تصريح غريب اطلقه يونسي وهو أحد المسؤولين الإيرانيين ، أشار فيه أن
العراق عاد مرة أخرى عاصمة للأمبراطورية الإيرانية ، ومع علمنا ان هذا التصريح لا
يعبر عن وجهة نظر الحكومة الإيرانية ، التي تسعى لبناء
علاقات متوازنة مع العراق مبدأها الأساس التكافؤ والأحترام المتبادل ،
إلا أننا في نفس الوقت نستغرب صدور هذا التصريح من مسؤول بهذا المستوى ، لأن سيادة
الدول أمر لا يمكن أبدا التجاوز عليه .
لقد خضع العراق مرات عديدة مثله مثل أي بلد آخر للأحتلال الأجنبي بشتى
صوره وأشكاله ، وهذا أمر طبيعي مع بلد عريق يزيد عمره على ستة آلاف سنة ، إلا أن العراق ورغم تلك الإحتلالات ، كان
دائما بلدا محدد المعالم ، جغرافيا وديموغرافيا وثقافيا ، فضلا عن تأثيره الذي لا
يضاهيه أي تأثير آخر في شتى النواحي الحضارية والدينية والسياسية .
ففي المجال الحضاري ، كان
العراق مركزا لحضارة بلاد الرافدين طوال أكثر من ثلاثة آلاف سنة ، وهي الحضارة
التي تعد الأقدم من بين كل الحضارات الأخرى ، إذ خضعت المنطقة كلها لإشعاع حضارته ،
حتى عد المؤرخون ومن ابرزهم توينبي ، الحضارة الإيرانية ، على انها فرع من حضارة
بلاد الرافدين ، فضلا عن حضارة اسيا الصغرى ، والحضارة الآرامية السريانية التي
خرجت من رحمها الحضارة العربية .
أما في المجال الديني ، فيكفي أن نشير إلى التأثير الكبير للديانة
العراقية القديمة على معظم ديانات المنطقة والعالم ، فعلى وفق ما هو متعارف عليه ،
تعد الديانة الأبراهيمة التي نشأت في مدينة أور ، الأساس الذي نبعت منه الديانات
التوحيدية الأخرى ، فيما عد علماء الأجناس التوراتيين البشر كلهم ابناءا لـ نوح (
اتراحاسس ) بطل الطوفان البابلي ، فيما عد العرب واليهود ابناءا لـ ابراهيم
العراقي .
وعلى الرغم من خضوع العراق للسيطرة الإيرانية تارة وللتركية تارة أخرى
، إلا انه كان أيضا يخضع هاتين المنطقتين سياسيا وثقافيا ودينيا ، فتركيا نشأت بعد
أن وصل السلاجقة الأتراك إلى منطقة آسيا الصغرى ، في القرن الثاني عشر الميلادي ، بطلب
من الخليفة العباسي القائم بأمر الله ، فيما إستندت أيضا على مذهب الإمام العراقي
ابو حنيفة النعمان في ترسيخ سلطتها ، أما إيران فقد خضعت للحكم الآشوري في العصر
القديم والعباسي في العصر الوسيط ، فضلا عن تبنيها المذهب الشيعي الذي نشأ في
الكوفة العراقية .
إننا لا ننكر العلاقات القوية التي تربط العراق وإيران ، فهي علاقات
مستندة على منطق التاريخ والجغرافية ، ولكن هذه العلاقات يجب أن تأخذ بالاعتبار
مكانة العراق ودوره التاريخي الكبير ، فضلا عن ضرورة أن تتناسب هذه العلاقة مع علاقاته مع الدول الأخرى التي ترتبط
مع العراق بوشائج قوية ، سواء أكان ذلك في الشمال أم الجنوب أو الغرب
فمقام العراق ما بين دول المنطقة ، ليس مقام الابن
بل الأب ، ولابد ان ينظر إليه على هذا الأساس ، فأبوة العراق على وفق ما ذكرنا من
معطيات ، أمر لا يطمسه زيف و لا يحجبه غربال ، فهي مستندة على قيم الموروث و حقائق
التأريخ.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق