باسم محمد حبيب
بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية مباشرة ، أندلعت الحرب الباردة بين المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والمعسكر الشرقي ( الأشتراكي ) بقيادة الأتحاد السوفيتي السابق ، وبما أن هذه الحرب
لم تكن حربا قتالية أو عسكرية ، فقد شملت مجالات عدة : أقتصادية وسياسية وثقافية وغيرها ، وكان من بين المجالات التي شملتها هذه الحرب ، المجال الفني ، فكان أن أستخدم المعسكرين صنوفا مختلفة من الفن في حربهم هذه ، ومن ذلك صنف الغناء والموسيقى ، ومن أهم الأمثلة على أستخدام الموسيقى و الغناء في الحرب الباردة : أغاني فرقة ( Boney M ) الأمريكية ، التي حازت على شهرة كبيرة في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي ، فكان من أغانيها الشهيرة المعبرة عن هذا المسار : أغنية ( راسبوتين ) ، التي تناولت الواقع الروسي ، و تصوير ما حل فيه من التفسخ والأنحلال في نهاية العهد القيصري ، و فشل الحكومة القيصرية في منع التيار الفوضوي من التغلغل في المجتمع الروسي وفرض أرادته عليه ، تعبيرا عن سيطرة البلاشفة بعد ثورة أكتوبر التي قادها لينين عام 1917 ، لكن الملاحظ أن نشاط هذه الفرقة لم يقتصر على هذا الشكل من الأغاني فقط ، بل شملت أغاني أخرى كانت وجهتها هذه المرة الشرق الإسلامي ، بوصفه العدو الآخر المحتمل للغرب ، وبالطبع لم يجدوا أفضل من ( بابل ) لتكون رمزا لهذه الحرب الفنية ، فعرضت الفرقة أغنية ( على أنهار بابل ) عام 1979 ، التي تتحدث عن معاناة اليهود بعد أسرهم على يد ملك بابل من السلالة الكلدانية نبوخذنصر الثاني ( 604 - 562 ق.م ) ، وهي أغنية مأخوذة من التوراة المزمور ( 137 ) ، وبتقديري فإن سبب أختيار بابل لتكون عنوان الأغنية ، ليس فقط لمكانة بابل التاريخية والحضارية ، ولا لإضطهادها لليهود ، كما حاول أن يفسر بعضهم ذلك من أجل التقرب لليهود الذي باتوا يشكلون نخبة العالم في مجالات عدة ، بل لأن حضارة بابل هي آخر الحضارات الشرقية ( مكانيا ) التي يمكن وضعها كند حقيقي لحضارات الغرب التي جاءت بعد ذلك كحضارة الأغريق وروما وأوربا العصور الوسطى والحضارة الغربية الحديثة ، وربما أيضا لإبراز أن الشرق الجديد مختلف عن الشرق القديم الذي تمثله بابل ، الذي وإن أنتهى ككيان سياسي وحضاري على يد الفرس الأخمينيون ثم الأغريق بعد ذلك قبل ألفان وخمسمائة عام ، إلا أن ذكره مازال ماثلا ، لكن يعول الغرب في مواجهة ذلك على التيارات القومية والإسلامية المدعومة غربيا وأمريكيا التي أخذ ظهورها يبرز في العقود الأخيرة ، فهذه التيارات يمكنها أن تجعل الغرب أكثر سعادة بإبقائها الشرق متخلفا وضعيفا .
وبالطبع كان هناك أيضا نشاطا فنيا سوفيتيا مضادا إلا أنه كان أقل تأثيرا و شهرة من الأنشطة الغربية ، ولعل من بين ما كان يبدع به السوفيت للرد على الحرب الغربية الفنية ، هو العمل الدعائي المضاد ، ومحاولة تشويه صورة الغرب في أذهان الجمهور السوفيتي ، فضلا عن فضح أنشطته وبث الدعاية المضادة ضدها ، وكانوا يشيرون إلى أن هدف الغرب من الأفلام والأغاني والمحتويات الفنية الأخرى التي ينتجونها ، هو نشر التفسخ والأنحلال في العالم ، حتى أنهم وصفوا الفنانة الأمريكية الجميلة ( مارلين مونرو ) بدمية الأغراء الأمريكية ، بل ووصل الأمر بهم حد التشفي بإنتحارها ، و قطع نشرة الأخبار الرسمية لإذاعة خبر وفاتها إنتحارا !
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق