د . باسم محمد حبيب
لا يعرف بشكل دقيق الزمن الذي ظهرت فيه أولى
الأنظمة السياسية في منطقة شمال أفريقيا ، وهل كانت قرطاجة هي الكيان السياسي الأول
أم سبقتها كيانات سياسية لم تصلنا معلومات عنها ، فالمؤرخ ( يوستينوس ) يشير في
معرض تناوله لهجرة الفينيقيين إلى شمال أفريقيا ، إلى محاولة زعيم محلي أسمه (
هيرباص ) (Hiarbas)
إجبار الفينيقيين على تزويجه من الأميرة (أليسا) ( Alisa) التي فضلت الإنتحار إخلاصا
لزوجها ( عشرباص )( Ashrbas))
، ما دفع هيرباص إلى فرض ضريبة على القرطاجيين إستمرت إلى النصف الثاني من القرن
الخامس قبل الميلاد ، ومن تحليلنا لهذه الرواية تتضح لنا أمور عدة منها :
أ- وجود زعيم محلي لا يعرف على وجه
اليقين إن كان ملكا أم زعيما قبليا ، كان قويا بما يكفي لمحاولة إرغام الفينيقيين
على تزويجه من الأميرة اللاجئة ( أليسا ) ، ما يعني أن لديه أرض يسيطر عليها وشعب
يحكمه ، وإن الفينيقيين لم يستطيعوا الإستقرار في الأرض التي لجأوا إليها إلا بعد
أن ضمنوا موافقته وقبلوا بدفع ضريبة له أستمرت سارية لعدة قرون بعد ذلك .
ب- يلاحظ وجود شبه بين أسم هذا الزعيم المحلي و أسم زوج الأميرة أليسا ، ما
يضعنا أمام عدة إحتمالات إما : أن هذا الزعيم المحلي من أصل فينيقي من بقايا هجرة
فينيقية سابقة لقدم الروابط ما بين الفينيقيين وسكان شمال أفريقيا ، أو أنه من أصل
محلي أي من الليبيين أو الأمازيغ لكنه حمل أسماً فينيقيا بسبب تأثره بحضارة الفينيقيين
الذين كانوا على تواصل دائم معهم بوساطة ما بينهم من روابط تجارية ، أو أن القصة
برمتها من نسج الخيال ولا أصل لها إستنادا لما فيها من تناقضات ومبالغات .
كذلك هناك روايتين أخريتين عن زعيمين محليين
من القرن الرابع قبل الميلاد إحداهما لـ(يوستينوس ) ورد فيها إستنجاد حنون
القرطاجي بأحد الزعماء المحللين لمساعدته في الإستيلاء على السلطة في قرطاجة ، أما
الثانية فلـ( ديودور الصقلي ) أشار فيها إلى إنعقاد تحالف بين ( أغاثوكليس ) طاغية
سيراكوزة وزعيم محلي أسمه ( أيليماس ) (Ailymas)
عند محاولة أغاثوكليس غزو قرطاجة ، ومن صيغة أسم هذا الزعيم نجد أنه أيضا يحمل أسما فينيقيا لأن ( أيل ) هو أسم كبير آلهة الفينيقيين ، وتسمي زعيم به يضعنا أمام أحتمالين : أما أن هذا الزعيم قرطاجي معارض أي من أصول فينيقية أو أنه زعيم محلي ولكن بأسم فينيقي ، وإذا ما صح هذا الأحتمال فأنه يشير إلى وجود
زعماء محليين قادرين على مقارعة قرطاجة والتحالف مع أعدائها ، ما يعني أنهم يمتلكون
القوة الذي تغري أعداء قرطاجة على التحالف معهم ، لكن مثل الرواية السابقة لا تفصح
هاتين الروايتين عن صفة هذين الزعيمين وهل هما ملكين أم زعيمين قبليين ، فضلا عن
عدم إمكانية ربط زعامتهما بكيانين آخرين ظهرا على مسرح التاريخ بعد ذلك بوقت قصير
وهما : ( الماسيل ) في تونس والأجزاء الشرقية من الجزائر و ( المازيسيل ) في
المغرب والأجزاء الغربية من الجزائر .
لقد كان للحرب البونية بين قرطاجة وروما
أثرها في تسليط الضوء على هذين الكيانين كما كان لها الأثر أيضا في تحولهما إلى
مملكة واحدة ، وذلك بجهود ( ماسينيسا )
أبن ( غايا ) زعيم الماسيل الذي كان قبل بدأ الحرب متحالف مع القرطاجيين على الضد من خصمه ( سيفاكس ) زعيم
المازيسيل الذي كان متحالف مع الرومان ، لكن بعد نشوب الحرب البونية أنقلبت هذه
المعادلة فجأة ، فأصبح ماسينيسا مع الرومان فيما تحول سيفاكس إلى جانب القرطاجيين ،
ولا تعرف الأسباب الدقيقة التي أدت إلى هذا التحول الدراماتيكي سوى إدراك ماسينيسا
أن قرطاجة لم تعد الطرف القوي بعد أن مالت الحرب لصالح أعداؤها الرومان ، وإن
وقوفه إلى جانب الرومان كفيل بتحقيق طموحاته في إنشاء مملكة موحدة في شمال أفريقيا
، وفعلا نجحت مخططات ماسينيسا بعد إنتصاره وحلفاءه الرومان في معركة زاما عام 202
ق.م ، التي ترتب عليها تقلص نفوذ قرطاجة وتحولها إلى دولة خاضعة لروما ، فزاد هذا
الأمر من تعقيد منطقة شمال أفريقيا التي إنقسمت إلى ثلاث ممالك كلها خاضعة لروما و
هي :
1- مملكة قرطاجة
وهي المملكة التي أسسها المهاجرون الفينيقيون
قبل عدة قرون ، إذ أخذت قوتها بالتعاظم تدريجيا حتى باتت تسيطر على طرق التجارة
بين شرق البحر المتوسط وغربه ، وأسست مستعمرات تجارية في القسمين الأفريقي
والأوربي من البحر المتوسط ، لكنها واجهت منافسة روما التي كانت في البداية منافسة
تجارية ثم تحولت إلى مواجهة عسكرية تبادل فيها الطرفان النصر والهزيمة ، إلا أن
روما حسمت الحرب أخيرا بعد أن حركت الخلافات بين قرطاجة وزعماء الأمازيع ، فكانت المرحلة
الأخيرة من الحرب البونية الأولى وبالا على قرطاجة بعد أن أنتهت بهزيمتها أمام
الرومان عام 202 ق.م ، ونظرا لدفعها أموال طائلة لروما كتعويضات حرب ، فقد أصابها
الأفلاس ولم تعد قادرة على تجنيد قوات تدافع بها عن نفسها أو بناء تحالفات جديدة ، ومن ثم أصبح من السهل
محاربتها وإسقاطها نهائيا في عام 146 ق.م .
2- مملكة نوميديا
عى أثر إنتصار روما وحليفها ماسينيسا على
قرطاجة وحليفها سيفاكس ، أنهارت مملكة المازيسيل ، فأصبحت أراضيها خاضعة لماسينيسا
، الذي أصبح حاكما على مملكة موحدة أمتد نفوذها ما بين قرطاجة في الشرق أي تونس
الحالية ومملكة المور في الغرب في الجزء الغربي من المملكة المغربية الحالية ، وذلك
من عاصمته سيرتا ( قسطنطينة ) ، لكن إنجازات ماسينيسا لم تقتصر على الجانب السياسي
بل شملت أيضا جوانب أخرى إقتصادية وثقافية ، فضلا عن إعمار عاصمته سيرتا التي باتت
إحدى المدن المهمة في شمال أفريقيا ، لكن بعد وفاته تنازع أولاده على الحكم ، ما
أدى إلى تدخل روما التي قسمت الحكم فيما بينهم ، فجعلت ( مكيسبا ) حاكم للبلاد وأعطت
أخوه (غيلاسا) قيادة الجيش أما الأخ الثالث (ماستانابال) فقد أصبح القائد الأعلى
في مملكة نوميديا ، وتدخلت روما من جديد
في عهد مكيسبا الذي كان يرغب في إبعاد أبن أخيه يوغرطة وإعطاء الحكم لولديه ،
فأجبرته روما إلى تقسيم الحكم بين أولاده وابن أخيه يوغرطة الذي لم يقبل بذلك ،
فأستولا على مقاطعات أبناء عمه ثم حارب روما التي رفضت إجراءاته ، لكنه أنهزم
أخيرا بعد أن تمكن الرومان من أسره بالتعاون مع بوخوس الأول ملك المور ، إلا أن
الرومان لم ينهوا إستقلالها تماما إلا في عام 44 ق.م ، وهو العام الذي تم فيه
إنهاء وجود المملكة النوميدية وإخضاع أراضيها لحكم روما المباشر .
3- مملكة المور
هي مملكة نشأت في الحدود الغربية لملكة
نوميديا عاصمتها مدينة
وليلي القديمة بالقرب من مدينة فاس الحالية ، جاء أول ذكر لملوكها في أثناء الحرب
الذي شنها الرومان ضد يوغرطة النوميدي ، إذ أنحاز ملكها ( بوخوس الأول ) إلى جانب
الرومان على الرغم من صلته بيوغرطة كونه والد زوجته ، ويبدو أن السبب في ذلك يعود
لإدراكته إستحالة هزيمة الرومان ورغبته في توسيع نفوذه على حساب صهره ، ﻭﺑﻌﺪ ﻭﻓﺎﺓ
ﺍﻟﻤﻠﻚ ﺑوﺨﻮﺱ ﺍﻷﻭﻝ ﺣﻮﺍﻟﻲ ﺳﻨﺔ 80 ﻕ ﻡ ﺗﻨﻘﻄﻊ المعلومات عن هذه المملكة عدى الإشارة
إلى وجود ملك بإسم سوفس حوالي 62 ق.م ، الذي يعتقد أنه والد بوخوس الثاني الذي
شارك في الحرب الأهلية الرومانية إلى جانب أكتافيوس ضد أنطونيوس ، وهذا الأخير
دعمه أحد زعماء المور وأسمه بوغود الأول ، الأمر الذي جعل بوخوس يستولي على أراضي
الأخير كمكافأة له لوقوفه إلى جانب أوكتافيوس ، لكن وفاة بوخوس في عام 33 ق.م وعدم
وجود وريث له جعل أوكتافيوس يضم هذه المنطقة إلى الحكم الروماني المباشر ، ثم ولى
عليها في 25 ق.م الزعيم النوميدي يوبا الثاني ، تلاه أبنه بطليموس الذي مثلت مدة
حكمه آخر فترات إستقلال هذه المملكة .
المصادر
1-
ويكيبيديا / مادة نوميديا
2-
ويكوبيديا / مادة موريطنية
3-
مملكة نوميديا وشمس الأمازيغ الغاربة / موقع الباحثون المصريون
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق