باسم محمد حبيب
تتوارد الأخبار عن عزم الحكومة إعادة تأسيس مجلس خاص بالإعمار على غرار مجلس الإعمار العراقي في العهد الملكي الذي تأسس في بداية الخمسينات من القرن الماضي و الذي تحققت على يديه منجزات كبيرة أهلت العراق
وفي مدة زمنية قصيرة لتخطي
كثير من الدول التي كانت تماثله أو تفوقه قليلا في مستوى التطور ، و ذلك بفضل
مهارة المجلس في التعاقد مع شركات عالمية راقية و رصينة ، إذ كان لتوافر السيولة
النقدية بعد أبرام العراق لاتفاقية مناصفة الأرباح مع شركات النفط الأجنبية العاملة
في حقوله ، الأثر الأكبر في التوجه نحو الأعمار آنذاك ، وتحويل فائض الأموال التي
أخذت تصل الخزينة إلى خدمات ومشاريع أنتاجية وأعمارية مهمة .
لكن تجربة مجلس الأعمار لم تستمر طويلا ، فبعد
سنوات قليلة من إنشائه سقط الحكم الملكي في 14 تموز 1958 وتأسست بدلا عنه حكومة جمهورية
أكملت في بداية تأسيسها مشاريع مجلس الأعمار ، لكن تدهور الأوضاع في العراق نتيجة
تكرر الأنقلابات وما تلى ذلك من حروب وحصار ، أدى إلى تقلص الأهتمام بمجال الأعمار
، لاسيما وأن مجلس الأعمار لم يعد موجودا ، وبات تحديد المشاريع يخضع للإرادة
السياسية للحكام وليس للحاجة الفعلية أو الجوانب الفنية و المالية كما كان الحال
سابقا ، فكان أن أدى هذا الأمر إلى حصول تفاوت في مستوى الإعمار بين محافظة وأخرى والتعاقد
مع شركات غير رصينة ، وبات المزاج السياسي ورغبات المسؤولين هي من تتحكم في تحديد ما
تحتاجه البلاد من المشاريع أو توزيعها بين المحافظات وليس الدراسات الفنية التي
يعدها المختصين .
لذا من الضروري الإستفادة من أخطاء الماضي
عند إعادة تأسيس مجلس الأعمار حتى لا تتكرر تلك الأخطاء مرة أخرى ، وأول شيء يجب
التأكيد عليه هو استقلالية المجلس ، بحيث يكون بعيدا عن تأثير الأحزاب والشخصيات
السياسية ، فيكون المجلس هو الجهة الوحيدة التي تحدد حاجة البلاد إلى المشاريع ، وأهم
الشركات الرصينة التي يجب اختيارها لتنفيذ المشاريع ، وحجم الأموال التي يجب رصدها
لها ، مع وضع خطة إعمارية تشمل عموم البلاد لتوزيع المشاريع بين المحافظات وتحديد
أي المحافظات أولى من غيرها بها .
ولأن عمل مجلس الأعمار سيكون صعبا ومعقدا فإن
هناك حاجة لتأسيس فروع له في المحافظات كافة حتى يهتم كل فرع بشؤون الإعمار في
المحافظة التي يتواجد فيها ، فيكون لكل محافظة فرع يتمتع بالاستقلالية التامة
على غرار المجلس المركزي ، عدا ما يتعلق بصلته بمجلس الأعمار ، وأن يضم هذا المجلس مهندسين وقانونيين
ومحاسبين وفنيين على غرار ما موجود في المجلس المركزي ، لكي يدرسوا جميعا و بحسب
اختصاص كل منهم حاجة المحافظة للمشاريع ويقدروا أيا من تلك المشاريع يجب أن تعطى
لها الأولوية .
أن حاجة البلد لجهد أعماري كبير ومكثف يستوجب
الإسراع بتشكيل مجلس الأعمار ومنحه كافة الصلاحيات التي تتيح له أداء مهامه بالشكل
المطلوب ، وأن يكون هذا الأمر في مقدمة ما سوف يناقش في مجلس النواب القادم ، حتى
نوقف مهزلة المشاريع السطحية والمتلكئة والوهمية التي قاربت الثمانية آلاف مشروع ،
والتي تسببت بهدر كبير للأموال وبتحول البلد إلى مرتع للشركات الفاشلة والوهمية ،
مؤملين أن يكون إقرار مجلس الأعمار بداية الطريق لأعمار حقيقي انتظرناه طويلا .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق