يثبت الارهاب يوما بعد يوم
انه ليس مجرد خطر عابر ينمو في بيئات معينة ، فهذه الرؤية القاصرة لم يعد لها وجود
بعد أن شق الارهاب طريقه إلى بعض البيئات التي كانت آمنة إلى وقت قريب كسوريا
واليمن ، فضلا عن بيئات اخرى لا تتميز بتنوع اثني كـ ليبيا والجزائر .
وعلى الرغم من مرور أكثر من عقد على بداية الحملة الدولية لمكافحة
الارهاب ، مازال الارهاب يشكل خطرا ليس على منطقة الشرق الأوسط وحسب ، بل وعلى
عموم العالم أيضا ، وبشكل خاص اوربا والولايات المتحدة الأمريكية ، لا بل أن
الارهاب قد نمى وتوسع اكثر بعد ان وجد الحواضن التي تسمح له بذلك ، حتى وصل الأمر
حد تمكنه من مسك الارض ، ليجعل منها قاعدة للعدوان على الآخرين ، كما حصل في سيطرة
تنظيم داعش على منطقة كبيرة في العراق وسوريا .
ولم ينحصر تمدد الارهاب على الجانب العسكري وحسب ، بل زامنه تمدد آخر
في الجانبين الفكري والتقني ، فمن الناحية الفكرية ، لم يعد الارهاب يستهدف فقط الأديان
والطوائف المختلفة عن ديانته وطائفته ، بل شمل أيضا كل من يخالفه بالرأي أو يعارضه
في السياسة حتى من الديانة أو الطائفة التي ينتمي لها ، أما من الناحية التقنية ، فقد
أخذ يستخدم أساليب لا عهد له بها ، تمثلت برفع مستوى نشاطه السياسي والاجتماعي ، ليظهر
للناس وجها غير الذي كان يظهره من قبل ، مع الإستمرار في ممارسة العنف وبشتى
اشكاله وأقصى مدياته .
لكن بدلا من أن يرتقي الجهد الدولي إلى مستوى التوسع التي شهده
الارهاب في السنوات القليلة الماضية ، شاهدنا تراجعا غير معقول في هذا الجهد ،
الأمر الذي عده الارهاب نجاحا له ، شجعه على ان يرفع من وتيرة نشاطه ، ويرفع من
سقف اهدافه ، لتبلغ حدا غير مسبوق ، فضلا عن نجاحه في خلق حواضن جديدة ، وجذب جمهور
اكبر .
ان تحقيق النصر على الارهاب وإنقاذ العالم من شروره ، لا يمكن ان يتم بالاعتماد
على الإمكانات المحلية فقط ، بل لا بد من تعاون عابر للحدود حتى يمكن إستمكان
حواضنه و مصادر نموه ، فالنصر في معركة واحدة أو مكان معين لا يحد من الخطر ، لأن
الارهاب بحكم إتساع حواضنه وتعدد مصادر نموه ، سيكون قادرا على تنظيم نفسه من جديد
وإستعادة ما فقده من عناصر القوة ، كما تفعل الدودة التي تفقد جزءا من جسدها ،
فتبدأ من فورها بإعادة ما فقدته وكأن شيئا لم يكن .
ان على دول المنطقة ان تعي ان ما يحصل في غيرها من الدول ليس سوى
مقدمة لما سوف يحصل فيها ، ولذا فأن من الضروري لكي تقي نفسها مما ينتظرها في
المستقبل ، ان تبادر إلى مساعدة الدول التي تعاني من إختراق الارهابيين ونشاطهم ، لكي تقضي عليه وهو في مراحله الأولى ، وإلا
فأن المستقبل حافل بمفاجآت لا يمكن التكهن بها ، عدى انها لن تكون مثلما تأمله
حكومات هذه الدول .
والشيء نفسه فيما يخص الدول الكبرى ، التي عانت كذلك من نشاطات
الارهابيين كالولايات المتحدة والبلدان الاوربية ، فأن من الضروري ان تبادر هذه
الدول إلى تقديم دعمها الكامل إلى الدول التي تواجه الارهاب ، قبل ان ينفلت من
عقاله ويغدو غير مسيطر عليه ، فما يمكن فعله اليوم قد لا يمكن فعله في المستقبل ،
والخطر الذي يمكن لجمه اليوم بقدر محدود من الإمكانات قد لا يمكن لجمه غدا إلا
بإمكانات كبيرة وتضحيات جسام .
أن من الضروري إقامة تحالف عالمي لمكافحة الارهاب يشمل دول الشرق
الاوسط ، فضلا عن دول أخرى من العالم الغربي ، فترك الارهاب يفتك بالبعض ويمارس
نشاطه العبثي في دول معينة ، ليس عملا لا أخلاقيا وحسب بل ولا إستراتيجي أيضا ، لأن
معركة الارهاب اوسع من أن تكون محلية أو اقليمية صرف ، بل هي معركة دولية وإنسانية
.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق