الأربعاء، 21 مايو 2014

الحلقة العاشرة ( يوميات سكين )



رواية في حلقات
باسم محمد حبيب
قضيت النهار جالسا في بيتي انتظر مساعدة الآخرين بعد ان كنت المبادر بالمساعدة ، لمحت اطفال اخي وهم يلعبون مثل كل يوم بالقرب من البيت ، لكن على غير العادة لم تعد ضحكاتهم تثير
نشوتي ، بل لم اعد اطيق رؤيتهم يتحركون حولي كأنهم الجراد المنتشر ، كانت زوجتي اكثر المنزعجين منهم ، فما ان تراهم يقتربون حتى تهاجمهم بشتامها ولعناتها التي لا تتوقف إلا بانصرافهم أو تدخلي لصالح الأطفال ، فتصمت على مضض بعد ان تكتم غيضها وغضبها ، لم اكن أعي ما يحصل لها ، وما تشعر به من يأس من عدم تحقق تلك الوعود والآمال العراض التي كان الأطباء يسبغوها علينا في مراجعاتنا المتكررة لهم ، فقد اخذ اليأس يتسرب إليها كما أخذ يتسرب لي ، من الحصول على طفل تقر به اعيننا ويملأ دنيانا بالصخب والسرور ، زاد شغب الأطفال بعد أن لمسوا صمت زوجتي وسكونها المطبق ، فأكثر ما أثار انزعاجي هذه المرة ليس طرد زوجتي للأطفال بل صمتها واستسلامها لهم ، فتمنيت شيئا لم اكن اتمناه من قبل ، تمنيت ان تنبري زوجتي لطردهم كما كانت تفعل من قبل ،  إلا أن الصوت الذي سمعته لم يكن مألوفا كفاية ، سمعت أحدهم يقول لي :
-         ستكون ضمن المجموعة التي ستكلف بمهمة بنسف مجموعة من بيوت الضالين
باغتني هذا الكلام ، فمن هم الضالين الذين سنقوم بنسف بيوتهم ؟ وهل هذه البيوت فارغة ام بها عوائل واطفال ؟ اردت الإستعلام عن ذلك ، لكن ذلك الصوت بادرني من جديد :
-         لا تأخذك بالحق لومة لائم وبالضالين رأفة أو رحمة ، انسفوا البيوت على من فيها ، فهذا جزاء المعاندين لله ولرسوله .
-         ولكن اخي قد يكون هناك اطفال وهؤلاء لا ذنب لهم في ضلال آبائهم
-         لا بل انهم امتداد لهم وقتلهم جزء من  العقوبة التي حقت بهؤلاء الضالين
-         ولكن ..
-         اسمع اخي أمامك أمرين : أما ان تشارك وإما ان تقول لنا انك غير مستعد للمشاركة ؟
قلت في نفسي : و هل لدي الخيار حقا ؟ ام انني في حقيقة الأمر مخير بين الموت والحياة ، لا بل و ربما يكون اطفال اخي اكثر من يكونون عرضة للأنتقام ، بعد ان اغدو ضالا مثل هؤلاء ، عاد الصوت إلى مناداتي من جديد :
-         هل انت مستعد ؟
-         نعم اخي انا بأتم الأستعداد لأداء المهمة .
-         حسنا لقد اخترت الصواب
كان الوقت ليلا عندما تحركت المجموعة التي كان يقودها دليل من اهل المنطقة إلى اهدافها المحددة ، علمت من الدليل ان البيوت أهلة بالساكنين وبينهم اطفال وعجزة ، فما كان مني إلا أن قدمت هذا الاقتراح :
-         لماذا لا نخرج العوائل قبل نسف البيوت ؟
ألتفت الجميع إلي لفتة واحدة ونظروا بعيون ملؤها التساؤل والشك ، لكنني وبعد أن ادركت خطورة ما قلت صححت الموقف بإبتسامة صغيرة ، ثم رددت :
-         طبعا انا امزح فقط اردت ان اعرف ردود افعالكم
خاطبني قائد المجموعة :
-         توقف عن المزاح فنحن في الجد
فصمتوا وواصلوا عملهم مستغلين ظلام الليل الذي جعلنا مستورين عن الانظار ، قسمنا العمل بيننا ، احدنا يراقب الطريق خشية من ان يلمحنا احد ، وكلفت انا بإستراق السمع من البيوت التي نقوم بتفخيخها حتى لا يشعر ساكنيها بنا ، فيما انشغل الآخرون بوضع المتفجرات عند جدران البيوت حتى يسهل تدميرها ، وبينما كنت اؤدي مهمتي ، سمعت بكاء طفل رضيع ونهوضه أمه لإرضاعه ، وهي تهدئه بأغنية جميلة مثلما كانت تفعل أمي ، وفي بيت آخر كان احدهم يواضب على صلاة طويلة ، فيما قضى احد افراد البيت الآخر ، وكان طاعنا بالسن وقته وهو يسعل من شدة مرض ألم به ، انهى الجميع مهامهم ، وقررنا الأختباء خلف ربوة عالية بأنتظار إجراء اللازم ، لفنا صمت طويل ونحن نرنو إلى قائد المجموعة الذي اخذ يعد جهاز النسف ، تساءلت وقتها : هل انهت المرأة ارضاع طفلها ؟ وهل انهى المصلي صلاته ؟ وماذا للرجل المريض هل هدأ سعاله وسكنت آلامه ؟ اخفض الجميع رؤوسهم خشيه ان يصيبهم رذاذ الأنفجار ، فيما استعد القيادي لضغط الزر ، لحظها راودتني امنية غريبة ، وهي ان يتعطل الجهاز فتفشل المهمة التي جئنا من اجلها ، فتكمل الآم ارضاع طفلها ، وينهي المصلي صلاته ، وتتوقف اوجاع المريض وآلامه ، لكن امنيتي تبددت على صوت الأنفجار الذي حول البيوت إلى انقاض ، عندها تسللنا عائدين إلى مقرنا ، فبعد قليل سيمتلأ المكان بالناس ، وسيغدو وجودنا غير آمن ، وبينما انا اسير مع الآخرين ، سمعت الأم تردد تلك الأغنية التي سمعتها قبل قليل ، عندها أدركت ان الطفل قد نام  ، وسمعت الرجل يناجي ربه عندها علمت انه قد انهى صلاته ، أما الرجل المريض فلم اعد اسمع صوت سعاله وانينه عندها شعرت انه قد تخلص منهما نهائيا ، وبينما انا كذلك ، اذ سمعت صوت زوجتي وهي تزجر الأطفال بصوت عال ، فيما اخذ الأطفال يحملقون بي كأنهم ينتظرون معونتي المنتظرة مثل كل يوم ، لكنني خيبت أملهم هذه المرة ، وبدلا عن ذلك ابتسمت لزوجتي ، التي اخذت تنظر إلى بإستغراب ، فهذا أمر لم تألفه مني ، عندها هرع الأطفال عائدين من حيث اتوا .  

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969