باسم محمد حبيب
في ذكرى أي حدث مؤلم يتجاهل الناس غالبا المواقف الحسنة أو الطيبة التي ترافق في العادة ذلك الحدث ، ويستذكرون في المجمل المواقف السيئة التي تتماشى أو تتطابق مع نظرتهم السلبية للحدث ، الامر الذي يمكن أن نلاحظه عند استذكار العراقيين والكويتيين لأحداث 2 آب 1990 ، ذلك اليوم التأريخي الذي ينطوي فضلا عن المواقف السيئة والمؤلمة على مواقف حسنة وطيبة من الواجب والامانة أستذكارها لتكون مصداقا لما يجب أن تكون عليه العلاقة بين الطرفين .
ومن هذه المواقف ما حصل عند التقاءنا صدفة بأحد الشبان الكويتيين بعد يومين من ذلك الحدث أي في يوم 4 آب ، فلكوني أحد جنود أحدى الوحدات العسكرية العراقية التي كانت رابضة في محافظة البصرة وقتذاك ومن أبناء أحدى المناطق المجاورة ، فقد أسند ألي وإلى آخرين مهمة نقل كميات من الاعتدة من المخازن الواقعة في منطقة الخميسية الى الوحدة التي ننتمي لها ، لكي يتم أستخدامها في التمرين التعبوي الذي من المزمع أن تقوم به وحدات الحرس الجمهوري وفقا لما كنا نعتقده أنذاك ، إذ لم نكن نعلم شيئا عن قرار غزو الكويت الذي يبدوا أن القيادة العراقية قد أتخذته في السر ، ونظرا لقرب المخازن من مقر سكني فقد سمح لي قائد المجموعة بزيارة أهلي مساء 1 آب 1990 ، فقد كانت زيارة الاهل عند العسكري كمن يجد الماء بعد ضمأ أو يعثر على الطعام بعد جوع لا سيما مع بعد الاجازات وندرتها في الجيش العراقي .
وعند الصباح وعندما كنت أهمْ بمغادرة بيت أهلي ، سمعت بيانا من تلفزيون العراق يعلن عن قيام الوحدات العراقية بغزو الكويت ، ونظرا لاني كنت في تلك اللحظة خارج وحدتي العسكرية فقد خشيت من التبعات التي تترتب على ذلك ، وقررت العودة باسرع ما يمكن حتى أتلافى تلك التبعات المنتضرة ، إلا انني لم أجد أحداً من مجموعتي التي يبدو انها غادرت المخازن فور سماعها بالبيان أو ربما تلقت أتصالا قبل ذلك يحثها على العودة ، لذا كان علي السفر الى البصرة حيث كانت توجد وحدتي قبل تكليفنا بالمهمة ، وبالفعل سافرت الى هناك على أمل ان أجد من يوصلني الى مقرها الجديد ، فوجدت لحسن الحظ أحدى السيارات العسكرية التي كانت تقوم بجمع بعض المستلزمات العسكرية التي تحتاجها الوحدة في مكانها الجديد ، وبعد أن أتمت مهمتها تحركت السيارة التي أقلتنا الى الكويت سائرة بنا في طريق صحراوي قاحل .
وعندما دخلنا الاراضي الكويتية التي عرفناها من خلال علامات الحدود شعرنا بأننا نشهد أحد الاحداث المرة والخطيرة وأن الايام القادمة ستكون صعبة ومؤلمة للغاية ، ولـ أننا كنا جالسين في بدن السيارة الخلفي فقد كنا نشاهد بعض السيارات التي كانت تمر بالقرب منا ، كنا أربعة أشخاص مسلحين ببنادق كلاشنكوف الروسية مع حقيبة تجهيزات تحوي ثلاث أو اربع مخازن عتاد هذا عدا السائق الذي كان جالسا مع النائب ضابط قائد المجموعة في مقصورة السيارة ، في تلك اللحظة أقتربت منا سيارة مدنية سوداء يستقلها شاب ملتحي بلحية خفيفة يضع على رأسه يشماغ أحمر ، وعندما أصبح قبالتنا رمقنا الشاب بنظرة جامدة فشعرت أن من واجبي أن أحييه حتى أشعره بالطمئنينة وبأننا لسنا أعداء له على الرغم من وجودنا في بلده ، فتفاجئنا برده الذي لم نكن نتوقعه حينئذ ، إذ بدأه بالعبوس وختمه بالبصاق ، ما أثار غضب الجالسين الذين كانوا مدعمين بأوامر تتيح لهم الرد على ما قد يعتبرونه تصرف عدواني من الطرف الآخر ، وفي الحال صوبوا بنادقهم اليه بهدف النيل منه ، الامر الذي أثار فيه الهلع والارتباك الذي كاد يفقده السيطرة على مقود السيارة ، هنا شعرت بقسوة اللحظة وما سوف ستؤول اليه ، فوقفت أمام البنادق وصحت بوجوه زملائي" أرموني أولا " فما كان منهم أمعانا في التشدد الا أن صرخوا " ابتعد والا سنرميك معه "، وفي غمرة هذه الجلبة تمكن الشاب الكويتي من أجتياز سيارتنا والابتعاد بها بعيدا ولم تنفع محاولة سائقنا اللحاق به على الرغم مما بذله من سرعة ومطاولة ، حيث غاب الشاب في احدى الاحياء السكنية مستفيدا من سرعة سيارته .
كانت لحظة جميلة مازلت اذكرها بأعتزاز ، فمثلما عبر ذلك الشاب الكويتي عن موقفه الغاضب والرافض لوجودنا في بلده ، كان لنا موقف مماثل عندما أحترمنا حقه في التعبير عن موقفه بل والانتصار له على الرغم مما قد يحمله ذلك من أخطار كانت ماثلة انذاك بل وأقرب ألينا من حبل الوريد .
اذن لننسى السلبيات ولنبني على تلك المواقف الجميلة فربما تعيد ألينا ما قد فقدناه في تلك الايام التي تحبس الانفاس .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق