اشتكى صديق لي من مجاورة بيته
لأربع مساجد ، يستخدم كل منها مكبرات الصوت في رفع الأّذان وإلقاء المحاضرات
الدينية وتلاوة القرآن وقراءة الأدعية والمراثي
، التي غالبا ما تدوم لعدة ساعات ، ويذكر الصديق
أنه وبسبب ذلك ، لم يعد هو
وعائلته قادرين على العيش في البيت ، إذ لا يستطيع إبلاغهم بوضعه حتى لا ينظر له
على انه غير متدين ، فيتعرض لمشاكل هو في غنى عنها .
وهذا ما ينسحب أيضا على كثيرين ممن يجدوا صعوبة في التصريح بمعاناتهم ،
حتى لا يوضعوا في خانة أعداء الدين ، وقد واجه كاتب المقال تجربة مماثلة ، عندما
حاول اقناع خادم المسجد القريب من بيته ، بالتخلي عن مكبرات الصوت عند نقل الأنشطة
الخاصة بالمسجد ، فكان الرد مزيجا من السخرية والتهكم .
لقد تطورت هذه القضية تطورا كبيرا بعد موجة بناء المساجد والحسينيات
التي شهدها البلد في السنوات الأخيرة ، وعلى الرغم من وجود الضوابط التي يتعين
مراعاتهم عند تشييد الأماكن الدينية ، إلا أن الأمر تجاوز ذلك بسبب ضعف السلطة
الإدارية والمتابعة القانونية ، حتى وصل الأمر حد تشييد بعض هذه الأماكن في أراضي
مغصوبة أو متجاوز عليها .
ان اعتقاد البعض بحق الدين في
التعالي على الأنظمة واللوائح القانونية والعرفية ، يجعلهم غير مبالين بما يواجهه
الناس من صعوبات ، وبما يتعرضون له من مضايقات بسبب بعض السلوك الذي يتجاوز الأطر
الطبيعية ، فيؤثر ذلك على اتجاه هذه العلاقة ، التي يجب ان تكون علاقة متوازنة حتى
يتناغم الدين مع الحياة .
ويتناسى المغالين في تدينهم ، ان اهمية الدين لا تكمن فقط في تسكين
عقل الإنسان وتوجيهه نحو الميادين التي تخدم الحياة ، وإنما في إيجاد دعائم للقيم
والمبادئ الضرورية للنمو والتطور ، فبإمكان الدين تنظيم حياة الإنسان وتوجيهها إلى
الأفضل ، على أن يتم ذلك في إطار من العلاقة القويمة التي يكون فيها الدين صنو
الحياة وأحد دعاماتها ، فلا يتجاوز على ضروراتها ولا يتناقض مع أسسها .
ان علينا عند تعاطينا مع الأنشطة الدينية ، ان نميز بين تلك الأنشطة
التي تستخدم لغايات دينية بحتة وتلك التي تستخدم لغايات غير دينية ، كأن تكون سياسية
أو اجتماعية ، ففيما يخص النوع الأول ،
هناك قيمة كبرى وفوائد كثيرة لهذه الأنشطة على المستويات الاجتماعية والسياسية
والأمنية ، لكن الأمر ليس كذلك فيما يخص الأنواع الأخرى على ما بينها من تمايز ،
ففيما يخص الدافع السياسي للأنشطة الدينية ، يعد هذا الدافع خطيرا لأنه يؤسس للفرقة ونبذ الآخر خدمة للأهداف السياسية
، أما الدافع الاجتماعي فيرتبط بالرغبة في استغلال الدين لتحقيق القيمة والمنزلة الاجتماعية
دون أن يكون لذلك علاقة بأصل التدين .
إن من الضروري إعتماد السبل و الوسائل الملائمة في ممارسة الأنشطة
الدينية ، حتى لا يستغل الدين لتحقيق مآرب وغايات لا علاقة له بها ، وليكن شعارنا
الدين للحياة .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق