باسم محمد حبيب
دور العامل الثقافي لا يقل أهمية وتأثير عن دور العوامل السياسية والثقافية والاقتصادية وغيرها ، لكن الأمر يصطدم بدور المثقف في بلدنا فهو ليس بمستوى دوره في البلدان المتطورة التي يمارس المثقف فيها أدوارها
مهمة تثقيفية وتطويرية وتوعوية وتنظيرية ، إلا
أننا لا يمكن أن نحمل المثقف وحده مسؤولية هذا القصور ، لان منطقة بهذا التأخر
والتخلف والتعقيد أصعب من أن يتم تأهيلها وتوعيتها بوسائل ثقافية محضة وبعدة بسيطة
كعدة المثقف ، لأن تربتنا الثقافية التي تشتغل عليها مجرفة المثقف بوار بفعل التخريب
و الإهمال الطويل ، فما هو السبب الذي يجعل دور المثقف الاجتماعي والسياسي والثقافي
معطل أو دون المستوى المطلوب؟ هل للأمر علاقة بضعف الاستقبال الجماهيري وتأثير الوسط
المناهض للمثقف أم أن السبب في المثقف نفسه ، إن الإجابة على هذا التساؤل يتطلب
منا تشخيص العلل التي تعاني منها ثقافتنا ، فلا يمكننا أن نحمل الواقع الذي نعيشه مسؤولية
البوار ورداءة المنتج الثقافي الذي يتحمله بشكل أساس المثقف زارع الثقافة ومنتجها الأساس
، مع إننا لا ننكر أيضا مسؤولية الجهات والعوامل الأخرى السياسية والدينية والاقتصادية
والتربوية والإعلامية ، إلا أن هذه العوامل بخلاف دور المثقف لها تأثير محدد ، فإذا
كان السياسي مسؤول عن إدارة الدولة وتقرير سياساتها في الداخل والخارج ، فلن يكون مسؤولا
عن وضع فلسفتها العامة ورؤيتها الاستراتيجية على المدى البعيد ، وإذا كان رجل الدين
مسؤولا عن الوعظ والإرشاد الديني واستمرار هيمنة الظاهرة الدينية وتأثيرها في النفوس
، لن يكون معنيا في الغالب عن ما ينتج عن ذلك من الغلو والتطرف ، وإذا كان التربوي
مهتما باستمرار تصاعد نسب النجاح وتراجع نسب الفشل ، لن يكون مسؤولا عن أيضاح آفاق
العملية التربوية وتحديد سبل ارتقائها إلى الأفضل ، أما الاقتصادي فقد يكون مسؤولا
عن إدارة العملية الاقتصادية وتطوير العمل الإنتاجي ، لكنه لن يكون مسؤولا عن خلق جو
ثقافي ونفسي مرن يسمح بازدهار العملية الاقتصادية ويفعل عوامل ديمومتها ، فالمثقف هو
الوحيد القادر على ذلك ، وهو الوحيد الذي يمكنه أن يمارس دوره في أكثر من نطاق ،
لأن الثقافة هي الحاضنة العليا لكل تفرعات الواقع ، وهي الساحة التي يجري على
ضوئها هدير الفعل الاجتماعي ، ومن دونها لن يكون هناك لا حياة ولا أدوار اجتماعية ،
وبوساطة فهمنا لأهمية الثقافة ودورها الكبير نستطيع أن نفسر سبب النكبة الحضارية التي
يواجهها مجتمعنا والفوضى العارمة التي يشهدها واقعنا في أكثر من مجال ، فكل برامج التنمية
الاقتصادية والتطور العلمي والتكنولوجي وتطور الوسائل التربوية والأجهزة الإعلامية
ووسائل البث والعمل الإعلامي و دور الدين ورفع وتحسين الأداء السياسي والسلوك الحكومي
و الارتقاء بفعالية مرافق الدولة لن يعوض الحاجة إلى دور حقيقي وملموس للفعاليات
الثقافية ، فالقضية الأهم تبقى عصية على كل هذه الجوانب ، لأن المطلوب هو خلق جو ثقافي
أمن ومستقر للتطور والرقي ، وهذا الأمر لن يكون ممكنا من دون تفعيل دور المثقف وتنشيط
أداءه ليغدو بالمستوى المطلوب ، ولعلنا نمتلك الآن الفرصة التي تسمح لنا بإخراج المثقف
من دوره الهامشي ووضعه أمام مهام جديدة ، لا سيما بعد أن تهيأت الظروف لذلك ، وأهمها
الظرف السياسي الذي يساعد على ذلك ، ومثلما هيأت مدافع نابليون السبيل لنهضة عربية
بعد سبات طويل في القرن التاسع عشر ، يمكن
أن توفر الظروف التي يشهدها العراق الآن مثل هذه الفرصة ، من أجل إنتاج نهضة عراقية
حقيقية لا ردة إلى الوراء وتراجع إلى الخلف ، لأن النهضة السابقة لم تكن حقيقية ولا
عراقية ولا ملبية لمتطلبات الواقع العراقي ، فهي مجرد استيراد لتجارب مصرية أو سورية
لا أكثر ، وعلى المثقف العراقي إذا أراد أن يكون أمينا على مسؤوليته أن يمارس النقد
بأعلى صوره ، وان يعرض السلبيات كما هي ، ويمتنع عن أي شكل من إشكال المخاتلة والمحاباة
و المجاملة والطرح الغامض أو الفضفاض ، وعليه أن يكون صريحا في عرض المشاكل ، دقيقا
جريئا في وضع الحلول والعلاجات ، فلن يكون مناسبا بعد الآن السكوت عن خطا أو مجاملة
مسيء ، وليس مناسبا اختيار الصمت وتفضيل الهدوء ، لأن في ذلك خيانة لدور المثقف الحقيقي
.
كما أن على المثقف
أن يدرك أن مهمته تفرض عليه الخروج من نمط الواعظ والمرشد الذي يلقي مواعظه
وإرشاداته من برجه العاجي ، و من دور البوق الذي يجمل للسلطان هفواته وللمسيء خطيئته
، ويبرر المواقف بما يخدم الأغراض السياسية ، فهذا الدور العبودي لم يعد خليقا بعنوان
المثقف الجديد ، مثقف النهوض والتطور الذي يحتاجه المجتمع ، ومن اجل أن تغدوا الصفحة
جديدة وناصعة لابد من نزع الأردية القديمة ونسيان كل ما له شان بالماضي حتى نكون قادرين
على مصافحة الحاضر بأيدي طليقة ، لكن هل يمكن للمثقف العراقي أن ينجح وهو محاصر بالرعب
والخوف والتحريم ؟ إذ يعد العراق احد أكثر البلدان خطرا في العالم ، و بسبب ذلك ربما
لن يتمكن المثقف من مغادرة رداءه القديم وأداء دوره الجديد على أكمل وجه ، وبالطبع
يراهن كثيرون على تأثير الظروف في إعاقة دور المثقف مثلما حصل في فترات التاريخ السابقة
، وهؤلاء الذين يتمنون ذلك ويعملون عليه ، هم الذين أعتاشوا طويلا على معاناة المجتمع
وتاجروا بإحزانه وآلامه ، لأنهم يدركون أن بقائهم رهن بفشل المثقف الحقيقي والفاعل
، أو عدم نجاح المشروع النهضوي الجديد ، لكي يعيدوا سيرتهم في الهيمنة والتسيد و مص
دماء الشعب المنهك كما كانوا يفعلون فيما مضى . فهل يقبل المثقف ذلك ويسمح باستعباد
الناس من جديد ؟ أم يمارس دوره بصرف النظر عن المخاطر التي تواجهه مستلهما تجربة أسلافه
من مثقفي العراق في العصور الماضية من أمثال عبد الله بن المقفع والجعد بن درهم وسعيد
بن جبير وحسين بن منصور الحلاج وسواهم مما قدموا حياتهم قربانا لأمانتهم وصدقهم.، لاشك
أن مثقفنا الجديد قادر على أن يعيد سيرة هؤلاء ويمارس الدور نفسه الذي مارسوه بالنظر
لإمتلاكه الفرصة والأمكانية ، ولوجود أرضية مناسبة للنجاح وأفق للتطور ، فلأول مرة
منذ عقود عدة يغدوا المجتمع العراقي أمام بداية جديدة المطلوب أن يستغلها بشكل صحيح
، فإذا كان الاحتلال البريطاني للعراق بداية القرن العشرين قد أرسى البداية لواقع جديد
، فأن الظروف الحالية وضعتنا أمام أفق كبير
بإمكاننا استثماره نحو ما يعيد بناء ذواتنا وتطوير واقعنا وتوجيه حياتنا إلى
الأفضل ، فمهمة مثقفنا الجديدة تتطلب منه أن لا يكون مجرد ناقل أو مقلد لتجارب الآخرين
، بل عليه أن يكون أكثر أنغماسا في مشاكل مجتمعه وأكثر أهتماما بمعاناته ، ومن أجل
أن يكون ناجحا عليه أن يمارس دوره بشكل حر ومستقل عليه و أن يطبخ رؤيته النهضوية في
مطبخ مجتمعه حتى تكون ملائمة لواقعنا ومتطابقة مع حاجاتنا ، فهو معني أكثر من سواه
بمعاينة مختلف زوايا المشهد الجديد ليكون قادرا على وضع النقاط على الحروف وتوجيه الدفة
نحو الأهداف المطلوبة ، فان لم يفعل ذلك فأنه
يكون قد استهان بالدور المفترض منه ، قانعا بالبقاء في حياة الخنوع والرتابة ، مضحيا
بمصلحة الناس والبلد من اجل مصلحته الخاصة حياته الهانئة وسلامته الشخصية .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق