الدكتور باسم محمد حبيب
الملخص
يتناول البحث مناقشة الرأي الذي طرحه الدكتور نائل حنون المأخوذ من رأي قديم يعود للمستشرق الفرنسي اليهودي الأصل جوزيف هاليفي لحل ما اصطلح عليه المؤرخون بالمشكلة السومرية ، إذ
تمثل رأيه بنفي وجود السومريين وعد وجودهم على أنه من عمل بعض المؤرخين الأوروبيين المتعصبين لتاريخهم ، على رأس هؤلاء - بحسب الدكتور حنون - عالم السومريات الشهير صاموئيل كريمر ، الذي أشار إلى أنه عمل بدأب لتأويل بعض النصوص و تحوير بعض الألفاظ بما يتناسب مع هدفه في إيجاد قوم يمكن أن تنسب لهم المنجزات التي حققتها حضارة بلاد الرافدين ، وعدم نسبتها لصناع الحضارة الحقيقيين ، أي الساميين كما يرى الدكتور نائل حنون .
المقدمة
يعد السومريون من أقدم الشعوب القديمة تمدنا
واكثرهم إسهاما في الحضارة البشرية ، لذا لا غرابة في أن ينصب عليهم اهتمام
المؤرخين والباحثين ، ونظرا لنقص المادة الاثرية والكتابية الخاصة بدراستهم ، فقد
لف الغموض بعض الجوانب التي لها علاقة بتأريخهم ، لا سيما وبشكل خاص أصولهم وموطنهم الأصلي ، الامر الذي ادى إلى نشوء
الكثير من النظريات التي حاولت حل ما عد من قبل الباحثين ( مشكلة تأريخية ) ، والملفت
للنظر في غالب هذه النظريات ، انها وأن تباينت في طروحها تباينا كبيرا ، إلا انها
جميعا تتسم بعدم إستنادها إلى أدلة وبراهين كافية ، الامر الذي وضعها في خانة
واحدة من حيث القيمة والاهمية ، ومن بين النظريات التي تناولت المشكلة السومرية ، نظرية
المؤرخ العراقي نائل حنون ، التي اتجهت إلى نفي وجود السومريين ، عادا اللغة التي
تعد أحد أهم الأدلة على وجودهم ، على انها لغة مخصصة للكتابة لا للحكي ، ونظرا
لمكانة هذا الباحث الكبير ، وما تمثله نظريته من رؤية جديدة فيما يخص حل المشكلة
السومرية ، فقد قررنا دراسة ما تتضمنه هذه النظرية من افكار وآراء ، وأثراء
المناقشة حولها .
الباحث
الدكتور باسم محمد حبيب
(1)
في البداية لابد ان نشير إلى أن الرأي الذي طرحه الدكتور نائل حنون عن السومريين ليس بالرأي الجديد ، إذ سبقه إليه المستشرق جوزيف
هاليفي (Josph Halevy ) ، الذي ربما انطلق في طرحه له من دوافع شخصية كونه
من أصل يهودي ، فرأى في وجود السومريين
غير الساميين تهديدا للريادة الحضارية للساميين التي يشكل اليهود جزءا منهم ، وفي
هذا يقول كريمر : " هناك مستشرق مشهور واحد هو جوزيف هاليفي أنكر على الرغم
من الأدلة التي تخالف ذلك حتى وجود الشعب السومري واللغة السومرية ، وبدأ من سنة
1870 ولمدة تزيد على ثلاث عقود في نشر المقال تلو المقال مصرا على أن لا شعب قط
غير الشعب السامي قد أمتلك بلاد بابل ، وأن ما يسمى باللغة السومرية كان مجرد
اختراع مصطنع قام به الساميون أنفسهم لأغراض سرية وكهنوتية ، وكان لفترة قصيرة جدا
مؤيدا حتى من قبل علماء آشوريات بارزين ، ولكن ذلك أصبح الآن مجرد تساؤل تأريخي لا
غير ، لأنه لم يمضي وقت طويل بعد أستنتاجات أوبرت الثاقبة حول سكان بلاد بابل غير
الساميين ولغتهم حتى بدأت حفريات في موقعين في جنوب بلاد بابل وضعت السومريين على
الخارطة ، بأكتشاف التماثيل والمسلات التي كشفت عن ملامحهم الجسمية والألواح
الطينية العديدة والمهمة بالنسبة لتأريخهم السياسي والديني والأقتصادي والأدبي
" [1]
.
(2)
لقد دأب المؤرخون المتخصصون في تاريخ حضارة بلاد الرافدين على القول بإن تاريخ السومريين مازال بحاجة إلى مزيد من البحوث و الدراسات ، وذلك لوجود قضايا كثيرة مازالت مدار البحث والتقصي ، وهذا ما دفعهم إلى طرح أسئلة عدة حول جوانب محتلفة من تاريخهم ، إذ وصف
الأستاذ طه باقر هذه الاسئلة بأنها مما " يعرف لدى الباحثين في حضارة وادي
الرافدين بالقضية السومرية وهي قضية كثر البحث والنقاش حولها وما زالت ابعد من ان
تكون عن الحل " [2] .
ولذلك نجد أن الدكتور نائل حنون ، يحاول في
نظريته أن ينطلق من وجود ما يسمى بـ( المشكلة السومرية) ، ليثبت " أن وجودها نابع من محاولة الباحثين
أثبات وجود الشعب السومري أي أننا بهذا نبحث عن سراب ، لأن هؤلاء لو كانوا موجودين
حقا لتم على الأقل العثور على بعض الأدلة والبراهين التي تسلط الضوء على حقيقة
وجودهم أما وأن هذه الأدلة والبراهين غير موجودة فالأحرى بدلا أن ندخل في معمعة
الأفتراضات والتفسيرات المتناقضة من أن ننفي وجوهم أصلا ، ولو ألتزمنا بالمنهجية
العلمية الصحيحة لواجهتنا حالة واضحة غير متوقعة مفادها عدم وجود دليل على وجود
قوم بأسم السومريين سوى اللغة التي تتميز بخصائص تجعلها لغة لا يمكن أن تكون محكية
وأنما مدونة فقط ، أي أنها كانت طريقة للتدوين وليس لغة للكلام ، وبهذا فأن اللغة
السومرية يمكن أن تكون موضوعة من قبل أي قوم " [3]
، اما عن المؤرخين والمستشرقين الذين كان لهم اليد الطولى في اختراع السومريين ! –
بحسب رأيه – فأهمهم صوموئيل نوح كريمر (Samuel Noah Kramer ) ، إذ يشير
إليه بالقول : أنه " من أصل روسي هاجر إلى أمريكا في عام 1916 ثم حمل
الجنسية الأسرائيلية ، وقد نشط كريمر في ترجمة العديد من النصوص السومرية ، ولكن
بحوثه أختلفت عن بحوث علماء اللغة السومريين الآخرين في كونها لا تقتصر على البحث
في اللغة السومرية وترجمة نصوصها ، وإنما وظفت البحوث اللغوية للتأكيد على وجود
السومريين وعلى دورهم الفاعل والمتفوق في خلق حضارة وادي الرافدين ، وعلى تخلف
الأكاديين والأقوام العربية القديمة قياسا بهم ، ولقد تضمنت كتب كريمر العديدة
الواسعة الانتشار والمترجمة إلى العربية عبارات وأحكام مناقضة لقواعد البحث العلمي
ومخالفة لأبسط قواعد المنطق ... "[4]
، ويواصل نقده لـ(كريمر) ، لا سيما إشارته إلى ان السومريين سيطروا على البلاد في
أعقاب ما يصطلح عليهم بالعبيديين ( نسبة لتل العبيد جنوب الناصرية في جنوب العراق
) ، ثم أسسوا حضارتهم الناضجة في المدة التالية ، لكنهم كانوا يواجهون تدفقا سلميا
أو حربيا من جانب الاقوام السامية ، التي كانت منتشرة في الصحراء السورية وشبه
الجزيرة العربية ، ويفترض كريمر أن حصول ذلك في المراحل التأريخية ، يدفع إلى
الأعتقاد بحصوله في المراحل التي تسبق التدوين ، ومثل هذا الرأي ، يجده الدكتور
نائل حنون محاولة لأثبات وجود شعبين منفصلين هما السومريين والأكديين في العصور
التي لا يمكن البرهنة على وجودهم فيها ، لعدم وجود النصوص المدونة ، وفي الوقت
نفسه ، يأخذ على كريمر أفتراضه وجود صلة ما كأن تكون صلة دم بين السومريين
والعبرانيين ، على الرغم من تسليمه بأنهم من الناحية اللغوية مختلفون عن بعضهم
البعض [5]
، أي أنه يرى أن العلامة كريمر افترض مع العبرانيين ما لم يفترضه مع الساميين ، ويحمل
حنون كريمر مسؤولية ترجمة مصطلحات سومرية بخلاف معانيها الأصلية ، عادا أن هذا
الأمر كان مما أوهم الباحثين بوجود السومريين ، ومن هذه المصطلحات مصطلح ( KALAM ) الذي يعني
باللغة السومرية البلاد أو الأقليم أو السهل أو البر ، الذي يرادف مصطلح ( matu) الأكدي ، إلا
أن كريمر – بحسب رأيه – قد ترجمها بما يوحي بأنها تعني بلاد سومر ، ومصطلح ( SAG.GIG) الذي يعني سود الرؤوس ( نرجح أن يكون معناه : سواد الناس بحسب التعبير الدارج ) ، الذي يقابله المصطلح الأكدي ( Salmat
qaqqadim)
، على أنه يعني الشعب السومري [6]
، ويبدوا ان هذا الرأي لم يكن حكرا على الدكتور حنون ، إذ كان لأحد الباحثين رأي مشابه ، عندما أشار إلى أن كريمر " درج على ترقيع النصوص ، التي غالبا ما تكون أدبية ، بحيث يردم كل
فراغ نصي يواجهه بنص آخر يتوقعه ، وهذا الإجراء وأن كان يغري القاريء ، لكنه يخدعه
ويحمل مخاطر التأويل الأيديلوجي معه " [7]،
كما يتشابه طرح الدكتور حنون مع طرح آخر قدمه في وقت سابق الدكتور أحمد سوسة ، حمل فيه الباحثين
الأوربيين مسؤولية تعظيم دور السومريين على حساب الساميين ، إذ يقول " ان
اكثر الباحثين الاجانب كانوا ولا يزالون ينفردون بالبحث عن تأريخنا القديم ، وهم
الذين ابتدعوا نظرية تأريخية لا تستند إلى واقع تأريخي فضلا عن انها تجانب المنطق
والعقل السليم ، وهذه النظرية تجعل الحضارات التي ازدهرت في جنوب العراق ما قبل
التأريخ تعود كلها إلى السومريين ، في حين أنهم يعلمون حق العلم بأن هذه الحضارات
لا يمكن ان تكون إلا سامية الاصل ... ان القصد الأساسي هو محاولة أعطاء الاهمية في
المبادهة الحضارية إلى شعب غير سامي غريب عن منطقة وادي الرافدين ، وفي مقدمتهم
السومريين الغرباء الذين لا يمتون بصلة لغوية إلى الساميين الذين أوجدوا اقدم
حضارة في وادي الرافدين " [8] ،إلا أن الملاحظ على الدكتور سوسة أنه لم ينفي وجود السومريين كما فعل الدكتور نائل حنون ، بل على الضد من ذلك أكد وجودهم ، ليس لغويا فحسب بل وجسمانيا وحضاريا أيضا ،
لكنه اكتفى بجعل مساهمتهم الحضارية مرتبطة ارتباطا مباشرا بمساهمة جيرانهم
الساميين .
إننا لا ننفي احتمال وجود إنحياز ما من بعض المؤرخين الغربيين
ضد الدور الحضاري للساميين ، قد يدفعهم إلى ذلك تعصبهم الأعمى لحضارتهم ، إلا أن
هذا الإنحياز أن وجد ، فهو ليس بالقدر الذي يدفع هؤلاء إلى إختراع شعب من العدم
وإعطائه زمام الريادة الحضارية ، كما لا يجب أن يدفعنا ذلك إلى الغلو في ردودنا ، إلى
درجة قد تودي بنا إلى الوقوع في فخ الإنحياز الذي أتهمنا به المؤرخين الغربيين ، ما
قد يجعل من أي طرح نقدمه بإزاء ما طرحه المؤرخون الغربيون على أنه نوع من رد الفعل أو
طرح عاطفي ليس إلا ، أما صاموئيل كريمر ، فلا
يخفى على أحد مكانته الكبيرة بين علماء المسماريات ، ناهيك عن الدور الذي مارسه في
الإرتقاء بمكانة الدراسات المسمارية ، حتى غدت من الدراسات المشهود لها بالنجاح
والتميز ، في حين كانت اجتهاداته في ترجمة النصوص ذكية وملهمة ، لذا لا يمكن ان نعدها مفبركة للترويج
للسومريين ، لأن مثل هذه الإجتهادات جائزة عند ترجمة النصوص وذلك لأجل تقريب
المعاني إلى القاريء .
أما
بخصوص اللقب الملكي ( ملك سومر وأكد ) الذي أستند إليه الباحثون وأولهم أوبرت في
تأكيدهم على وجود السومريين ، فقد حاول حنون أن يبرهن على أن هذا اللقب لا يحمل أي
فحوى جغرافي أو قومي ، ويقدم لذلك أدلة منها أن الألقاب التي لها فحوى جغرافي هي
الألقاب التي تتضمن أسماء المدن ، مثل ( ملك أور ) ، ( ملك كيش ) ، ( ملك أوروك ) ، ( ملك أكاد )
[9]،
كذلك حاول أن يبين أن ذكر سومر إلى جانب أكد في الألقاب الملكية لم يكن يقصد به
الإشارة إلى وجود بلدين أو قومين بهذا الأسم ، بل التعبير عن بسط السلطة لا غير ! ، وبالتأكيد نحن لا نوافقه الرأي حول عدم إرتباط تسمية سومر بفحوى جغرافي أو قومي ، لأن الحقيقة أنها عبرت منذ البداية عن المكان الذي قطنه السومريون ، فجرى تحديده بالمنطقة الجنوبية من العراق ، بين مدينة نيبور ( نفر ) شمالا وساحل البحر ( الخليج العربي ) جنوبا ، يحده من الشمال الموطن الذي قطنه الساميون الأكديون الذي أشير له ببلاد أكد ، ما جعل هاتان التسميتان مرتبطتان إرتباطا وثيقا بالعاملين الجغرافي والقومي ، وكذا
الحال فيما يخص الأدلة الأخرى التي يفترضها لتأكيد طرحه ، فقوله أن ملوك سلالة أور
الثالثة كانوا يستعملون لقبا لا ترد فيه لفظة بلاد ، أي إستعمالهم لـلقب ( ملك
سومر وأكد ) [10]، لا ينفي وجود بلاد بهذا الأسم ، وفيما إذا قصد
منه وجود بلد واحد تحت أسم ( سومر وأكد ) وهو امر مرجح جدا ، فهو لا ينفي ان هذا
البلد يضم شعبين مختلفين إلا أنهما يعيشان في بلد واحد مثل سواهما من الشعوب
الأخرى ، كما أن إضافة لفظة (بلاد) إلى لقب ملوك العصر البابلي القديم ، العصر
الذي غاب فيه السومريون عن المسرح السياسي ، لا يقدم أي دليل على عدم وجود
السومريين في أي عصر من العصور ، لأن أختفاء هؤلاء عن المسرح السياسي لا يعني
أختفائهم كـشعب ، مثلما لا يصح أن نعتبر أنتهاء حكم الأكديين زوالا لوجود الشعب
الأكدي ، لأن هذه الشعوب تبقى ضمن نسيج السكان ولا تزول أبدا ، ومن أدلته أيضا عدم
ورود اللقب بالصيغة ( ملك بلاد سومر وبلاد أكد ) ، وهذا بحسب رأيه مما يؤيد كونهما
بلد واحد [11]، وقد
اوردنا قبل قليل ان هذا لا يمنع أن يوجد في هذا البلد الواحد شعبين مختلفين ، ومثل
ذلك فيما يخص الصيغ اللغوية إذ لا يجب عدها تأكيدا لحقيقة ما ، بقدر علاقته بمفهوم
الإختصار ، فعادة ما يأخذ الكلام أو الكتابة جانب الأختصار لضرورات جمالية بحتة
وليس لأي سبب آخر ، أما حول مجيء لفظة سومر مقرونة بلفظة أكاد دائما وعدم حصول ذلك
مع لفظة أكاد ، فلا يعد دليلا كافيا ، فضلا عن أنه في هذا الدليل قد ناقض معلومة
قدمها في مكان آخر من الصفحة نفسها ، عندما أشار إلى أستعمال الملك الأكدي ( شار
كالي شري ) لـلقب ملك سومر ( LUGAL
KI. EN. GI)
[12] .
(3)
ومن الادلة المفترضة التي يسوقها لتأييد طرحه
، أن اللغة السومرية لغة منفردة ، لا تعود لأي عائلة لغوية قديمة أو حديثة معروفة ،
وهي على شكل مقاطع يرمز كل مقطع إلى كلمة معينة ، كذلك يعتبر استمرار استخدام
اللغة السومرية تأكيدا على ان هذه اللغة ليست خاصة بقوم معينين بل هي لغة ثانية
للشعب نفسه ، اي الشعب السامي بكافة فروعه ، أي أنها ( أي السومرية ) لغة للتدوين لا الحكي [13]
، وهذا يفنده تطور اللغة السومرية وإقتباسها لمفردات من اللغة الأكدية ، لأن هذا التطور سيكون أمرا غير ضروري للغة مخصصة للتدوين لا الحكي ، والأمر ذاته يصح فيما يخص إقتباسها للمفردات الأكدية ، فهو ليس ضروريا بوجود اللغة الأكدية كلغة للحديث ، ولا ندري لماذا يعتمد شعبا ما على لغة معقدة تختلف عن لغته الام اختلافا كبيرا في
التدوين مع انه يعتمد في نفس الوقت على لغته الأصلية ، فبحسب العلامة جان بوتيرو
فأن اللغتين السومرية والأكدية " بعيدتان عن بعضهما بعد الصينية عن
الفرنسية وأن بدى لنا مستخدموها وكأنهم لم يقيموا وزنا لهذا الأختلاف بل
أستعملوهما ظاهريا ليس كنظامين لغويين متنافرين بل كمجرد أختلافات متناسقة لـلغة
واحدة بعينها " [14]
، وبالتأكيد ، فإننا لو أنسقنا مع المقطع الأخير من نص بوتيرو ، لوجدنا أنه يدعم
وجه نظر الدكتور حنون ، ولكن ما قصده بوتيرو هو الإشادة بقدرة اللغويين السومريين
والأكديين على التوفيق بين لغتين مختلفتين ، فوفقا لمنهج الدكتور نائل حنون يصح أيضا أن
يكون السومريين هم مخترعي اللغة الاكدية وليس العكس ( أي أن الأكديين هم مخترعي
اللغة السومرية كما يفترض حنون ) ، لأنهم وجدوا أن لغتهم الأصلية أكثر تعقيدا من
أن تكون لغة لـ الحكي والتدوين معا ، فأخترعوا لغة يمكن أن تكون لغة محكية وفي نفس
الوقت لغة للتدوين .
ويلاحظ على الحجج التي يقدمها الدكتور حنون أنها من نفس
الحجج التي كان يطرحها المعترضون الأوائل على وجود السومريين ، في الوقت نفسه الذي
يتجاهل فيه تلك التطورات التي شهدها علم الآثار ، والتي جعلت تلك الاعتراضات جزءا
من الماضي ، فقد طرح إدوارد هنكس ( Edward Hincks ) بعد أكتشاف النصوص المدونة
بالخط البابلي – الآشوري ( قبل التأكد من أن البابلية والآشورية ما هما إلا لهجتان
من لغة واحدة سميت اللغة الأكدية ) ، إلى أن هذا الخط لا يمكن ان يكون من أختراع
سكان بلاد بابل و آشور من الساميين ، وذلك قبل أن يتم أكتشاف النصوص السومرية ، مرجحا
أقتباسه من قوم آخرين لتدوين لغتهم به ، وقد استند في ذلك على دليلين أساسيين
أولهما : أن اللغات السامية تقوم على أستعمال الحروف الصحيحة ( الصامتة ) ، التي
تغير حركتها بحسب مواردها في الكلمات ، ولكن المقاطع المسمارية تقوم على تعاقب
الحروف الصامتة والصائتة ( الصحيحة والعلة ) معا ، وكلاهما ثابت في المقطع ، أما
الدليل الثاني ، فيبرز من خلال أن معظم القيم اللفظية المقطعية للعلامات المسمارية
، لا يمكن أن تكون قد نشأت من كلمات بابلية وآشورية [15]
، وهنا نجد أن حنون يرد على ذلك ، بأن
" الطريقة المقطعية لا يمكن أن تكون بحد ذاتها دليلا على عدم إمكان
أبتكارها من قبل أصحاب اللغات السامية القديمة ، وذلك لأنها وجدت في المراحل
التأريخية الأولى لأختراع الكتابة في الألف الثالث قبل الميلاد وأصبحت وسيلة
لأختراع الأبجدية في الألف الثاني قبل الميلاد ، من جهة أخرى أن المقاطع نفسها
أستعملت للتعبير عن الحروف الصحيحة المحركة بحسب مبدأ الأبجدية نفسه ولكن مع إظهار
الحركات في المقاطع المختلفة بالشكل الذي يعتبر في اللغات الأوربية حروف علة ، فحين
يتطلب الأمر تحريك أي حرف صحيح في البابلية والآشورية كان يعمد إلى أختيار أحد
ثلاث مقاطع يدخل فيها ذلك الحرف ، فعلى سبيل المثال يمكن أختيار المقطع ( mu ) أو ( ma ) أو ( mi ) لحرف
الميم في حالات التحريك بالضمة أو الفتحة أو الكسرة في وقت لم يكن الإنسان قد توصل
فيه إلى نظام الكتابة الأبجدية بعد ، وهكذا فأن المقطعية مرحلة نقلت البشرية إلى
الأبجدية بعد أن دون فيها ما كان منتظرا تدوينه بالأبجدية " ثم يتناول الدليل الثاني بقوله "
أنه أحصي في البحث ما لا يقل عن 157 مقطعا رمزيا أي بعلامة واحدة لكل كلمة في
الكتابة المسمارية من غير أن يكون لأي منها قيمة مقطعية ، وهذا يعني أنها وضعت من
قبل قوم غير اللذين ابتكروا الكتابة المسمارية أو أنها وضعت من قبل المخترعين
أنفسهم ولكن من لغة كانوا يستعملونها وتختلف عن اللغة ( ربما الأصح لغة ) الذين
أخترعوا الخط المسماري لتدوينها "[16] ، ويعد الدكتور نائل حنون عدم معرفة اللغة
التي كتبت بها نصوص الطبقة الاخيرة من الوركاء ، من الأدلة التي تؤكد ان السومريين
لم يكونوا هم مخترعي الخط المسماري ، وانما قاموا بتبنيه في مرحلة لاحقة ، عندما
اتضح ان لغة الواح اور في حدود 2800 ق.م هي السومرية ، ومن ثم تبناه الاكديون ايضا
، ولان الخط المسماري لا يلائم تماما كل الاصوات التي يجدها المختصون باللغة
السومرية ، فعليه يمكن الافتراض ان الخط المسماري من اختراع قوم آخرين غير
السومريين [17] ،
بل ويقطع في احدى فقراته بكون الاكديين هم الذين اخترعوا الكتابة السومرية ، دون
ان يذكر السبب الذي يدعوهم لأختراع كتابة لا تلاؤم كثيرا لغتهم ، مع انه اشار في
نفس المكان إلا انهم واجهوا مشكلة الحاجة إلى مقاطع صوتية كثيرة ، لإطلاقها على الأشياء
التي يحتاجون إلى تدوينها ، فاستخدموا طريقتين لهذا الغرض ، الطريقة المسماة تجانس
الألفاظ (Homophony
) ، وطريقة تعدد الألفاظ ( Polyphony) ، وفيما يخص الطريقة الأولى ،
فأنه يقصد بها وجود عدة مقاطع مختلفة الرسم والدلالة ولكنها متطابقة اللفظ ، أما
الطريقة الثانية ، فيقصد بها أن للعلامة المسمارية الواحدة ألفاظ عدة ، وهو يعتقد أن
السومرية لو كانت لغة محكية قبل البدء بالتدوين ، لكانت مفرداتها متكاملة [18]
، لكن هل يمكن لهذه الاعتراضات ان تنفي وجود اللغة السومرية وعدها مجرد وسيلة
للكتابة ؟ ولو كان هذا صحيحا لكانت اللغة الاكدية ، هي أول لغة يدون بها الخط
المسماري وليس اللغة السومرية ، فيما " أن تثبيت الحروف الصوتية في
الكتابة الاكدية كان فرية كبرى ساعدت على نقل الكلام الحي بمنتهى الدقة والأكاديون
مدينون بهذه المنجزات إلى معلميهم السومريين " [19]
، أي أن الأكديون لو قاموا بأنفسهم بأختراع خط لـ لغتهم لما أحتاجوا لإجراء تعديلات على لغتهم تتناسب مع تبنيهم للخط
المسماري المخترع بالأساس لـ لغة غير لغتهم ، ولقد مضى زمن طويل كانت فيه اللغة
السومرية هي اللغة الوحيدة المدونة بالخط المسماري ، قبل أن يشاركهم الأكديون في
تبني هذا الخط ، لأن اقدم مخلفات اللغة الأكدية ، لا تسبق حكم الملك سرجون الأكدي
( 2340 ق.م ) إلا بنحو 150 سنة [20]
، وهي مدة متأخرة كثيرة عن الزمن الذي اخترع فيه الخط المسماري ، في حدود منتصف
الألف الرابع ق.م ، وهذا بحد ذاته دليل على أن السومريين هم مخترعي هذا الخط أو
على الأقل أول متبنيه في نمطه الجديد ( المسماري ) ، بعد التحول عن النمط التصويري
، فقد " توصل العلماء إلى معرفة اللغة التي تعبر عنها هذه الكتابة
بالمقارنة مع نصوص اخرى متأخرة عنها زمنيا وتبين لهم انها سومرية إذ وردت في احدى
لوحات أوروك عبارة ( انليل – تي ) وهي تعبير سومري عن دعاء يوجه إلى الإله انليل
ويعني ( انليل احفظ حيا ) ، وبفضل اكتشاف هذه الكتابة ومظاهر حضارية اخرى تبين ان
السومريين قدموا إلى بلاد الرافدين في وقت سابق يختلف الأثريون في تحديده
" [21]
وبحسب الكتور عامر سليمان : " ان اللغة السومرية هي اقدم لغة مدونة معروفة
حتى الان ليس في العراق فقط بل وفي العالم قاطبة طالما كانت الالواح الطينية التي
ترقى بتأريخها إلى دور الوركاء ودور جمدة نصر ( العصر الشبيه بالكتابي ) والتي
دونت عليها بالعلامات الصورية بعض العبارات السومرية هي اقدم نماذج الكتابة
المعروفة حتى الأن ، فالمعروف ان السومريين هم أول من ابتدع وسيلة للتدوين في
أواسط الالف الرابع قبل الميلاد دونوا بها لغتهم ، ولابد ان كانت اللغة السومرية
معروفة ومستخدمة في مدن جنوب العراق أي في بلاد سومر من قبل ان تخترع الكتابة
وتستخدم للتدوين بفترة من الزمن لا نعرف طولها " [22]
، وبالتالي فقد عد جان بوتيرو فك طلاسم اللغة السومرية على انه قد وفر " البرهان
القاطع على وجودهم وإستقلالية لغتهم ومن ثم على مكانتهم الحقيقية في تأريخ البلد
القديم " [23]
، كما يحاول الدكتور حنون ، الاستناد إلى الطرح الذي قدمه كل من : بينو لاندزبيرجر ( (Benno Lndsberger ) ، وأجنس جي جيلب ( Ignace
Jay Gelb) ، في اثبات طرحه ، فقد تأكد هذان الباحثان من
وجود ألفاظ في النصوص السومرية لا تعود إلى اللغة السومرية ، وهذه الألفاظ تشمل
أسماء معظم المدن ، وأهم المهن والأنهار ، وبشكل خاص نهري دجلة والفرات ، وقد
استند لاندزبيرجر على كون تلك الكلمات تتكون من مقطعين أو أكثر ، فيما أن معظم الألفاظ
السومرية تتكون من مقطع واحد ، كما انه توجد خصائص لفظية في تلك الكلمات لا سيما
في نهاياتها غير مألوفة في الكلمات السومرية ، وعلى الرغم من ان معظم المختصين
اشاروا أيضا إلى عدم عائدية هذه الكلمات إلى اللغة الاكدية [24]
، إلى ان الدكتور نائل حنون يقول، " ان
الاطلاع على هذه الكلمات يفصح منذ الوهلة الاولى عن اصول أكدية / سامية قديمة وان
عدد منها مشترك مع اللغة العربية لفظا ومعنى ومما يمكن ملاحظته أيضا ان الانتشار
الجغرافي للمدن المشار إليها تطابق الانتشار الجغرافي لدور العبيد " [25]
، أي أنه قطع بكون سكان العبيد من أصول سامية .
(4)
ومن أدلته المفترضة أيضا تسمية أشخاص اكديين
بأسماء سومرية ، والعكس صحيح ، كما هو الحال مع اسم ابنة سرجون الاكدي انخيدو –
انا ، ذات الاسم السومري ، فيما حمل اثنان من ملوك سلالة أور الثالثة أسماء اكدية ،
وهم الملك الثالث ( امار – سين ) ، و الأخير (ابي – سين ) ، ومثل ذلك فيما يخص سلالة كيش الأولى ، التي
حمل أكثر من نصف ملوكها تسمية اكدية ، والباقي بين سومرية ولغة أخرى [26]
، كما بيّن صعوبة تطابق العقائد الدينية والآداب بين قومين مختلفين ، ناهيك عن سمة
استمرار تسمية المعابد الدينية بأسماء سومرية [27]
، ومن أدلته أيضا ، وجود مقاطع رمزية في السومرية دون وجود قيما صوتية ، الأمر
الذي يعتقد بأنها دخلت من اللغة الأصلية ( الاكادية ) [28]
، ولمناقشة ذلك نقول : أن تسمية الاكديين بأسماء سومرية وبالعكس ، فأنه لا يعد
دليلا على أن أصحاب هذه الأسماء يعودون بالقطع إلى خلفية عرقية واحدة ، لأن مثل
هذا الأمر شائع في كل المجتمعات ، فالفرس والترك المعاصرين مثلا يتسمون بأسماء
عربية ، لكن هذا لا يعني أنهم من أصول عربية ، إنما جرى ذلك بحكم العوامل الدينية
والاجتماعية والتاريخية المشتركة ، والشيء نفسه فيما يخص السومريين والأكديين ، فأنهم
بحكم عيشهم المشترك لأكثر من ثلاثة آلاف سنة ، فأنه قد نشأت لديهم مشتركات عديدة ،
من بينها مشتركات الحضارة والوطن والمصالح والتأريخ والديانة ، وما إلى ذلك ، فليس
بالغريب إذن أن يتسمى السومريون بأسماء أكدية والأكديون بأسماء سومرية ، ومثل هذا
يصح على العقائد المشتركة للشعبين السومري والأكدي ، فهذه العقائد إذا ما نظرنا
إليها كمجمل ، سنجد أنها نتاج للعوامل المار ذكرها ، وليس لكونها صادرة من شعب
واحد ، وإلا فالاختلافات ليست منتفاة ، بل يمكن تلمسها من خلال أسماء الآلهة وبعض
العبادات والشعائر ، التي لا تخل بالطبع بجوهر الديانة المشتركة ، على الرغم مما
تمثله من خصوصية لهذا الشعب أو ذاك [29]
، وفيما يخص إشارته إلى وجود مقاطع رمزية في اللغة السومرية دون وجود ما يقابلها
من قيم صوتية ، ففضلا عن كونه أمر معتاد
في الكثير من اللغات ، كما هو الحال مع اللغة الانكليزية الحديثة ، فإنه كذلك قد
يكون نتاجا لتطور تم لكل من الخط المسماري واللغة السومرية ، علما أن الخط
المسماري قد مر بثلاث مراحل من التطور ، هي ( الصورية والرمزية والصوتية ) [30]
، فيما أن التغييرات قد طالت أيضا اللغة الأكدية حيث " أصبح لبعض المقاطع
الكثير من الدلالات والمعاني المختلفة وليس هذا وحسب بل أن بعض المقاطع قد أتخذت
قيما جديدة تتناسب مع معطيات اللغة الاكدية كما هو الحال مع العلامة الدالة على
الرأس " [31]
، أما الأدب فيرى الدكتور نائل حنون ، أن
النصوص الأدبية سواء كانت سومرية أم أكادية تتوزع على الأبواب الأدبية التسعة
نفسها ، التي قسمت إليها تلك النصوص ، ومنها يستشف ، إلى أنه لم يكن هناك أدب
سومري وأدب أكدي ، وإنما أدب واحد دون بلغتين ، إما على اللوح نفسه أو على لوحين
منفصلين ، ومن يفترضه دليلا أيضا ، أن المؤلفات الأدبية السومرية والأكادية ظهرت
في وقت واحد تقريبا ، وهذا ما ينفي – بحسب وجهة نظره – ان تكون القطع الأدبية مجرد
ترجمات أو أقتباسات من القطع السومرية بإعتبارها أقدم [32] ، وردنا على
ذلك ، أن ما أشار إليه من توزع النصوص الأدبية المدونة باللغتين على تسعة أبواب ، لا
يعني أنها منتجة من شعب واحد ، فالآداب العالمية
كلها متطابقة إجمالا في تقسيماتها
الأدبية ، مع أنها منتجة من شعوب عدة ، ولو صح دليل الدكتور حنون ، لأصبحت معظم
هذه الآداب منحولة ، كذلك لا يعني ظهور المؤلفات السومرية والأكدية في وقت واحد ، أنها
ليست مقتبسة من أصل أقدم ، هذا إذا افترضنا دقة ما أشار إليه بشأن ذلك ( نحن لا
نقصد ان الدكتور حنون غير دقيق في تقسيم الأبواب الأدبية للنصوص المتوفرة ، بل
نقصد ما تحتمله التنقيبات الأثرية أو الدراسات العلمية اللاحقة ، من معلومات قد
تغيير من معطياتنا الحالية ) ، لأننا حتى وأن توصلنا إلى ذلك بما لدينا من معطيات ،
فأن من الممكن تغير هذه المعطيات من خلال الأكتشافات الأثرية ، أما سبب تدوين
النتاج الأدبي في العصر البابلي القديم " فأنه نابع – على ما يبدو – من
خشية الأنظمة السياسية الحاكمة انذاك من ضياع الموروث الأدبي السومري لا سيما بعد
تقلص التحدث باللغة السومرية " [33]
، ولعل مما يدعم ذلك ، أن الأكديين ليسوا هم الوحيدين الذين أقتبسوا الأدب السومري
، بل معظم الشعوب المجاورة " لأن السومريين كانوا يملكون أدبا غنيا ..
وكانوا يتمتعون بميثولوجيا غنية جدا ، وفي هذه الميثولوجيا يمكن أن نرى الكثير من
الموتيفات التي استحوذت عليها لاحقا كل الشعوب في الشرق الأوسط والتي عايشت كل
التغيرات التأريخية لتصل إلى وقتنا الحاضر ... " [34]
.
(5)
وعلى الرغم من عدم الاتفاق على فروق جسمية
معينة بين السومريين والساميين، إلا أن
هناك من يؤكد ان هذه الفروق تبدو واضحة في جوانب عدة ، وهذا ما بينه المؤرخ الذي
تناول تاريخ الساميين ( احمد ارحيم هبو ) ، في معرض تناوله اوصاف السومريين نقلا
عن كريمر ، إذ أورد انهم " كانوا اميل إلى الامتلاء واقصر قامة من
الساميين ، وتبدوا انوفهم في الرسوم عريضة ومستقيمة ، ويظهرون في عصورهم الاولى في
اغلب المشاهد المصورة من دون لحى ، ثم تظهر تماثيلهم في أواخر عصر السلالات
الباكرة وفجر التأريخ بلحى كثة ، ويظهر حكامهم في فنونهم التشكيلية وهم يرتدون
ثيابا نصفية تمتد إلى ما تحت الركبة مرسلة في صفوف على هيئة فلوس السمك تشبه شبكة
الصيد " [35] ، ونحن هنا لا نتفق تماما مع فرضية وجود فروق جسمية متميزة بين السومريين والساميين ، أما ما تعرضه المنحوتات من فروق فهي ليست بالشيء الكبير وقد تكون معبرة عن حالات فردية ، لكن حتى مع وجود فروق جسمية ولغوية ، فإن هذا لم يمنع من توحد هذين الشعبين ، بل ومختلف
الشعوب الاخرى التي عاشت في هذه الارض ، وتقاسمت فيما بينها الزاد والملح ، وشاركت
جميعا مع اختلاف في الكم في بناء وتطوير حضارة وادي الرافدين ، وفي هذا يقول (ول
ديورانت) في قصة الحضارة ، عن سكان بلاد الرافدين من السومريين والساميين وغيرهم
من الاجناس الاخرى ، انها : " كانت تتعاون دون ان تشعر بتعاونها – ولعلها
كانت تتعاون على الرغم منها – لتقيم صرح حضارة هي اول ما عرف في التأريخ من حضارة
واسعة شاملة فذة وهي من اعظمها ابداعا وإنشاء " [36] ، اما الاختلاف
حول الموطن الذي جاء منه السومريون ، فليس هذا مما يبرر نفي وجودهم ، فهناك الكثير
من الاقوام التي لم يقطع بمواطنها الأصلية ، ومع ذلك لم يشك أحد بوجودها ، مثل : العيلاميين
واللولوبيين والكوتيين والحوريين ، فالنظريات التي تناولت الموطن الذي جاء منه
السومريون ، كثيرة ، و ليست جميعا ضعيفة السند ، أهمها النظرية التي تؤكد على الاصل الداخلي
(أي على انهم من سكان العراق الاصليين ) ، إذ ينطلق هذا الرأي من حقيقة أنه ليس من
المفترض أبتداءا ان يكون هذا الموطن من خارج بلاد الرافدين ، فالبيئة التي يعرضها
السومريون في أدبهم ، هي بيئة جنوب بلاد الرافدين ، وليس هناك أي إشارة ولو صغيرة
عن بيئة مختلفة ، ويؤيد ذلك جورج رو بقوله : " تدور حوادث القصص والاساطير
السومرية في وسط غني بالانهار والبحيرات وبالبردي والنخيل – وهذه خلفية نموذجية
لمنطقة جنوب العراق – وتعطي انطباعا قويا بأن السومريين قد عاشوا دائما في ربوع
هذه المنطقة ، وليس هناك ما يؤكد وجود أي موطن سالف للسومريين يختلف عن وادي
الرافدين " [37]
، ويؤكد جورج رو انه : " وهكذا كلما حاولنا دفع حدود مشكلتنا في مجاهل
عصور ما قبل التأريخ لدرجة اننا نصل في النهاية إلى حد التشكك أصلا بمواجهتنا لثمة
مشكلة جدية حقا ، لقد كان السومريون شأنهم شأننا مزيجا من الاجناس وربما أيضا من
الشعوب ، كما كانت حضارتهم كحضارتنا مزيجا من العناصر الاجنبية والمحلية الاصلية ،
اما لغتهم فتعود إلى مجموعة لغوية كبيرة غطت كل منطقة غرب آسيا وربما امتدت ابعد
من ذلك ، وأعتمادا على هذا يمكن ان يكون السومريون تفرعا لشعب استوطن الجزء الاكبر
من الشرق الادنى في العصور الحجرية الحديثة والعصور الحجرية – المعدنية المبكرة ، أي
انهم بأحتصار يمكن ان يكونوا قد تواجدوا دائما في أرض العراق منذ تلك العصور
السحيقة في القدم " [38].
الخاتمة
نستنتج من البحث ما يلي :
(1)أن نظرية الدكتور نائل حنون ليست نظرية حديثة بل هي قديمة وقد دشنها المؤرخ
( جوزيف هاليفي ) في القرن التاسع عشر .
(2)أن هذه النظرية القديمة لم تعد مقبولة من جمهور الباحثين بالنظر لكم
المعلومات التي وفرها علم الآثار عن حضارة وادي الرافدين فالمعلومات المتوفرة عن
السومريين تكفي – بحسب وجهة نظر اغلب علماء المسماريات – لفهم الكثير من خصائص هذا
الشعب ونمط حياته وتقلباته السياسية وربما أكثر من الكثير من الشعوب الأخرى التي
لا يضللها مثل هذا الشك .
(3)أن الحجج الذي قدمها الباحث لنفي وجود السومريين كفيلة أيضا بنفي وجود
الأكديين فيما إذا أخذ الباحث بوجهة نظر معاكسة وإذا ما أمكن لهذه الأدلة أن تكون
حجة في عدم وجود شعب أسمه السومريين فأن الكثير من الشعوب المماثلة لوضع السومريين
ستكون مهددة أيضا كالعيلاميين واللولوبيين والكوتيين والحوريين وما إلى ذلك .
(4) الفرضية
الرئيسية التي يعتمدها حنون لنفي وجود السومريين تنطلق من إعتقاده ان اللغة السومرية
التي يستند إليها المؤرخين في إثبات وجود السومريين هي لغة للتدوين لا للحكي وهو
أمر يستدعي التساؤل عن سبب إعتماد شعب على لغة تختلف عن لغته الام أختلافا كبيرا
في التدوين مع انه يعتمد في الوقت نفسه على لغته الأصلية .
[1] . صاموئيل كريمر ، السومريون : أحوالهم – عاداتهم –
تقاليدهم ، ترجمة : فيصل الوائلي ، ( الكويت ، 1973 ) ، ص 27 .
[7] . من مقدمة لسعيد الغانمي ، ينظر : هاري ساكز ،
البابليون ، ترجمة : سعيد الغانمي ، ( بيروت ، ط1 ، 2009 ) ، ص 9 .
[14] . جان بوتيريو ، بلاد الرافدين : الكتابة – العقل –
الآلهة ، ترجمة : الأب البير أبونا ووليد الجادر ، ( بغداد ، 1990 ) ، ص 124 .
[19] . مجهول المؤلف ، دور سوريا في البناء الحضاري والإنساني
عبر التأريخ ، ترجمة وأعداد : سعد صائب ، ( دمشق ، بلا تأريخ ) ، ص 40 .
[29] . يمكن تلمس هذه الأختلافات في المصدر التالي : جان
بوتيرو ، الديانة عند البابليين ، ترجمة : وليد الجادر ، ( دار الأنماء ، ط1 ،
2005 ) .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق