باسم محمد حبيب
شهدت محافظة ديالى يوما داميا ، عندما قامت مجموعة مسلحة مجهولة
الهوية بإستهداف المصلين في جامع مصعب بن عمير ، ما أدى إلى سقوط العشرات من
الضحايا والمصابين ، في عمل يعد الأسوأ من نوعه في هذه
المحافظة المنكوبة بالهجمات
المسلحة المختلفة و العمليات الإرهابية المتكررة ، و التي تنشط فيها الجماعات
الارهابية و المليشياوية .
لأول وهلة ، يمكن أن تصنف مثل العمليات في خانة الإستهداف الطائفي ، نظرا
لمكان الاستهداف و هوية الضحايا ، ولكن ليس بالإمكان القطع بذلك ، فما يمكن ان
نرجحه في الأيام العادية وفي أوقات الأمان النسبي ، لا يمكن ان نتوقعه في أيام
التصعيد والاضطراب ، فليس هناك ما يقف حائلا دون عملية يراد بها إثارة الفتنة بين
الأطياف العراقية أو قلب الطاولة على السياسيين ، لا سيما وأن توقيتها مناسب لذلك ،
بل ويخفي دافعا سياسيا أيضا ، ففي خضم مفاوضات تشكيل الحكومة ومحاولة بناء شراكة
جديدة ، يغدو العنف سبيلا مناسبا للمتصيدين بالماء العكر وأصحاب الغرض السيئ .
ومع وجاهة هذا الرأي ومتانة فروضه ، إلا أننا مع ذلك لا يمكن ان نعول
عليه بشكل نهائي في تفسيرنا لما حصل ، لأن العنف في العراق تجاوز ومنذ زمن بعيد
الأطر المنطقية ، بعد أن أختلط الحابل بالنابل وتحول القتل إلى سنة من السنن ،
فدوافع الحقد أو الانتقام لا يحدها حد أو تؤطرها أطر ، فهي دائما ما تكون منفلتة
من عقالها ومتجاوزه لحدودها ، ولذلك فكل الإحتمالات ممكنة في عمل كهذا ، وكل
المشتبه بهم متهمين ما لم يثبت التحقيق براءتهم .
إن إحتمالات الدافع الطائفي يؤيدها الأحتقان الكبير داخل المحافظة بين
من يؤيد داعش ومن يعارضها ، فضلا عن تداعيات الجرائم الطائفية التي ارتكبتها داعش
في مناطق كثيرة ، ولكن إحتمالات الدافع السياسي و التأجيجي قائمة أيضا ، وتؤيدها
جملة من المعطيات التي يجب الوقوف عندها طويلا لتفحص دلالاتها ، فكيف يمكن لجماعة
مليشياوية كبيرة العدد الدخول إلى منطقة تسيطر عليها وبقوة جماعات أخرى من بينها
تنظيم داعش ؟ فعلى وفق ما نسمع من الأخبار
، تعد منطقة السعدية من المناطق التي مازالت عصية على الجيش ومن يسانده من
المليشيات ، إلا أن يكون قد حصل تطور مفاجئ غير هذه المعادلة في زمن قصير ، وهذا
ليس مستبعد أيضا ، مع إحتمالات أخرى كالتسلل أو الهجوم الخاطف ، الذي يمكن القيام
به في كثير من مثل هذه الحالات .
لقد لعب الكثيرون بالنار ، وحاولوا تأجيج الفتنة بين العراقيين بوسائل
وأشكال مختلفة ، من بينها الشحن الطائفي والترويج للفرقة والاختلاف ، لكن أسوأ
الأعمال التي ارتكبها هؤلاء ، تمثلت بارتكاب مئات أو آلاف الجرائم بحق المدنيين
والمؤسسات الحكومية ، وكان آخر هذه الأعمال ، قتل الأسرى العزل من طلاب قاعدة
سبايكر ، في عمل همجي غير مسبوق وجريمة إنسانية مروعة ، قد تكون سببا في تداعيات
أخرى على المديين الطويل والقصير .
لقد خلفت جريمة قاعدة سبايكر ندوبا كبيرة في الجسد العراقي ، ليس بسبب
عدد الضحايا الكبير فقط ، بل ولطبيعة الجريمة وظرفها وما تخفيه من ملابسات ، اخفق
المعنيون في كشفها والتعاطي مع إفرازاتها و تداعياتها ، ويخشى ان تأخذ جريمة
إستهداف جامع مصعب بن عمير الأثر نفسه الذي أخذته جريمة قاعدة سبايكر ، فتتحول إلى
شرارة حقد وشعار إنتقام يصطلي الأبرياء به .
وبالتالي فأن خير سبيل لتلافي ذلك ، هو في بناء موقف وطني إزاء ما
يحدث في العراق ، حتى لا تتحول هذه الحوادث إلى سببا من أسباب الشقاق وإلى غرض من
أغراض الفتنة ، التي يراد بها طحن العراقيين في حروب داخلية لها أول وليس لها آخر
، وان يتم الإسراع بتشكيل الحكومة ، لتكون قادرة على لملمة الموقف وإنهاء التوتر
في الوقت المناسب وقبل فوات الآوان .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق