باسم محمد حبيب
يطلق
على المكان الذي تذهب إليه الأرواح بعد افتراقها عن الجسد بالموت اللفظة السومرية (Kur - Nu - Gi ) تقابلها اللفظة الأكدية
(ersit - la - tari ) ، ومعناها
الحرفي ارض اللاعودة أي العالم الاسفل [1]، أما موقع هذا العالم فهو الفضاء التحتي ) تحت الارض ) المقابل للفضاء الفوقي ( السماء ) .
الحرفي ارض اللاعودة أي العالم الاسفل [1]، أما موقع هذا العالم فهو الفضاء التحتي ) تحت الارض ) المقابل للفضاء الفوقي ( السماء ) .
وتنتقل الارواح إلى هذا العالم الموحش الكئيب
بحسب الميثولوجيا الرافدينية بعد دفنها في القبر الذي يمثل فتحة مؤدية إلى العالم
الأسفل [2]،
ولكن هذا لا يعني ان القبر هو البوابة الوحيدة التي توصل ما بين عالم الأحياء وعالم
الأموات بل هناك بوابات اخرى قد توجد عند كل مدينة [3]،
ومن هذه البوابات انتقل بعض الأحياء إليه سواء من البشر أو الآلهة ، كالإلهة
إينانا ( عشتار ) ، وانكيدو رفيق جلجامش ، كما يوجد نهر لعله فاصل آخر بين عالم
الأحياء وعالم الأموات ، وهو موجود في ميثولوجيا الكثير من الحضارات الاخرى كما هو
الحال مع الحضارتين المصرية واليونانية ، ولا يمكن للموتى الوصول إلى مثواهم
الأخير إلا بعد عبوره بقارب يقوده ربان هو احد موظفي العالم الأسفل ، وقد ورد خبر
هذا النهر في اسطورة يتيمة تتعلق بنفي انليل ( الإله القومي لبلاد سومر ) إلى العالم
الأسفل [4]،
وعندما يصل الميت إلى مثواه الأخير عليه ان يتخلص من كل متعلقات الحياة من ملابس
وحلي ، أي يغدو عاريا تماما ، بل يتخلص حتى
من جسده دلالة على ما يسببه الموت من فقدان للقوة والثروة ، وقد طبق هذا القانون حتى
على الإلهة عشتار في نزولها إلى العالم الأسفل ، وبعد ان تستقر روح الميت في
المكان المخصص لها في ذلك العالم ، لا يعود بإمكانها العودة إلا كشبح يخيف الاحياء
ويسبب لهم الازعاج فيما إذا لم يقدموا له النذور التي يحيا من خلالها ، أما العودة
الكاملة للحياة فلا يمكن ان تتحقق إلا بظرف استثنائي كما حصل مع الإلهة إينانا ( Anana ) عشتار ، ولكن حتى في هذه الحالة لابد من بديل يحل محل العائد
للحياة ، وقد اختارت عشتار زوجها دوموزي
( Dumuzi ) تموز ليكون بديلها للعالم الأسفل ، وهو
ما تناولته اسطورة اخرى من اساطير بلاد الرافدين .[5]
والعالم الأسفل لا يختلف عن العالمين الآخرين
( العالم الأعلى أو العلوي ) و
( العالم
الأرضي ) في انه منظم على شكل دولة يرأسها الإله نركال وأسمه سومري الأصل ( Ne - unu - gal ) ،
وزوجته إرش كي
كال[6] (Eresh - Ki - Gal ) ، يعاونهم سبعة من ( الأنوناكي ) وعدد آخر من
آلهة السماء المنفيين إضافة إلى الجالاK
( Gala ) الذين يشبهون الحرس أو الشرطة ومهمتهم حفظ النظام في ذلك العالم
[7]
، ومن أوصافهم يتبين انهم
": لا يعرفون الطعام ولا
الماء ، فهي لا تأكل طحينا مبثوثا ، ولا تشرب ماء مسكوبا ( القربان
) ، وكانت تأخذ الزوجة من حضن زوجها ، والطفل من صدر مرضعته [8]، وهؤلاء هم الذين رافقوا إينانا ( عشتار
) عند خروجها من العالم الأسفل للإتيان ببديل لها ، وهم الذين قبضوا على زوجها
دوموزي ( تموز ) بطلب منها
.
أما الواقع الاقتصادي لهذا العالم فيختلف
جذريا عن الواقع الاقتصادي للعالم الأرضي الذي يرتكز على مبدأ العمل ، فسكان هذا
العالم ومعظمهم من الموتى لا يملكون القدرة على العمل فهم يعيشون حياة ساكنة كئيبة
، ولكنهم يحصلون على قوتهم من النذور والقرابين التي تصلهم من ذويهم وأقاربهم من
الأحياء ، الذين يتوجب عليهم القيام بذلك ليس بدافع الوفاء للموتى وحسب بل
وبدافع إتقاء شرهم وضررهم ، لأن الأموات فيما إذا لم تصلهم النذور والقرابين سوف يكونون
مضطرين للخروج من العالم الأسفل ومهاجمة الأحياء والتسبب لهم بالكثير من الشرور
والمصائب [9]،
وبالتالي فأن سكان هذا العالم يعتمدون كليا في معيشتهم على سكان العالم الأرضي
حالهم حال سكان العالم العلوي .
وعند
مقارنة اقتصاد هذا العالم مع اقتصاد العوالم المماثلة في الديانات الاخرى لا سيما
الديانات التوحيدية نجد اختلافا كبيرا بين كل منهما ، ففي حين يقوم الإله الواحد
الأحد في الأديان التوحيدية بتوفير الطعام والشراب وبقية مستلزمات الحياة بالخلق ،
لا نجد مثل ذلك فيما يخص آلهة بلاد الرافدين التي تحتاج هي ذاتها إلى الطعام
والشراب الذي يوفره بني البشر لها ، ولكن كيف يمكن لهذه الارواح الخروج من العالم
الأسفل نظرا لما فيه من اسوار عالية وإستحكامات قوية ؟ ومن يضمن عودتهم مرة اخرى ؟
لعل الجواب في أن قوانين العالم الأسفل تسمح للأرواح بالخروج وإزعاج الأحياء فيما
إذا لم يفي الأخيرون بإلتزاماتهم نحوهم ، وقد يتم ذلك تحت مراقبة وإشراف موظفي
العالم الأسفل منعا لأحتمال هروب الأموات
.
هذا يدفعنا للتساؤل عن طبيعة هذا العالم الأسفل : هل هو دار للحساب ( الثواب والعقاب ) أم مجرد مأوى تلجأ إليه ارواح الأموات بعد ان تلفظها الحياة ؟ للإجابة نقول أن هناك من يعتقد بوجود مفهوم الثواب والعقاب في المعتقد الديني العراقي ، وبالنتيجة لا بد أن تبرز ارواح سعيدة وارواح تعيسة تبعا لنتيجة المقاضاة التي يواجهها الميت عند دخوله إلى العالم الأسفل ، لكن هذا الرأي يفتقر إلى الأدلة الكافية هذا أن لم تكن هناك ادلة تنقضه ، ومنها : ان النصوص الدينية لم تشر ابدا إلى ما يشبه النعيم والجحيم الأخروي الذي نعرفه من الديانات الاخرى كالديانة المصرية القديمة والديانات التوحيدية ، أما وجود قضاة العالم الأسفل فليس الغرض منه محاسبة الأموات على سلوكهم اثناء الحياة وإنما على سلوكهم عند موتهم أي خلال اقامتهم في العالم الأسفل كالتقيد بالقوانين وما إلى ذلك [10]، أما كون العالم الأسفل ملجأً أو مأوى للأموات فتنفيه حقيقة فقدانهم لحرية الخروج من هذا العالم ، وبالتالي فأن هذا العالم ليس سوى سجن تودع فيه ارواح الموتى حتى لا تكون قادرة على ازعاج الأحياء ومنعهم من ممارسة دورهم تجاه الآلهة ( خدمة الآلهة( .
هذا يدفعنا للتساؤل عن طبيعة هذا العالم الأسفل : هل هو دار للحساب ( الثواب والعقاب ) أم مجرد مأوى تلجأ إليه ارواح الأموات بعد ان تلفظها الحياة ؟ للإجابة نقول أن هناك من يعتقد بوجود مفهوم الثواب والعقاب في المعتقد الديني العراقي ، وبالنتيجة لا بد أن تبرز ارواح سعيدة وارواح تعيسة تبعا لنتيجة المقاضاة التي يواجهها الميت عند دخوله إلى العالم الأسفل ، لكن هذا الرأي يفتقر إلى الأدلة الكافية هذا أن لم تكن هناك ادلة تنقضه ، ومنها : ان النصوص الدينية لم تشر ابدا إلى ما يشبه النعيم والجحيم الأخروي الذي نعرفه من الديانات الاخرى كالديانة المصرية القديمة والديانات التوحيدية ، أما وجود قضاة العالم الأسفل فليس الغرض منه محاسبة الأموات على سلوكهم اثناء الحياة وإنما على سلوكهم عند موتهم أي خلال اقامتهم في العالم الأسفل كالتقيد بالقوانين وما إلى ذلك [10]، أما كون العالم الأسفل ملجأً أو مأوى للأموات فتنفيه حقيقة فقدانهم لحرية الخروج من هذا العالم ، وبالتالي فأن هذا العالم ليس سوى سجن تودع فيه ارواح الموتى حتى لا تكون قادرة على ازعاج الأحياء ومنعهم من ممارسة دورهم تجاه الآلهة ( خدمة الآلهة( .
[5] . حول هذه
الأسطورة انظر : فاضل عبد الواحد علي ، عشتار ومأساة تموز ، ( بغداد ، 1986 ) ، ص
186 – ص 204 .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق