في كل صراع ينشب بين الإسلاميين والمدنيين او العلمانيين كما يسميهم البعض تدخل بعض القضايا الإشكالية المختلف عليها بينهمح كاحد اسباب
الصراع ، كما هو الحال مع قضية الحفلات الغنائية التي يراها الإسلاميون شيعة كانوا ام سنة خطرا على المجتمع وعلى قيمه ومعتقداته ، في حين يقف المدنيون او العلمانيون موقفا فيه بعض المرونة ، مع اتفاق اغلبهم على ضرورة تقييد هذه الحفلات وجعلها محصورة في أمكنة معينة منعا لحصول حالات غير مستساغة اجتماعيا ، اما سبب مرونتهم فلانهم يرون ضرورة احترام آراء الجميع انطلاقا من المفاهيم الديمقراطية ، او حتى في عد الغناء والموسيقى امران ضروريان لإمتاع الناس والترفيه عنهم لأبعادهم عن صعوبات الحياة ومشاقها ، فهم لا يعرضون ذلك من وجهة نظر دينية بل من وجهة حياتية او قانونية غالبا ، وبالطبع فإن السبب الأساس لمثل هذه الصراعات والخلافات مرتبط بتبني البلد لدستور إشكالي لوجود مواد يتم تفسيرها احيانا لصالح جهة او نهج معين واحيانا اخرى لصالح جهة او نهج آخر و لدوافع سياسية غالبا ، وذلك لان من شارك في كتابته لم يكن اغلبهم من الخبراء الضالعين في هذا الامر ، لذا باتت الكثير من المواد مسببة للخلافات والنزاعات كما هو الحال مع المادة ١٤٠ او المادة الخاصة باستثمار الثروات المعدنية وما إلى ذلك ، وشمل ذلك الجانب العقائدي الذي ركزت عليه اكثر من غيره الأحزاب الأسلامية وغالبيتها احزاب شيعية لانه يمثل مرتكز نفوذها وسيطرتها ، لذا أعطت الكثير من التنازلات في مسألة استثمار الثروات المعدنية او المناطق المتنازع عليها وما إلى ذلك مقابل صياغة مواد تضمن بعض الحقوق الدينية ! ونتيجة لهذه الصياغات المتباينة فقد بات البلد مقسما بين مجموعات عدة لكل منها متبنياتها وأفكارها التي تفرضها في المناطق التي تسيطر عليها ، اي ان البلد بات مقسما عمليا بين اقليم علماني في كردستان ، و منطقة علمانية بشكل كبير في المحافظات الغربية ، ومنطقة تحكمها الأصولية الدينية في محافظات الوسط والجنوب ، كل منهم يستند إلى مواد الدستور في فرض رؤيته ، ومنها المادة الثانية التي تتضمن ثلاث فقرات كل منها يناقض الأخرى ، فالفقرة التي تقول لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت احكام الإسلام ، تنقضها الفقرة الأخرى التي تقول لا يجوز سن قانون يتعارض مع الديمقراطية ، وكذلك يتعارض مع الفقرة التي تقول لا يجوز سن قانون يتعارض مع حقوق الإنسان ، فإذا ما اقر قانونا يجرم تعاطي المشروبات الكحولية ، فان هذا في نظر البعض مخالف للديمقراطية وحقوق الانسان ، والعكس صحيح ايضا ، ونتيجة لوجود هذه المواد الإشكالية فقد أخذت بعض القوانين تطبق في مناطق دون اخرى ومنها قانون تجريم تعاطي المشروبات الكحولية الذي تطبقه الحكومة المركزية ولا تطبقه حكومة اقليم كردستان ، ومنع الغناء الذي يجري تطبيقه في محافظات الوسط والجنوب دون بغداد والمحافظات الغربية ومحافظات كردستان ، وحتى ثوابت احكام الإسلام ليس هناك اتفاق حولها ليس فقط بين السنة والشيعة بل وحتى بين الشيعة والسنة انفسهم ، ما يعني ان المادة تحمل ايضا بذرة لصراعات دينية لها اول وليس لها آخر ، فأين المشكلة ؟ هل هي في الدستور ؟ ام بتاويله وتطبيقه ، ام في الواقع الاجتماعي المنغلق والمتصادم ، ام في وجود قوى سياسية لا يهمها العراق ولا وحدته او تماسكه بشيء ، بل فقط نفوذها ومصالحها ، وهذا بالتأكيد يعني ان العراق أمام مفترق طرق : اما ان يتحول إلى أقسام وجماعات متناحرة ومتكارهة ومتعارضة ، او ان يعيد بناء نفسه فيخرج من واقع الصراع و الفوضى سالما معافى ، وبالتأكيد نحن من نقرر ذلك بسلوكنا وأفعالنا ومواقفنا .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق