الجمعة، 17 أغسطس 2018

ممالك شمال أفريقيا في العصر القديم



د . باسم محمد حبيب
لا يعرف بشكل دقيق الزمن الذي ظهرت فيه أولى الأنظمة السياسية في منطقة شمال أفريقيا ، وهل كانت قرطاجة هي الكيان السياسي الأول


أم سبقتها كيانات سياسية لم تصلنا معلومات عنها ، فالمؤرخ ( يوستينوس ) يشير في معرض تناوله لهجرة الفينيقيين إلى شمال أفريقيا ، إلى محاولة زعيم محلي أسمه ( هيرباص ) (Hiarbas) إجبار الفينيقيين على تزويجه من الأميرة (أليسا) ( Alisa) التي فضلت الإنتحار إخلاصا لزوجها ( عشرباص )( Ashrbas)) ، ما دفع هيرباص إلى فرض ضريبة على القرطاجيين إستمرت إلى النصف الثاني من القرن الخامس قبل الميلاد ، ومن تحليلنا لهذه الرواية تتضح لنا أمور عدة منها :
أ‌-        وجود زعيم محلي لا يعرف على وجه اليقين إن كان ملكا أم زعيما قبليا ، كان قويا بما يكفي لمحاولة إرغام الفينيقيين على تزويجه من الأميرة اللاجئة ( أليسا ) ، ما يعني أن لديه أرض يسيطر عليها وشعب يحكمه ، وإن الفينيقيين لم يستطيعوا الإستقرار في الأرض التي لجأوا إليها إلا بعد أن ضمنوا موافقته وقبلوا بدفع ضريبة له أستمرت سارية لعدة قرون بعد ذلك .
ب‌-   يلاحظ وجود شبه بين أسم هذا الزعيم المحلي و أسم زوج الأميرة أليسا ، ما يضعنا أمام عدة إحتمالات إما : أن هذا الزعيم المحلي من أصل فينيقي من بقايا هجرة فينيقية سابقة لقدم الروابط ما بين الفينيقيين وسكان شمال أفريقيا ، أو أنه من أصل محلي أي من الليبيين أو الأمازيغ لكنه حمل أسماً فينيقيا بسبب تأثره بحضارة الفينيقيين الذين كانوا على تواصل دائم معهم بوساطة ما بينهم من روابط تجارية ، أو أن القصة برمتها من نسج الخيال ولا أصل لها إستنادا لما فيها من تناقضات ومبالغات .
كذلك هناك روايتين أخريتين عن زعيمين محليين من القرن الرابع قبل الميلاد إحداهما لـ(يوستينوس ) ورد فيها إستنجاد حنون القرطاجي بأحد الزعماء المحللين لمساعدته في الإستيلاء على السلطة في قرطاجة ، أما الثانية فلـ( ديودور الصقلي ) أشار فيها إلى إنعقاد تحالف بين ( أغاثوكليس ) طاغية سيراكوزة وزعيم محلي أسمه ( أيليماس ) (Ailymas) عند محاولة أغاثوكليس غزو قرطاجة ،  ومن صيغة أسم هذا الزعيم نجد أنه أيضا يحمل أسما فينيقيا لأن ( أيل ) هو أسم كبير آلهة الفينيقيين ، وتسمي زعيم به يضعنا أمام أحتمالين : أما أن هذا الزعيم قرطاجي معارض أي من أصول فينيقية أو أنه زعيم محلي ولكن بأسم فينيقي ، وإذا ما صح هذا الأحتمال فأنه يشير إلى وجود زعماء محليين قادرين على مقارعة قرطاجة والتحالف مع أعدائها ، ما يعني أنهم يمتلكون القوة الذي تغري أعداء قرطاجة على التحالف معهم ، لكن مثل الرواية السابقة لا تفصح هاتين الروايتين عن صفة هذين الزعيمين وهل هما ملكين أم زعيمين قبليين ، فضلا عن عدم إمكانية ربط زعامتهما بكيانين آخرين ظهرا على مسرح التاريخ بعد ذلك بوقت قصير وهما : ( الماسيل ) في تونس والأجزاء الشرقية من الجزائر و ( المازيسيل ) في المغرب والأجزاء الغربية من الجزائر .
لقد كان للحرب البونية بين قرطاجة وروما أثرها في تسليط الضوء على هذين الكيانين كما كان لها الأثر أيضا في تحولهما إلى مملكة واحدة ، وذلك بجهود  ( ماسينيسا ) أبن ( غايا ) زعيم الماسيل الذي كان قبل بدأ الحرب متحالف مع  القرطاجيين على الضد من خصمه ( سيفاكس ) زعيم المازيسيل الذي كان متحالف مع الرومان ، لكن بعد نشوب الحرب البونية أنقلبت هذه المعادلة فجأة ، فأصبح ماسينيسا مع الرومان فيما تحول سيفاكس إلى جانب القرطاجيين ، ولا تعرف الأسباب الدقيقة التي أدت إلى هذا التحول الدراماتيكي سوى إدراك ماسينيسا أن قرطاجة لم تعد الطرف القوي بعد أن مالت الحرب لصالح أعداؤها الرومان ، وإن وقوفه إلى جانب الرومان كفيل بتحقيق طموحاته في إنشاء مملكة موحدة في شمال أفريقيا ، وفعلا نجحت مخططات ماسينيسا بعد إنتصاره وحلفاءه الرومان في معركة زاما عام 202 ق.م ، التي ترتب عليها تقلص نفوذ قرطاجة وتحولها إلى دولة خاضعة لروما ، فزاد هذا الأمر من تعقيد منطقة شمال أفريقيا التي إنقسمت إلى ثلاث ممالك كلها خاضعة لروما و هي :
1-   مملكة قرطاجة
وهي المملكة التي أسسها المهاجرون الفينيقيون قبل عدة قرون ، إذ أخذت قوتها بالتعاظم تدريجيا حتى باتت تسيطر على طرق التجارة بين شرق البحر المتوسط وغربه ، وأسست مستعمرات تجارية في القسمين الأفريقي والأوربي من البحر المتوسط ، لكنها واجهت منافسة روما التي كانت في البداية منافسة تجارية ثم تحولت إلى مواجهة عسكرية تبادل فيها الطرفان النصر والهزيمة ، إلا أن روما حسمت الحرب أخيرا بعد أن حركت الخلافات بين قرطاجة وزعماء الأمازيع ، فكانت المرحلة الأخيرة من الحرب البونية الأولى وبالا على قرطاجة بعد أن أنتهت بهزيمتها أمام الرومان عام 202 ق.م ، ونظرا لدفعها أموال طائلة لروما كتعويضات حرب ، فقد أصابها الأفلاس ولم تعد قادرة على تجنيد قوات تدافع بها عن نفسها  أو بناء تحالفات جديدة ، ومن ثم أصبح من السهل محاربتها وإسقاطها نهائيا في عام 146 ق.م .
2-   مملكة نوميديا   
عى أثر إنتصار روما وحليفها ماسينيسا على قرطاجة وحليفها سيفاكس ، أنهارت مملكة المازيسيل ، فأصبحت أراضيها خاضعة لماسينيسا ، الذي أصبح حاكما على مملكة موحدة أمتد نفوذها ما بين قرطاجة في الشرق أي تونس الحالية ومملكة المور في الغرب في الجزء الغربي من المملكة المغربية الحالية ، وذلك من عاصمته سيرتا ( قسطنطينة ) ، لكن إنجازات ماسينيسا لم تقتصر على الجانب السياسي بل شملت أيضا جوانب أخرى إقتصادية وثقافية ، فضلا عن إعمار عاصمته سيرتا التي باتت إحدى المدن المهمة في شمال أفريقيا ، لكن بعد وفاته تنازع أولاده على الحكم ، ما أدى إلى تدخل روما التي قسمت الحكم فيما بينهم ، فجعلت ( مكيسبا ) حاكم للبلاد وأعطت أخوه (غيلاسا) قيادة الجيش أما الأخ الثالث (ماستانابال) فقد أصبح القائد الأعلى في مملكة نوميديا  ، وتدخلت روما من جديد في عهد مكيسبا الذي كان يرغب في إبعاد أبن أخيه يوغرطة وإعطاء الحكم لولديه ، فأجبرته روما إلى تقسيم الحكم بين أولاده وابن أخيه يوغرطة الذي لم يقبل بذلك ، فأستولا على مقاطعات أبناء عمه ثم حارب روما التي رفضت إجراءاته ، لكنه أنهزم أخيرا بعد أن تمكن الرومان من أسره بالتعاون مع بوخوس الأول ملك المور ، إلا أن الرومان لم ينهوا إستقلالها تماما إلا في عام 44 ق.م ، وهو العام الذي تم فيه إنهاء وجود المملكة النوميدية وإخضاع أراضيها لحكم روما المباشر .

3-   مملكة المور
هي مملكة نشأت في الحدود الغربية لملكة نوميديا عاصمتها مدينة وليلي القديمة بالقرب من مدينة فاس الحالية ، جاء أول ذكر لملوكها في أثناء الحرب الذي شنها الرومان ضد يوغرطة النوميدي ، إذ أنحاز ملكها ( بوخوس الأول ) إلى جانب الرومان على الرغم من صلته بيوغرطة كونه والد زوجته ، ويبدو أن السبب في ذلك يعود لإدراكته إستحالة هزيمة الرومان ورغبته في توسيع نفوذه على حساب صهره ، ﻭﺑﻌﺪ ﻭﻓﺎﺓ ﺍﻟﻤﻠﻚ ﺑوﺨﻮﺱ ﺍﻷﻭﻝ ﺣﻮﺍﻟﻲ ﺳﻨﺔ 80 ﻕ ﻡ ﺗﻨﻘﻄﻊ المعلومات عن هذه المملكة عدى الإشارة إلى وجود ملك بإسم سوفس حوالي 62 ق.م ، الذي يعتقد أنه والد بوخوس الثاني الذي شارك في الحرب الأهلية الرومانية إلى جانب أكتافيوس ضد أنطونيوس ، وهذا الأخير دعمه أحد زعماء المور وأسمه بوغود الأول ، الأمر الذي جعل بوخوس يستولي على أراضي الأخير كمكافأة له لوقوفه إلى جانب أوكتافيوس ، لكن وفاة بوخوس في عام 33 ق.م وعدم وجود وريث له جعل أوكتافيوس يضم هذه المنطقة إلى الحكم الروماني المباشر ، ثم ولى عليها في 25 ق.م الزعيم النوميدي يوبا الثاني ، تلاه أبنه بطليموس الذي مثلت مدة حكمه آخر فترات إستقلال هذه المملكة .
المصادر
1-   ويكيبيديا / مادة نوميديا
2-   ويكوبيديا / مادة موريطنية
3-   مملكة نوميديا وشمس الأمازيغ الغاربة / موقع الباحثون المصريون  





ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969