السبت، 21 نوفمبر 2020

هل بنى البابليون معبدا للإله سين عند غزوهم الحجاز في عهد الملك نابونائيد ؟



د. باسم محمد حبيب
من أكثر الحملات التي أثيرت حولها تساؤلات كثيرة : حملة الملك البابلي الأخير نابونائيد ( 555 - 539 ق.م ) التي أستهدف بها شمال غرب الجزيرة العربية ( الحجاز ) ، إذ جرى التساؤل حول أسباب هذه الحملة ومداها ، وهل شملت معظم غرب الجزيرة العربية أم شملت فقط أطرافها الشمالية ؟ وما أهم ما حققته من نتائج سواء على المدى القريب أم على المدى البعيد ؟ ونظرا لنقص المصادر الكتابية وندرة التنقيبات الأثرية في المنطقة فقد بات من الصعوبة على المؤرخين الإجابة على كثير من تلك التساؤلات إجابة دقيقة ووافية ، فبات عليهم الإستعانة بالأدلة غير المباشرة لبلوغ مرادهم ، فكانت إجابتهم لأسباب ذلك الغزو مقسمة بين السبب السياسي وهو محاولة الملك نابونائيد إنشاء عاصمة سياسية بديلة عن بابل المهددة بالسقوط على يد الفرس الأخمينيين والسبب الإقتصادي لإيجاد طرق تجارية بديلة عن الطرق التي سيطر علىها الفرس الأخمينيون في إيران و آسيا الصغرى ، أما مدى الحملة فالنص المسماري الذي تناول أحداثها عرض جملة مواقع تمكن البابليون من السيطرة عليها أهمها : تيمو ( تيماء ) و يثريبو ( يثرب ) وفدكو ( فدك ) ، وهي مواقع يقع أغلبها في شمال غرب الجزيرة العربية ( الحجاز ) ، ومن المحتمل أن هناك مناطق وصلها البابليون لكن النص المسماري لم يعرضها لقلة أهميتها ، أما أهم ما حققته من نتائج : فعلى رأس ذلك سيطرة البابليون على منطقة كانت خارجة عن نطاق سيطرتهم و سيطرة كثير من الدول الأخرى في المنطقة ، ووصول الحضارة لأول مرة إلى هذه المنطقة التي كان يغلب عليها طابع البداوة ، لكن ليست هذه هي التساؤلات الوحيدة التي خالجت أذهان المؤرخين ، فقد خالجتهم تساؤلات أخرى من قبيل : ماذا حصل للبابلييين في غرب الجزيرة العربية بعد سقوط بابل على يد الفرس الأخمينيين عام 539 ق.م ؟ وفيما إذا بقي البابليون في تلك المنطقة بعد سقوط عاصمتهم كيف كان وضعهم الإجتماعي والسياسي فيها ؟ وللإجابة نقول أن من المرجح أن البابليون في هذه المنطقة لم ينسحبوا منها ويعودوا إلى بابل بعد إنهيار حكم نابونائيد وسيطرة الفرس الأخميننين على بابل ، فهناك نصوصا تدل على إستمرار وجودهم ، بعضها مدونة ببعض لغات شبة الجزيرة العربية ، كما أن هناك مظاهر حضارية تدل على وجودهم هناك من أهمها : تأسيس عدد من المدن ، إذ من المعلوم أن مناطق شبه الجزيرة العربية تكاد تخلو من المدن بإستثناء اليمن الذي يمتلك وضعا خاصا مختلفا عن أوضاع بقية أرجاء شبه الجزيرة العربية ، ومن المظاهر الأخرى ظهور الكتابة التي ربما جاءت بتأثير البابليين ، مع أن معظم الكتابات التي ظهرت في تلك المنطقة كانت مدونة بخطوط أقرب ما تكون إلى الخط الأبجدي المختلف عن الخط المسماري البابلي ، علما أن البابليون أنفسهم دونوا بهذا الخط سواء في عهد المملكة البابلية الأخيرة أم في العهد الفارسي الأخميني وما تلاه من عهود ، ولكن أهم تلك المظاهر الحضارية هو وصول ديانة الإله ( سين ) إلى غرب شبه الجزيرة العربية ، والتي يرجح كثيرا أنها كانت من أهم الأسباب التي دعت نابونائيد لغزو المنطقة من أجل نشر عبادة هذا الإله لتمتد في عهده من حران شمالا إلى مكة جنوبا ومن أور شرقا إلى فلسطين غربا ، ومن المحتمل أنه قد بنى معبدا لهذا الإله في منطقة نفوذه في شبه الجزيرة العربية ربما في تيماء نفسها ، وعلى الرغم من أننا لا نملك أدلة أثرية تؤيد ما أشرنا إليه من وجود هذا المعبد إلا أن هناك أدلة غير مباشرة تدعم ذلك أهمها : إنتشار رمز هذا الإله وهو الهلال في رسومات هذه المنطقة والذي بات فيما بعد رمزا للديانة الإسلامية نفسها ، ووجود إشارت على إنتشار الديانة الصابئية في بعض أرجاء هذه المنطقة أهمها تلك الواردة في القرآن الكريم ، وإطلاق مشركي مكة لفظة ( صبأ ) على من يترك دين قريش ويدخل الإسلام ، كما يعرض تساؤل آخر حول وجود عبادة الإله ( مردوخ ) وأبنه ( نابو ) ، فمن المحتمل أنه ليس كل البابليين في غرب الجزيرة العربية عبدو الإله ( سين ) ، فعلى الأرجح هناك من تمسك بعبادة مردوخ التي هي العبادة الرسمية لبابل ، ومن المحتمل جدا أن هؤلاء أيضا أنشأوا معبدا لهم في هذه المنطقة نحن نرجح أنه بني في موقع الكعبة نفسها ، وإن الإله ( هبل ) إله قريش هو نفسه الإله مردوخ لكنه حمل الأسم البابلي الثاني له أي ( بل ) ويعني السيد ، فأضيفت له (الهاء) التي هي أداة التعريف في اللغات العربية الجنوبية بدلا عن (أل ) أداة التعريف في اللغات الشمالية وذلك بعد سيطرة قبيلة جرهم اليمنية على مكة في فترة لاحقة .

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969