د. باسم محمد حبيب
سألني أحد الأصدقاء عن القدس ومن له الحق بها تاريخيا : هل هم العرب أم اليهود ؟ وجوابي له : ان كل من العرب واليهود كان لهم تاريخ في هذه المدينة ، إذ يبدأ تاريخ المدينة من العصر الذي كانت فيه بلدة صغيرة ، إلا أننا لا نعلم زمنه بالضبط ، لكن يرجح أنه مرتبط باليبوسيين وهم من الاقوام الكنعانية ، أما تاريخها كعاصمة فقد بدأ بعد تأسيس اليهود لدولتهم الاولى في حدود 1000 ق.م ، إذ أطلقوا عليها أسم ( أور شليم ) أي مدينة السلام ، وبعد إنقسام المملكة العبرية إلى دولتين بعد وفاة الملك النبي سليمان في عام 928 ق.م ، أصبحت أور شليم عاصمة للدولة الجنوبية التي سقطت على يد البابليين عام 586 ق.م ، فكان من أثر ذلك تدمير أجزاء كبيرة منها ، من بينها معبدهم الشهير المعروف بـ(هيكل سليمان ) ، علما أن لفظة هيكل مأخوذة من لفظة ( أي - كال ) السومرية والتي تعني البيت أو المعبد الكبير ، وبعد سقوط الدولة البابلية على يد كورش الفارسي في عام 539 ق.م ، سمح لهم الأخير بالعودة إلى فلسطين ، فكان أن عده اليهود مسيحهم المخلص ، فعاد قسم كبير منهم ، وتمكنوا من إعادة بناء بلداتهم ومنها أور شليم وبعد فترة من خضوع اليهود للحكم الأجنبي الفارسي ثم المقدوني والسلوقي ، تمكنوا بقيادة ( ماتاثياس الحشموني ) من بناء دولة جديدة سميت الدولة المكابية أو الحشمونية ، حكمت من 164إلى 63 ق.م ، فكانت اور شليم عاصمة هذه الدولة أيضا ، قبل ان تسقط بيد بومبي الروماني عند احتلاله لسوريا ، لكن يهوذا بقيت كيانا مستقلا على الرغم من خضوعها للسيادة الرومانية ، وقد أستمر هذا الحال حتى بعد موت آخر أفراد الأسرة الحشمونية في عام 35 ق.م ، إذ حكمت الأسرة الهيرودية الكيان اليهودي على الرغم من أن مؤسسها ( هيرود ) لم يكن يهوديا بل من الأدوميين ، وقد أستمر حكم هذه الأسرة حتى عام 70 م ، وهي السنة التي قام الرومان خلالها بتدمير هيكل سليمان تدميرا نهائيا ، وإنهاء حكم الأسرة الهيرودية ، لكن اليهود لم يستسلموا ، فقد قام ( بركوخبا ) بالثورة على الرومان بين عامي 132 و 135 م ، نجح خلالها من إجتياح أورشليم ، ثم ما لبث الرومان أن أستعادوها منه مبدلين أسمها إلى ( إيليا كابتولينا ) ، بعد أن أفرغوها من اليهود ، فكان أن هاجر عدد كبير منهم إلى مناطقق تقع خارج حدود السيطرة الرومانية كالعراق و الجزيرة العربية ، وقد بقيت القدس تحت حكم الرومان إلى عام 330 م ، وهو العام الذي شهد إنقسام الإمبراطورية الرومانية إلى دولتين إحداهما في روما والأخرى في بيزنطة ، إذ أصبحت إيليا كابتولينا جزءا من الدولة الأخيرة ، ولإن هذه الدولة قد إعتنقت المسيحية ، فقد عدت إيليا كابتولينا مدينة مقدسة ، لذا بنوا فيها كنيسة أسموها (كنيسة القيامة ) على أطلال هيكل سليمان المهدم ، وبعد ثلاث قرون من الحكم البيزنطي جاء العرب المسلمين ، فكان ذلك إذانا بنهاية الحكم البيزنطي للمدينة ، وقد أصبح للمدينة شأن كبير بعد أن قرر الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان وقيل أبنه الوليد بناء مسجد في المكان الذي أسرى إليه محمد ( ص ) ، ردا عل الزبيريين الذين سيطروا على مكة ، وعلى الارجح كانوا أيضا أول من أطلق تسمية القدس عليها ، إذ بقيت القدس بيد العرب المسلمون إلى عام 1099م ، أي إلى الحملة الصليبية الأولى التي تمكنت من إحتلال القدس وتأسيس مملكة بيت المقدس من قبل ( كودفري ) الذي أصبح أول ملك لها ، ثم أستمر حكم خلفاء كودفري إلى عام 1291 ، أي إلى العام الذي شهد سقوط هذه المملكة على يد المماليك بقيادة قلاوون ، ثم حكمها المسلمون طوال عهدي المماليك والعثمانيين ، إلى مجيء الإنكليز الذي ساهموا في تأسيس دولة إسرائيل بعد أن سمحوا لليهود بالهجرة إليها .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق