باسم محمد حبيب
بعد تراجع حدة التظاهرات قبل عام من الآن وتشكيل العديد من المتظاهرين والناشطين لتيارات سياسية لغرض المشاركة في الإنتخابات ، شاع بين الأوساط الشعبية لاسيما تلك التي كانت تعول كثيرا
على
التظاهرات سؤال مهم وهو : هل يمكن للإنتخابات أن تحقق ما عجزت التظاهرات
عن تحقيقه من مطالب ؟ إذ أن معظم المطالب التي أراد المتظاهرون فرضها من خلال
التظاهرات لم يجر للأسف تحقيقها إلى الآن ، ومن أهمها : مطلب الإعمار وتطوير
الخدمات ، بشمول جميع المحافظات به ، وعدم التمييز بين محافظة وأخرى في عدد وضخامة
المشاريع المخصصة لكل منها ، هذا فضلا عن المطالب الأخرى ومنها : حل مشكلة
الكهرباء المزمنة ، وإصلاح النظام السياسي ، ومكافحة الفساد ، وإسترجاع الأموال
المنهوبة ، وضمان فرص العمل للشباب ، وتوفير السكن اللائق للمواطنين .
فهناك أسباب تدعو الناس لعدم الثقة بالوعود
الحكومية ، لأنهم ملوا من هذه الوعود التي غالبا ما يجري إطلاقها كدعاية إنتخابية
أو كوسيلة للأفلات من الضغط الشعبي ، فيما يجر الإلتفاف عليها والتملص منها فور
إنتهاء الإنتخابات أو تراجع حدة الضغط الشعبي ، أما الإنتخابات فليس هناك ضمانة
بفوز القوى التي يعتقد المتظاهرون أو الناشطون أنها سوف تكون أمينة على مطالبهم ، هذا
إذا فرضنا إمكانية نجاحها في الحصول على مقاعد تتيح لها فرض مطالبها ، فهناك إحتمال أن هذه القوى قد لا تحصل على
مقاعد كافية لأسباب عدة ، مع عدم تجاهل إحتمال أنه حتى في حال فوزها بمقاعد كبيرة فإنها قد تكون عاجزة عن فرض مطالبها بحكم الواقع
السياسي التشاركي أو المحاصصي ، وإلا لماذا لا تقوم الحكومة الحالية بتنفيذ تلك
المطالب بنفسها إن كانت راغبة في ذلك أو قادرة عليه .
ومن أجل تطمين الناس المشككين برغبة القوى
السياسية بالإصلاح أو بقدرة الأنتخابات على تعديل المعادلة الإعمارية والخدمية الحالية
، فضلا عن العملية السياسية بكامل إشكالاتها والوضع العراقي الداخلي والخارجي ، فإنني
أقترح إجراء حوار أو مفاوضات بين الحكومة ومعها القوى السياسية النافذة من جهة
والناشطين والمتظاهرين غير المنخرطين في التيارات السياسية المشاركة في الإنتخابات
من جهة أخرى ، وذلك من أجل تقريب وجهات النظر والوصول إلى رؤى مشتركة تفتح
الباب لحلول يمكن ان تنهي جزءا كبيرا من معاناة البلاد وتضع نهاية للكثير من مشكلاتها
، فضلا عن أن بقاء الوضع على حاله سوف يؤدي إلى مزيد من التصعيد والإحتقان .
لكن مع ذلك لا
يمكن لأي حوار جدي أن ينجح من دون شروط عدة أهمها :
1-
خلق مناخ إيجابي
يسمح بإجراء مثل هذا الحوار ، وذلك بطرح هدنة يوقف المتظاهرين فيها تظاهراتهم مؤقتا
مقابل موافقة الحكومة والكيانات السياسية على رفض إستهداف المتظاهرين ، والقيام بما
ينبغي القيام به لإيقاف هذا الإستهداف ، وإجراء تحقيق عادل وشفاف لكل عمليات الإغتيال
التي تعرض لها المتظاهرون والناشطون في جميع محافظات البلاد .
2-
يجب أن يشتمل الوفد
الحكومي على ممثلين من الكيانات السياسية المشتركة في الحكومة حتى يكون الحوار شاملا
ويتناول جميع جوانب المشهد العراقي .
3-
يجب أن يكون الحوار
تحت إشراف المنظمة الدولية وممثليتها في العراق وبمراقبة جهات أخرى كالإتحاد الأوربي
وغيرهم .
4-
يجب أن يركز الحوار
على المطالب الأساسية للمتظاهرين ، وعلى رأسها موضوع الإصلاح السياسي ومكافحة الفساد
بإجراءات واضحة وملموسة ، والتحقيق في ملف المشاريع المتلكئة ، فضلا عن ملفي الخدمات
والإعمار اللذان يمثلان أحد أهم أسباب التظاهرات والغضب الشعبي ضد الحكومة والعملية
السياسية .
5- يعد الحوار ناجحا إذا ما ألتزم الجميع بشروطه ، وأدى إلى
نتائج تصب في صالح إستقرار البلاد وضمان أمنها وإستقلالها وإبعادها عن التدخلات الخارجية
، وضمن حقوق جميع أبناء الشعب في الإعمار والخدمات وتوفير فرص العمل ، مع مساواة جميع
المحافظات في مشاريع الإعمار والخدمات وعدم تفضيل محافظة على أخرى وما إلى ذلك .
ومع ذلك لا يمكننا
القول أن هذا الحوار والمفاوضات يكفيان لإنهاء جميع المشكلات التي يعاني منها
البلد ، لكن يمكن لهما ان يجدا حلولا لمشاكل
كثيرة بدت عصية على الحل وشكلت هاجسا كبيرا لأبناء البلد وسببا أساسيا من أسباب معاناتهم
الكبيرة ، على أمل الوصول إلى حلول نهائية لجميع المشكلات التي تعاني منها البلاد ،
وهي حلولا تتطلب تضحيات كبيرة وجهدا أكبر من جميع العراقيين .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق