باسم محمد حبيب
منذ ظهور اطروحة نهاية التاريخ للمفكر الأمريكي الياباني الأصل ( فوكوياما ) والنقاش يدور حول هذا الأمر ، أي هل انتهى التاريخ فعلا أم ان هناك عوامل يمكنها أن تؤجل هذه النهاية أو تمدها لأجل غير معلوم ؟
وهو ما أدى إلى ظهور أطروحات عدة منها : من تؤكد نهاية التاريخ ، ومنها من عرضت ان هناك مجالا لصراعات جديدة إلا أنها لن تكون صراعات كبيرة بل صراعات هامشية لن يكون لها أي أثر على مجرى التاريخ ، فضلا عن نظريات رأت ان نهاية التاريخ لا يمكن ان تحصل لأنها مناقضة لمبدأ الحياة في الحيوية والأستمرارية ، ولعل ابرز النظريات التي عارضت مفهوم نهاية التاريخ بصيغته التامة نظرية الباحث الأمريكي ( صوموئيل هنتنغتون ) الذي رأى : " بأن صراعات مابعد الحرب الباردة لن تكون بين الدول القومية و إختلافاتها السياسية والإقتصادية، بل ستكون الاختلافات الثقافية هي المحرك الرئيسي للنزاعات المستقبلية " مجادلا بأن " الاختلافات أو الخصائص الثقافية لا يمكن تغييرها كالانتماءات الآيديولوجية، فبإمكان المرء أن يغير إتنمائه من شيوعي إلى ليبرالي ولكن لا يمكن للروسي مثلاً أن يصبح فارسيا ففي الصراعات الآيديولوجية ، يمكن للناس أن يختاروا الجانب الذي يؤيدونه، وهو ما لا يحدث في الصراع الثقافي أو الحضاري " مستشهدا بالكثير من المواقف التي لم يكن بالإمكان تفسيرها إلا على وفق هذه النظرية ، كالدعم التركي لأذربيجان في صراعها مع ارمينيا ، وموقف الغرب الضعيف من مجازر الصرب المسيحيين ضد البوسنيين المسلمين ، وما إلى ذلك من الأمثلة التي رأى انها تدعم نظريته ، لكن السؤال هل هذه الأمثلة تكفي لتأكيد وجود الصراع الحضاري ، أم أنها امثلة منتقاة لتدعم هذه النظرية ، فالموقف التركي في النزاع الأرمني الأذربيجاني لا يمكن ربطه كليا بمفهوم الصراع الحضاري بل بمفهوم المصالح التركية لاسيما مع وجود عداء تركي ارمني وخلافات شديدة على الحدود ، و إلا لو كان هذا الامر موجودا كليا لرأينا موقفا مماثلا من إيران تجاه اذربيجان التي تشاطرها المذهب نفسه بخلاف تركيا السنية ، فكان دعم إيران لأرمينيا هو ابلغ تأكيد على ان هذا الصراع هو في المحصلة ليس صراعا حضاريا انما صراعا سياسيا اقتصاديا .. الخ ، وهذا ما ينسحب أيضا على الموقف الاوربي الضعيف من حرب البوسنة فهو لا يختلف عن الموقف الإسلامي ، فضلا عن أن الأوربيين لم يحركوا ساكنا أمام مجازر اخرى قام بها الصرب ضد الكروات وغيرهم من الأثنيات اليوغسلافية السابقة ، لكن هذا لا يعني ان العوامل الحضارية والثقافية ليس لها حضور في العلاقات والمواقف الدولية ، بل ما نقصده هو انها جزء من عوامل اخرى وان أرجحية أيا من هذه العوامل على غيرها يرتبط بمدى الفائدة التي يمكن ان تحققها لأصحاب تلك المواقف ، واعتقد ان الغرب نجح في استثمار هذه العوامل لخلق صراعا حضاري يعيد إلى الإذهان ما كان يجري بين الشرق والغرب من صراعات حضارية ، إلا أن الفرق ان تلك الصراعات كانت صراعات حقيقية فيما ان هذا الصراع الحضاري الجديد هو صراع مصطنع خلقته الدوائر الغربية لخلق فجوة سياسية ودبلوماسية بين الغرب والشرق ، بعد أن تعدت المشكلات ، الجانب السياسي والعسكري ، لتتحول إلى مشكلات ديمغرافية وثقافية ، وإلا لماذا دعم الغرب الثورات الأصولية في الشرق الأوسط ؟ولماذا دعم العوائل والاحزاب الدينية الحاكمة في اكثر من بلد إسلامي ؟ وأخيرا لماذا ساعد على نشوء بعض الحركات المتطرفة وغض الطرف عنها لمدة طويلة كما في حركة طالبان وتنظيمي القاعدة وداعش ؟ إلا ان يكون وراء ذلك هدف مضمر وهو بعث الصراع الحضاري بين الشرق والغرب هذا الصراع الذي يحتاجه الغرب للحفاظ على هويته وضمان مصالحه .
هناك 3 تعليقات:
مقال فيم بارك الله بك
ممتن منك جدا دكتور لحضوركم العبق وكلماتكم الطيبة
إرسال تعليق