د. باسم محمد حبيب
إختصاص تاريخ قديم
في عام 1961 عثر في تارتاريا الرومانية
على مجموعة من الرقم الطينية المكتوبة بكتابة ذات شبه كبير
بكتابة بلاد الرافدين
، وقد رأى الباحثون حينها أن هذه الكتابة هي نتاج تواصل حضاري أو تجاري بين هذه المنطقة
وبلاد الرافدين ، لكن التحليلات العلمية التي أجريت على هذه النصوص أعطت لهذه الكتابة عمرا زمنيا يسبق عمر كتابة بلاد الرافدين بما لا يقل عن عدة مئات من السنين ، ما دفع بعضهم إلى
عدها سلفا لكتابة بلاد الرافدين ، وعد المنطقة التي تم إكتشاف الكتابة فيها من المواطن
التي قطنها السومرين قبل وصولهم إلى بلاد الرافدين .
لكن لو تمعنا في هذه النظرية لوجدنا أنها
تتناقض مع أمور عدة من بينها :
1- إن الكتابة التارتارية وجدت بمكان صغير
و بأعداد قليلة جدا حتى أنها لم تستمر بعد المرحلة التي وجدت فيها إلى بدأ إستخدام
الكتابة من جديد في العصر الأغريقي بعد ذلك بعدة مئات من السنين ، الأمر الذي يؤكد
أن هذه الكتابة هي من جاءت من بلاد الرافدين وليس العكس .
2- من خلال تحليل بعض الباحثين للرموز المنقوشة
على الرقم الطينية تبين وجود شبه كبير بين هذه الكتابة وكتابة عصر جمدة نصر في العراق
( حدود 3200 - 3000 ق.م ) ، وهو العصر الذي شهد إنتقال المؤثرات الحضارية الرافدينية
إلى مناطق أخرى خارج بلاد الرافدين من بينها مصر وآسيا الصغرى وإيران وبلاد الشام والخليج
العربي وبلاد وادي السند وغيرها .
3- إذا كانت هذه الكتابة تسبق كتابة بلاد
الرافدين بعدة مئات من السنين ، لماذا نجدها شبيهة بها ؟ ولماذا لم يجر تغيير عليها
كما حصل لكتابة بلاد الرافدين التي شهدت تغيرات عدة على مر تاريخها الطويل ؟
4- أن هناك شكوك حول صحة التحليل العلمي
الذي حدد عمر الكتابة التارتارية ، وذلك لإنه أعتمد على تحليل بقايا طعام وجد بالقرب
من النصوص الكتابية ، إذ أفترض التحليل أنه متزامن مع زمن كتابة هذه النصوص ، وهذا
الأمر غير دقيق لإن بقايا الطعام ربما تعود لعصر اقدم من عصر كتابة النصوص .
لما تقدم نرجح أن هذه النصوص مرتبطة بحضارة
وادي الرافدين ، وإنها أما أن تكون نصوص كتبت من جماعات محلية بتأثير من كتابة بلاد
الرافدين ، أو أنها عائدة لتجار سومريين كانت لهم صلات تجارية مع هذه المنطقة في ذلك
الزمن ، ونحن نميل إلى الأمر الثاني ، لإن إفتراض أن هذه النصوص كتبت من قبل أقوام
محلية سيعيدنا إلى الجدل حول سبب توقف هذه الاقوام عن الكتابة بعد هذا العصر وعدم إنتشار هذه الكتابة إلى مناطق قريبة ، فضلا
عن أن الأدلة المتوفرة تؤكد إتساع شبكة الإتصالات التجارية لبلاد الرافدين منذ وقت
مبكر ونشوء مستعمرات تجارية في مناطق عدة خارج بلاد الرافدين ، ومن ثم ليس بالمستبعد
أن تكون تلك الكتابة عائدة لإحدى المستعمرات التجارية السومرية أو لتجار سومريين مقيمين
في تلك الانحاء

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق