاع طفلها ؟ وهل انهى المصلي صلاته ؟ وماذا للرجل المريض هل هدأ سعاله وسكنت
آلامه ؟ اخفض الجميع رؤوسهم خشيه ان يصيبهم رذاذ الأنفجار ، فيما استعد القيادي
لضغط الزر ، لحظها راودتني امنية غريبة ، وهي ان يتعطل الجهاز فتفشل المهمة التي
جئنا من اجلها ، فتكمل الآم ارضاع طفلها ، وينهي المصلي صلاته ، وتتوقف اوجاع
المريض وآلامه ، لكن امنيتي تبددت على صوت الأنفجار الذي حول البيوت إلى انقاض ، عندها
تسللنا عائدين إلى مقرنا ، فبعد قليل سيمتلأ المكان بالناس ، وسيغدو وجودنا غير
آمن ، وبينما انا اسير مع الآخرين ، سمعت الأم تردد تلك الأغنية التي سمعتها قبل
قليل ، عندها أدركت ان الطفل قد نام ،
وسمعت الرجل يناجي ربه عندها علمت انه قد انهى صلاته ، أما الرجل المريض فلم اعد
اسمع صوت سعاله وانينه عندها شعرت انه قد تخلص منهما نهائيا ، وبينما انا كذلك ، اذ
سمعت صوت زوجتي وهي تزجر الأطفال بصوت عال ، فيما اخذ الأطفال يحملقون بي كأنهم
ينتظرون معونتي المنتظرة مثل كل يوم ، لكنني خيبت أملهم هذه المرة ، وبدلا عن ذلك
ابتسمت لزوجتي ، التي اخذت تنظر إلى بإستغراب ، فهذا أمر لم تألفه مني ، عندها هرع
الأطفال عائدين من حيث اتوا .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق