الأحد، 22 نوفمبر 2020

ما تتميز به ملحمة جلجامش على الملاحم الأخرى

 باسم محمد حبيب

المؤرخون عموما و المعنيون بحضارة بلاد الرافدين خصوصا يعترفون بإن ملحمة جلجامش هي أقدم ملحمة أبدعها الإنسان طوال تأريخه ، وإنها تسبق كل الملاحم الأخرى المعروفة بما لا يقل عن عشرة قرون

مع منحها الأفضلية في جوانب عدة : كوصفها أول قصة تأملية للإنسان وأول نص يحمل رؤية فكرية أو قراءة إجتماعية .

لكن كثيرا منهم لم يضعها في المرتبة الأولى من ناحية الحجم وجمالية المضمون وروعة الأحداث ، ففي حين تربو أبيات ملحمتي الألياذة والأوديسة اليونانيتين وملحمتي المهابهارتا والرامايانا الهنديتين على عشرات الآلاف لكل واحدة منها موزعة على فصول وأقسام عدة فضلا عن الصياغة الفنية الجميلة والأحداث المشوقة ، لا تتجاوز أبيات ملحمة جلجامش الثلاثة أو الأربعة آلاف بيت فضلا عما يحتويه مضمونها من التكرار والعبارات المعقدة والصعبة .
لكن هل هذا وحده ما يعطي هذه الملاحم الأفضلية على ملحمة جلجامش ؟ أم أننا بحاجة إلى معاينة أمور أخرى كالعمق الفكري الذي تحمله ملحمة جلجامش وتناولها لمشاكل الإنسان بوصفه أهم ما يفرد هذه الملحمة عن غيرها من الملاحم الأخرى ، فهي الملحمة الوحيدة من وجهة نظرنا المتواضعة التي جعلت الإنسان يتغلب على الآلهة عندما رأى جلجامش الخلود المادي الذي هو أهم ما يميز الآلهة عن البشر شيئا مقيتا مع الكسل والضعف بعد أن وجد سلفه أوتو نابشتم الخالد مضطجها على ظهره لا يقوى على فعل شيء ، فهاله هذا المصير الذي لم يكن يتوقعه والذي ربما جعله يعتقد أن الآلهة نفسها قد تواجه مثله في وقت ما مع طول عمرها مقارنة بالبشر ، لذا لم يحفل كثيرا بخسارته لعشبة تجديد الحياة أو إستعادة الشباب ورنا لما هو أهم بنظره من هذا الخلود المحبط والناقص ، إلى الخلود المعنوي الذي يجعل الإنسان حيا في ضمير ناسه ومجتمعه وهو الخلود الذي تحققه الأعمال الحسنة والطيبة .
كذلك تعرض الملحمة فشل الآلهة في جعل جلجامش وأنكيدو غريمان يتربص أحدهما بالآخر ، فكان غدوهما صديقان مقربان نقضا لمشيئة الآلهة في أن يبقيا يحاربان بعضهما البعض حتى يتخلص الناس من إضطهاد جلجامش الذي جعلهم يشكون في قدرة الآلهة على منعه .
وهذا ما لا نجده في الملاحم الأخرى ، إذ نجد أن حرب الألياذة وقعت وأنتهت كما حتمت الآلهة أو كما وجهت أو تنبأت ، وأنتهت الأوديسة بإستسلام أوديسيوس لإله البحر بوسيدون وإعترافه بربوبيته وتفوقه ، وبإنتهاء حرب المهابهارتا بالندم والألم بعد أن وقع أبطالها في مصيدة الآلهة ، و ببطولة الإله فشنو في الرامايانا الذي أنقذ البشر من الشياطين في تجسده على صورة راما البشري .
فملحمة جلجامش هي الوحيدة التي جعلت الإنسان هو من حقق الإنتصار في النهاية وأثبتت خداع الآلهة ونظرتها الدونية للبشر .

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969